Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

زيزي شوشة تتأمل العالم في "مقهى لا يعرفه أحد"

الشعر حقيقة وحيدة أمام مأساة الوجود الإنساني

لوحة للرسام وليد نظامي (صفحة الرسام على فيسبوك)

تعد الشاعرة المصرية زيزي شوشة من الأصوات المهمة التي أثبتت حضوراً لافتاً في السنوات القليلة الماضية. فهي تنتمي إلى ما يمكن تسميته بشعرية "الألفية الثانية"، منذ ديوانها الأول "غرباء علقوا بحذائي"، ثم "اسمح لليل بالدخول"، وأخيراً "مقهى لا يعرفه أحد" (الهيئة المصرية العامة للكتاب). واللافت في هذا الديوان هو توظيفه لدلالات المكان كما يتضح منذ العنوان، في ذلك المقهى الذي لايعرفه أحد، باستثناء الشاعرة التي تلوذ به وتتأمل العالم من خلاله وترصد أوجه الشبه بينه وبين ما يحيط به من طرق وبشر. فهو "طويل" مثل "الطرق" التي قطعتها وحدها، و"مجعد وشائك كوجه المدينة"، بل إنه يتحول إلى مرآة لذاتها حين يشبه اسمها الذي "لا يعرفه أحد" أيضاً.

 وعلى الرغم من أوجه الشبه هذه التي تربط المقهى بالعالم وبذات الشاعرة، فإنه يتحول (فجأة) إلى كائن مفزع تقوم شوشة بأسطرته حين تجعل له أذنين كبيرتين، وعينين مسمرتين، وفماً واسعاً لا يُغلَق إلا بالمسامير. وهنا يدخل العنصر البشري ممثلاً في "تلك المرأة العجوز/ وهي تحكي عن الموت/ الذي تهرب منه كل ليلة"، والبنت التي تحكي حكايات مأسوية عن أبيها الذي هجر أسرتها، وأخيها الذي يعاني عاهة مستديمة.

رؤية مأسوية

نحن إذاً أمام رؤية مأسوية للوجود، ومع ذلك فإن الشاعرة لا تذرف دمعة واحدة إزاء كل ذلك، فما يهمها هو إنقاذ قصيدتها بوصفها الحقيقة الوحيدة أو لحظة التحقق النادرة في وجود آيل للزوال. وهو ما يستدعي تيمة الاغتراب التي تمنعها من الدخول إلى "بيت الحياة" وتظل متمسكة (بتعبير شكري عياد) بـ"العيش على الحافة". تقول، "لم أجرب الدخول إلى بيت الحياة/ لم أستند إلى جدار/ كنتُ دائماً خارج الإطار/ أمشي مرتفعة عن الأرض/ أصوب نظرتي إلى البعيد/ فيتلاشى العالم من خلفي".

هناك رغبة في الارتفاع عن الأرض إلى ما يجاوز "الإطار" الذي تمردت عليه الشاعرة. وبقدر ابتعادها عن العالم المادي يكون اقترابها من الطبيعة البِكر. ولا يعني هذا نزوعاً رومانسياً بقدر ما يعني الاستغناء عن العالم، وأن يصبح لها "جسد لا يسع أحداً"، و"وجه طارد للزمن".

تتجاوز الشاعرة ذاتها لترى الغربة في ملامح الآخرين. تقول عن صديقتها، "هكذا أضاعت العدالة طريق صديقتي/ إنها فقيرة/ تنسج من ظلها أثواباً تنتهكها العيون المعبأة بالرصاص/ وفي الليل تصنع من الألم غطاء جديراً بمحوها". إن جملة "إنها فقيرة" الاسمية المؤكدة، هي الجملة المحورية في هذه السطور، لأنها تفسر كيف يصبح الظل أثواباً، والألم غطاءً، ويظل هذا الفقر الدافع أيضاً إلى الاغتراب المكاني والرحيل إلى "بلاد الله الواسعة"، على نحو ما توحي بذلك غربة شقيق الشاعرة الذي "كلما خطا خطوة/ ضاقت به البلاد / والتف العالم حول جسده".

استدعاء هوغو ونيتشه

هكذا فإن الشاعرة لا تقارب القضايا التجريدية مثل ماهية الشر والخير، بل تقارب تمثيلات الفقر والحزن من خلال العلامات الظاهرة حين تقول، "طوال حياتي لم أعرف/ ما الخير ما الشر/ لكنني عرفتُ الحزن/ عرفتُه في سقف بيتنا البعيد/ عرفتُه في الأصوات المشروخة/ في تلويحة امرأة/ ارتدت الزمن ذات صباح ثم هربت".

وهي حالة قاتمة تفقدها التفاؤل بضحكة طفل أو كلمات محبة، أو حتى الصباح الذي لا يفي بوعوده، بل "يأتي ليبعثرنا/ ثم يتركنا غرباء في الليل". وامتداداً لهذا الحس الاجتماعي تتوقف الشاعرة أمام شخصية "جان فالجان"، بطل رواية "البؤساء" لهوغو، وهو سجين سابق عانى كثيراً بعد خروجه من السجن، ما يعكس الأوضاع الاجتماعية في فرنسا القرن التاسع عشر. تستعير الشاعرة هذه الشخصية ليس على سبيل "القناع"، بل للتعبير المباشر عن الحالة الراهنة من خلال بنية التوازي. تقول مخاطبة "جان فالجان"، "عشرون عاماً/ وأنت تسدد فاتورة الجوع/ وتدرب أسنانك على مضغ العدم". إن "مضغ العدم" هو التعبير الأشد قسوة من تعبير "الجوع"، لكن الشاعرة تلفتنا إلى أن "فالجان" ظل يحلم بأن يصير "ضوءاً/ يتسلل بهدوء إلى الغرف المعتمة"، أو "كِسرة خبز في نافذة العالم". إنه يتسلل بهدوء وخفية كما لو كان يعالج واقعه بأطراف الأصابع وليس بالمواجهة الصريحة، لأنه يدرك أنه لم يعد حراً بما يكفي لهذه المواجهة.

وفي أولى قصائد الديوان تصف الشاعرة نفسها بأنها "حفيدة نيتشه"، لأنها مثله حملت جثتها كي تدفنها في أرض بعيدة، لكن هناك آصرة أخرى بينهما هي ما يمكن أن نسميها "الكتابة بالدم"، حين تقول إنها تعرف كثيراً عن السماء والأرض التي صارت حفرة، لكنها لا تعرف شيئاً عن دمها الذي كتب هذه القصيدة. وهو ما يذكرنا بقول نيتشه، "لا أحب من الكتابات كلها إلا تلك التي تكتب بالدم. اكتب بالدم وستعرف أن الدم روح". وفي موضع آخر تصف نفسها بأنها صديقة نيكانور بارا، حيث "تخربش" معه كل مساء جدران الموت. لكن بارا الذي وصف بأنه "شاعر ضد الشعر"، أو ضد صوره المجانية، كان يبحث عن "شعر يرتكز على أحداث وليس على تركيبات وصور أدبية، ويعارض الشكل المصطنع للغة الشعرية التقليدية".

بين الأم والأب

هذا مايربط الشاعرة به، فهي لا تعتمد الشكل المصطنع أو التركيبات القائمة على الإدهاش، بل تقوم على "أحداث" مؤلمة في حياتها. ومن هنا يتم استدعاء الأب بأصابعه القاسية وصورته الوحشية حين تقول، "لا أحد يعرفني/ حاولت أمي التفتيش في جسدي/ لم تعثر على شيء/ وعندما جاء أبي ليأكلني/ امتلأ بالغبار/ جسدي الماثل أمامكم ليس لي/ لكن ذهني يمتلىء بالدم".

 ومن الواضح تعاطف الشاعرة مع الأم الذي نجده أيضاً في قولها، "غداً سيفتح الطبيب قدم أمي/ سيخرج منها حزم القش وأكوام التراب/ قدم أمي ممتلئة بالغضب/ مزدحمة بالطرق الملتوية/ ملتهبة بشمس الصيف".

وهي صور تجعل من القدم مجازاً مرسلاً دالاً على شخصية الأم. وتستدعي دلالة القدم دلالات المكان، فنجد الطرق والبلاد البعيدة والمحطات والقطارات، وهي أماكن تأخذ رمزيتها إلى المعاناة والغربة والثبات في مقابل زوال الإنسان، فالطرق صلدة قاسية لا تغيرها أقدام السائرين، وتظل المحطات (بوصفها مكان عبور وانتقال) دلالة على غربة الذات... "في المحطات/ لا ينتظرني أحد/ بمفردي أواجه ذلك المصير/ القابع في آخر القطار/ وحين أقترب أحلق بعيداً/ فأنا لا أحب النهايات/ حتى وإن بدت سعيدة". فالنهايات هي الموت. هي الهدوء النهائي الذي لا حركة بعده.

إن الشاعرة (هنا) أقرب إلى السندباد الذي تظل مغامرة الرحلة غايته دون انتظار النهاية، فهو (كما يقول صلاح عبد الصبور) "كالإعصار/ إن يهدأ يمت". لكن الشاعرة تستبدل التحليق بالحركة على الأرض، فهي تعلم أن "الآخرين سوف يأتون/ ليمحوا آثار الخطوات/ لينتصر العدم في النهاية".

التحليق فحسب (الذي يأتي بقوة الروح والتخييل) هو الانتصار الوحيد على هذا العدم الذي قد يكون مشتهى من الجميع لمعرفة الحقيقة... "أنت تريدني/ تعال معي/ هناك سأقول الحقيقة/ هناك/ عندما ينهي التراب كل شيء".

الحرب التي تنزف

وامتداداً لهذا العدم الذي ينتظره الجميع، تتكرر دلالة الحرب التي تصورها الشاعرة في هيئة كائن ينزف دمه القديم وذكرياته الجريحة التي ينبغي تجاوزها بالذهاب مبتسمين إلى "الحفل"، بكل ما يوحي به من علامات كرنفالية، "سنغلق الباب خلفنا/ ونذهب إلى الحفل/ بابتسامة تليق بالحرب التي تركناها تنزف/ في بداية تلك القصيدة".

وتلفتنا زيزي شوشة إلى أن الصراع بين الحياة والقتل الذي تسببه الحرب هو صناعة بشرية... "لا تيأسوا يا أصدقاء/ سيصنع الرب حياة جديدة/ وسنصنع نحن حرباً طازجة/ استمتعوا بالمشاهدة".

ويظل الإنسان مقسموماً بين هزائمه وانتصاراته، وتصبح العلاقة بين الذات والآخرين عدائية، فلا تملك الشاعرة إلا أن ترتقي تخلصاً منها، "أرتفع عن الأرض/ فلا تسألوني عن أي شيء/ أصواتكم ملفوفة حول عنقي/ عيونكم هي حزني الدائم/ خطواتكم هي حذائي المثقوب".

إن التخييل والتحليق اللذين تشير الشاعرة إليهما كثيراً، هما أداة الشعر وغايته. فالشعر هو الباقي، بينما الذات تفنى. تقول تحت عنوان "حين أموت"، "لا تغلقوا عيني/ قبل أن توقظوا القصيدة النائمة/ عفواً لا أحب أن تُلقى أشعاري في التراب". وربما يكون قد ظهر في الشواهد السابقة اعتماد الشاعرة على الصورة البلاغية القائمة على التشبيه والاستعارة لتشخيص ما هو معنوي على نحو ما يظهر تحت عنوان "الجوع" الذي تراه "طفلاً نحيلاً/ لم يتوقف عن البكاء/ منذ أن خرج إلى الشارع في ليلة باردة". بينما كان "الخوف" بنتاً، "كلما مشت خطوة/ وقف جدار أمامها". كما يظهر في بعض الصور الكلية تأثر الشاعرة بالفن التشكيلي في توظيفها للون وتوزيع عناصر الصورة في فضاء الصفحة... "صفحة سوداء/ سماء مظلمة/ وبينهما ظل فتاة ميتة/ وقطار يشق العالم إلى نصفين". وهناك ما يعرف بالقصيدة الومضة، أو "الأبيغراما" التي لا تزيد على أربعة سطور... "حين ماتت/ عرفت طولها الحقيقي/ تلك المرأة القعيدة/ كانت تحفز خيالي".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

هذا الإيجاز البليغ ربما يكون راجعاً إلى إيمانها بعدم جدوى إطالة الكلام فيوماً ما "سيتوقف الجميع عن الكلام/ حين يدركون أن أصواتهم لا تهدم الجدران/ أو تزرع شجرة".

وأخيراً يمكن الإشارة إلى توظيف الشاعرة لبنية القصيدة السردية كما يظهر في قصيدة "شيء لا نعرفه" التي تبدأ بفعل الكينونة السردي الشائع في قولها، "كانوا ثلاثة/ رأيتُهم شخصاً واحداً/ بهيئاتهم المتشابهة/ ونظرتهم في اتجاه شيء بعيد/ كنتُ أتابعهم دون أن يروني/ أشاهد ضحكهم المتشقق من شدة البرد/ وأقدامهم التي تشبه ليلة ممتلئة بالكوابيس"، وهي قصيدة تحمل الهموم والخصائص الفنية التي أشرنا إليها سابقاً.

المزيد من ثقافة