Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

جريمة "المعلمات التسع" تصدم الجزائر

تعرضن لاعتداءات بالأسلحة البيضاء في منطقة حدودية أقصى جنوبي البلاد

يطالب الأساتذة في الجزائر بتحسين مستواهم المعيشي وتأمين الحماية لهم (أ ف ب)

يعيش المجتمع الجزائري، على وقع ارتدادات فاجعة مروعة وجريمة نكراء، وقعت ضحيتها تسع معلمات في المرحلة الابتدائية، تعرضن لاعتداء جسدي ولعملية سطو بالعنف، باستعمال الأسلحة البيضاء من طرف عِصابة أشرار اقتحمت مقر إقامتهن المخصص لهن في منطقة برج باجي مختار الحدودية، أقصى جنوبي الجزائر.

وأسفرت التحريات الأولية، التي تُجريها السُلطات الأمنية للتعرف عن الجناة وتفكيك لغز الجريمة التي وقعت يوم الثلاثاء 18 مايو (أيار) عند الساعة الثانية صباحاً، عن توقيف تسعة أشخاص يُشتبه في تورطهم في الحادث، أربعة منهم اعترفوا بارتكابهم الجريمة، في انتظار محاكمتهم.

وأعلن مساعد النائب العام لمجلس قضاء محافظة أدرار محمود بولقصيبات، في مؤتمر صحافي، عن تقديم المشتبه فيهم أمام وكيل الجمهورية في محكمة برج باجي مختار، مساء الخميس 20 مايو، فيما تم تفتيش منازلهم واسترجاع بعض المسروقات، منها مبلغ مالي وهواتف نقالة تعود للضحايا، في حين توصلت التحريات الأولية التي أجرتها الأجهزة الأمنية إلى تعرض إحدى المعلمات لاعتداء جنسي.

حالة نفسية كارثية

الحادثة خلفت موجة من الغضب والاستياء على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث دقّ ناشطون ناقوس الخطر من هول ما وصفوه بـ"الكابوس" الذي استهدف المعلمات، مطالبين بعدم التسامح مع مرتكبي الجريمة، وكذا محاسبة كل الأشخاص الذين لهم علاقة بالحادثة كنتيجة لـ"الإهمال والتقصير".

ودعا حقوقيون ومحامون إلى عدم التستر على الحادثة المأساوية أو جَعلها مُجرد حادث معزول، لأنها جَريمة مكتملة الأركان، في حين قالت النقابة الجزائرية لعمال التربية، إن المعلمات "اعتدي عليهن بالسلاح الأبيض من طرف مجموعة مجهولة أذاقتهن المر مدة ساعتين من الزمن بوجود طفلة رضيعة".

وذكرت "جميع الأستاذات في حالة نفسية كارثية يرثى لها"، كاشفة أن "الاعتداء الجبان والهمجي واللاإنساني، يعد الرابع والأخطر على هذه المدرسة، بعد سلسلة اعتداءات جبانة متكررة ومتفرقة في مؤسسات تربوية أخرى في مدة أقل من شهر ونصف". وأشارت إلى أن "هذه الاعتداءات صاحبتها احتجاجات من طرف الأساتذة من دون الاستجابة لمطالبهم، بخاصة المطلب الأساسي المتمثل في توفير الأمن".

ضمن هذا السياق، كشف رئيس بلدية برج باجي مختار، في تصريحات صحافية، أن الحادث ليس الأول، حيث سبق له إبلاغ السلطات، وضمنها وزارة الداخلية، وحاجته إلى الدعم لتوظيف حراس في 12 مدرسة في البلدية، لكنه لم يحصل على أي رد.

وعليه، أعلنت النقابة الجزائرية لعمال التربية في مراسلة وجهتها إلى الجهات الوصية، أنه تقرر توقيف الدراسة ومقاطعة جميع الامتحانات الرسمية، والانسحاب الجماعي والنهائي من المنطقة الحدودية، في حين قام مجموعة من الأساتذة وعمال القطاع بتنظيم وقفات تضامنية، رافعين شعار "الاعتداء على الأستاذ جريمة لا تغتفر".

أزمة أخلاقية 

المجلس الوطني لحقوق الإنسان (هيئة دستورية) وصف الاعتداء "بالواقعة الصادمة وغير الإنسانية، التي لا تمت للأخلاق بصلة ولا لعاداتنا وتقاليدنا في حق مربيات الأجيال، اللواتي آثرن الابتعاد عن دفء العائلة للقيام بواجبهن تجاه أبنائنا، وذلك من طرف عصابة من الوحوش البشرية وأشخاص عديمي الإنسانية".

وطالب المجلس السلطات المحلية "بتعزيز الأمن والتطبيق الصارم للقانون في حق المعتدين، ليكونوا مثالاً لمن تسول له نفسه التفكير في القيام بأعمال مماثلة في حق المواطنين والمواطنات، الذين تنقلوا إلى صحرائنا الكبرى ليسهموا في تربية وتعليم أطفالنا في إطار تطبيق مبدأ تكافؤ الفرص والعدالة الاجتماعية بين كل الجزائريين والجزائريات".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

سياسياً، قالت حركة مجتمع السلم (أكبر حزب إسلامي في البلاد) إن "الاعتداء الهمجي على المعلمات في برج باجي مختار يعد صدمة وطنية عظيمة، تدل على انحطاط سحيق للقيم والأخلاق والضمير لدى هؤلاء الوحوش المعتدين، ولدى من رآهم ولم يحرك ساكناً لنجدة الفتيات، كما أنه يمثل ثغرة أمنية هائلة من حيث عدم توفير الحراسة للمؤسسات التعليمية".

وتزامنت الجريمة التي تعرضت لها المدرسات، مع جو مشحون ومتوتر بين الحكومة وتكتل يضم 14 نقابة تمثل المعلمين والأساتذة في جميع المراحل التعليمية، حيث هدد التكتل بتنظيم وقفة احتجاجية وطنية أمام وزارة التربية الوطنية في العاصمة الجزائرية في 26 مايو الحالي، مع إمكانية مقاطعة الامتحانات الرسمية لنهاية السنة الدراسية الحالية. 

وأخيراً، نفذ الأساتذة إضراباً لمدة ثلاثة أيام من 9 إلى 11 مايو، لحث الحكومة على الاستجابة للائحة مطالب تشمل رفع الأجور وتحسين قدرتهم الشرائية في ظل موجة غلاء تشهدها مختلف السلع والبضائع، مع تصنيف مهنة التعليم ضمن المهن الشاقة، والسماح لهم بالاستفادة من التقاعد النسبي من دون إكمال معدل 32 سنة عمل التي يُلزمها قانون التقاعد الجزائري.

في الجهة المقابلة، أعطت السلطة الجزائرية الطابع السياسي لاحتجاجات المعلمين، مُشككة في المطالب والتوقيت الذي ربطته بقُرب الانتخابات البرلمانية المقررة في 12 يونيو (حزيران)، متهمة أطرافاً لم تسمهم بالسعي إلى عرقلة الاستحقاقات المقبلة، وخدمة أجندات غير بريئة. 

على النقيض من ذلك، رفضت النقابات المستقلة التهم الموجهة إليها، واعتبرت أن الاحتجاجات العمالية هي نتيجة مُتوقعة لتراكمات وغليان اجتماعي ترفض الحكومة الإقرار به، بالتزامن مع انشغالها بالورشات السياسية المفتوحة منذ إجراء انتخابات رئاسية في 12 ديسمبر (كانون الأول) 2019، التي نظمت بعد حراك شعبي عارم أطاح بالرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة في 2 أبريل (نيسان) من العام نفسه. 

المزيد من تقارير