Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

حفل صاخب "تجريبي" في ليفربول تحديا لكورونا

إحدى المحتفلات بالحدث تقول وهي تلوح بكوب من الكحول: "أقوم بذلك من أجل العلم"

احتشد قرابة 3 آلاف شخص مساء يوم الجمعة الماضي، للاحتفال داخل أحد المستودعات الضخمة على رصيف في ميناء مدينة ليفربول الإنجليزية، في مشهد يحاكي الأيام الخوالي ما قبل شهر مارس (آذار) عام 2020.

الأجواء الاحتفالية التي عمت المكان ساهم في تنسيق أنغامها وإيقاعاتها أكثر من "دي جي"، وشعت بأضواء متلألئة، وغصت بالمشروبات، ولا سيما منها علب البيرة "ريد سترايب" Red Stripe التي كانت تباع بـ5 جنيهات استرلينية (7 دولارات أميركية)، لكن الغائب الأكبر كانت أقنعة الوقاية. وطبعاً لم يطبق - على الإطلاق - أي تباعد اجتماعي. وكل ذلك جرى بشكل كامل في ظل القانون.

الحفل الصاخب هذا الأشبه بمهرجان تجريبي - الأول من نوعه منذ تفشي وباء كوفيد-19 العام الماضي - هو حدث من اثنين تم تنظيمهما هنا على رصيف "براملي مور دوك" Bramley-Moore Dock في مدينة ليفربول في نهاية الأسبوع، كجزء من بحث تجريه الحكومة البريطانية لتقييم طريقة إدارة فعاليات واسعة النطاق بأمان، في عالمنا الجديد، عالم فيروس كورونا.

قد يصح القول إنه من شبه المؤكد أن هذه هي المرة الأولى في تاريخ المملكة المتحدة، التي يُشجع فيها آلاف من الأشخاص ضمناً على إطلاق العنان لنزواتهم ومعاقرة الخمور، تحت عنوان دعم أبحاث الصحة العامة.

البروفسور إيان بوكان، العالم من "جامعة ليفربول"، الذي يقود البحث من جهة، ومن جهة ثانية قد يكون الشخص الوحيد الموجود هنا اليوم وهو يرتدي قميصاً وبدلةً وربطة عنق، يوضح أن "جميع الموجودين يساعدوننا في بناء معرفتنا في إنشاء شبكة أمان صحية، من شأنها أن تمكن الجميع في مختلف أنحاء البلاد من العودة إلى الاستمتاع بأوقاتهم. إنه لأمر مثير فعلاً أن نشاهد الناس يحظون مجدداً بمثل هذه الفرصة للتواصل البشري المهم في ما بينهم".

ويضيف بعد أن يلقي بنطرة خاطفة على ما يجري حوله: "يجب أن أقول إنه أحد أكثر المختبرات غرابةً التي عملت فيها على الإطلاق، بحيث ينبض بأجواء متحررة من الإجراءات الانضباطية المتبعة ضمن إطار الصحة العامة. وأنا فرح بمشاهدة الناس يتصرفون على سجيتهم".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

المشهد العام يعيد إلى الذاكرة عالم ما قبل فيروس كورونا: الكثير من ملابس "داي غلو" اللامعة، واكتظاظ داخل الحانة، وفتيان غريبو الأطوار يتمايلون من فرط الكحول منذ نحو الساعة الخامسة مساء. في حين مراحيض المهرجان ما زالت مقرفة كما كانت عليه وسط الجائحة العالمية، وكما كانت عليه بطبيعة الحال، في أي وقت آخر.

لكن هناك أيضاً بعض أوجه الاختلاف، إذ يفترض بكل شخص أن يكون قد أجرى قبل مجيئه أحد اختبارات التدفق الجانبي Lateral Flow، وأتت نتيجته سلبية لجهة عدم إصابته بعدوى كوفيد، في حين أن أي دفع نقدي لن يكون مقبولاً بهدف تقليص احتمالات انتقال محتمل للفيروس. أما في الموقع، فتفصل شاشات بلاستيكية العاملين على البار عن المحتفلين، وتنتشر محطات معقمات الأيدي في كل مكان من الحانة، ويتم استخدامها بشكل جيد. وقد نشرت أيضاً في جميع أنحاء المكان، عشرات من المعدات التي لا يستطيع أحد رؤيتها، من شاشات لتحليل تدفق الهواء إلى أجهزة استشعار لكشف حركة الأشخاص.

هذه التقنيات ستساعد أعضاء فريق البروفسور بوكان على مراقبة جيوب الهواء شديدة الحرارة ونقاط تجمهر الحشود التي يمكن أن ينتشر فيها فيروس كورونا. وسيتم من خلال جمع البيانات، وضع خطة إرشادية لأماكن التجمعات المماثلة في جميع أنحاء البلاد، تجنباً لأن تصبح نقاطاً ساخنةً لتفشي عدوى كوفيد.

ويقول البروفسور بوكان في هذا الإطار: "لا يمكننا كمجتمع، أن نبقي البلاد برمتها تحت الإغلاق، لأن ذلك يسبب أضراراً سواء على مستوى الاقتصاد أو في ما يتعلق بسبل العيش أو الصحة العقلية أو نسيجنا الاجتماعي بكامله. لذا، يتعين علينا أن نتخذ قرارات في شأن طريقة إعادة فتح البلاد بأمان. وستسمح لنا فعاليات كالتي تجرى اليوم بجمع أدلة، والتوصل إلى مستويات أفضل من البعد المعرفي عند اتخاذ تلك القرارات".

لكن ماذا عن الحضور أنفسهم؟ إنهم من دون أدنى شك، سعداء للغاية بوجودهم هنا. فالحفل الذي تبلغ تذكرة الدخول إليه 39 جنيهاً استرلينياً (54 دولاراً)، ربما يحظى بموافقة الحكومة وبدعم هيئات البحوث العلمية - الحدث هو رسمياً جزء من برنامج يطلق عليه "برنامج أبحاث الفعاليات" Events Research Programme - لكن بما أن تنظيمه يشرف عليه النادي الأسطوري "سيركوس" Circus، ويضم شخصيتين بارزتين في عالم الـ"دي جي" وتنسيق الأغاني، هما "دي جي يوسف" DJ Yousef، و"ذا بليسد مادونا" The Blessed Madonna (ماريا ستامبر منتجة وموسيقية أميركية)، فلم يعد هناك من شك لدى الحاضرين بأن هذا الإطار سيمنحهم نهاية أسبوع صاخبة وحافلة بحشود غفيرة.

ومن وسط الضجيج وصخب الموسيقى، صاح أحدهم قائلاً لي: "بوريس هو الرجل الأفضل، ولكن لا تقتبس ذلك. إنه لحقاً رائع"، ليتوجه بعدها إلى حلبة الرقص وذراعه ملتفة حول رفيقته، فيما تغطي رأسه قبعة متدلية الأطراف.

ويقول إيثان جولي وهو طالب من المدينة يبلغ من العمر 21 عاماً: "لقد نسيت فعلاً طبيعة الشعور بأن يأتي الفرد مبكراً وأن يرى صفوف الانتظار وجماهير محتشدة، ولا سيما ذلك الإحساس الذي يختلجك عندما تهم بالدخول إلى أحد النوادي الليلية، والذي ينبئك بأنك ستمضي أفضل وأمتع الأوقات هناك. إنه أمر لا يصدق. أفتقد كل ذلك".

وكجزء من احتياطات السلامة، سمح فقط للأشخاص الذين لديهم عنوان مسجل في منطقة مدينة ليفربول التقدم بطلب للحصول على التذاكر. ويقول إيثان جولي: "كنت أسر بالتباهي أمام أصدقائي الذين لا يعيشون هنا، وأتلقى منهم الكثير من الرسائل المعبرة عن غيرتهم عبر "واتساب" بسبب مشاركتي في هذا الحفل".

جاء إيثان إلى هنا برفقة تشيس مورغان، وهي الأخرى طالبة في سن التاسعة عشرة. وتقول وهي تلوح بكوب بلاستيكية من الفودكا: "لا أنفك أخبر أصدقائي في المناطق الأخرى بأنني أقوم بذلك من أجلهم. ففي الواقع، أساهم في هذا الحدث خدمةً للعلم".

ولدى سؤالها عما إذا شعرت بأن الأمر مختلف عما كانت قد اختبرته في السابق، تجيب: "إلى حد ما، لكن ليس كثيراً. فالناس ما برحوا يصطدمون بي أو يتزاحمون من حولي، وأنا لا أكف عن القول لهم: لا يمكنكم التصرف على هذا النحو، لأعود وأستدرك مجدداً فأقول لهم: مهلا.. بلى، يمكنكم الاصطدام بي. الأمر أشبه بحمل ثقيل قد أزيل عن كاهلك. فقد بات في إمكانك الشعور بالاسترخاء مرةً أخرى".

بم يشعر الموجودون هنا أيضا؟ يجيب أحدهم: "الاستمتاع بمعانقة غرباء، وبالبهجة الغامرة لارتداء ملابس مختلفة عن تلك التي اعتدنا عليها خلال محادثاتنا عبر تطبيق "زوم"، أو في نزهاتنا في حديقة إحدى الحانات. آمل في أن تكون هذه بداية موسم صيف حافل بمثل هذه الفعاليات، لكن أكثر العبارات تناقلاً وترداداً كانت "إطلاق العنان للنفس والإسراف في تناول الكحول".

ديفيد بيتو، وهو طالب آخر من إيرلندا الشمالية، يصف الحدث بأنه "مثير للقلق إلى حد ما"، مضيفاً: "ما نقوم به يناقض تماماً ما قيل لنا أن نفعله على مدى عام كامل تقريباً، لذا شعرت بنوع من التوتر حيال مشاركتي، إلا أن اختبار جميع الحاضرين في ما يتعلق بالعدوى، جعلني أشعر بالأمان".

وأشار أخيراً الشاب البالغ من العمر 21 عاماً إلى أنها كانت أول ليلة احتفال حقيقية بالنسبة إليه، طيلة هذه السنة الدراسية. وقال وهو يرفع علبة مشروبه: "لا يمكنك تعويض ما قد فات حقاً في يوم واحد، لكنني سأمرح ما استطعت، هذه الليلة".

© The Independent

المزيد من صحة