Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

محمود قرني يصور تراجيديا الوجود في "أبطال الروايات الناقصة"

انفتاح الهوية الوجودية على الآخر في قلب العولمة القسرية

لوحة للرسامة المصرية هبة امين (صفحة الرسامة على فيسبوك)

رحلة شعرية باذخة خاضها الشاعر صاحب الصوت الكثيف محمود قرني عبر عشرة دواوين، أصدرها حتى الآن. وتأتي كثافة الصوت الشعري عند شاعرنا من اللغة التي لم تتوسل البساطة وصولاً إلى القارئ، حاملة لطبقات متعددة من الدلالات والمستويات المعرفية، ومن المجاز المفارق غير الاعتيادي، وهو نمط صعب تفرد به قرني عن مجايليه. فالشعر عنده هو انتزاع من اللحم الحي، من دون أن يوقعه ذلك في غواية "السياسي" المباشر، وإن ظلت قصيدته حاملة – بالضرورة – لهذا البعد. ولعل مقولة ستيفن سبندر التي أوردها قرني في تقديمه لمختارات من دواوينه صدرت أخيراً تحت عنوان "أبطال الروايات الناقصة" (دار الأدهم - القاهرة) "خلق السبت للإنسان ولم يخلق الإنسان للسبت"، تكون معبرة عن توجهه الشعري، حين أدرك مبكراً أن "النظام السياسي خلق ليخدم الإنسان، ولم يخلق الإنسان ليخدم النظام السياسي".

أسئلة الوجود

إن مهمة الشعر الأولى كما يرى قرني هي "تأمل أسئلة الموت والميلاد والوجود جملة". ومن هذه الزاوية، نلاحظ علاقة الذات بالعالم؛ الذات المنتهكة مسفوحة الدم، والعالم الكسيف المدجن بالسرايا والجنود، بما يعني أننا أمام رؤية تراجيدية للوجود. يقول في "خيول على قطيفة البيت": "هي ليلة لدم المغني/ ثم تحزم راحة العشق الخطى/ وتغوص في المدن الكسيفة/ إنه غاب من الأفق المدجن بالسرايا والجنود العاشقين/ الأفق يزحف تحت نير المركبات/ وحبيبتي تشكو إلى زمن خلاء/ أغنيات ليس يعرفها الفناء الدائري".

تبدو "الأغنيات" المنزوفة من "دم المغني" المقابل الوحيد لهذه التراجيديا الوجودية، واختيار "الأغنية" تحديداً؛ ليس فقط لأنها "مضمار" الشعر، كما يقول الشاعر القديم، بل لكونها نزوعاً فردياً في مقابل "الفناء الدائري" الذي يتوالد من نفسه محولاً سعة الخليقة إلى الضيق والذبول، حين يرى الشاعر "قبلة تمتد من سعة الخليقة للذبول". وتبدو هيمنة تيمة "الزوال" حين تتكرر مرة أخرى في قصيدة "حبيبتي وأقانيم الزوال": "تأتينني بين الدم المنحاز/ واللغة القتيلة والقرى المتخثرات"، ومن الواضح أن هذه السطور تحيلنا إلى ثلاث دوائر دلالية تبدأ بالذاتي – الدم المنحاز المنتمي غير المحايد، مروراً بالإبداعي – لغة الشعر القتيلة بما يناقضها في الواقع، والواقعي ممثلاً في القرى المتخثرات، ما يجعل الزوال المذكور صراحة في العنوان يتجلى ضمنياً من خلال هذه السطور.

ومن الواضح أن دلالة "الأقانيم" يستدعي البعد الديني، وهو ما ينطبق على دلالتي "المزامير"، و"المرتد"، والبعد الصوفي المتمثل في أسماء "المحبوب". يقول: "خلت الأقانيم الكسيرة من هزيم النهر، وامتدت مزامير المساء إلى الدم المرتد في زرد السلاسل/ فاكتري لقصائد الغرقى مخيماً/ هذي عصافيري، وهذا وجهي المسجون في أسماء محبوبي".

ويلفتنا هذا التحول من الدم المنحاز إلى القرى المتخثرات إلى الدم المرتد في زرد السلاسل، وكأننا أمام علاقة سببية، فانحياز الدم تمهيد وسبب؛ لأن يرتد في زرد السلاسل، على أن أكثر ما يلفتنا هو التركيب الإضافي في "قصائد الغرقى"؛ لأنه سيصبح عنوان أحد دواوينه اللاحقة، ما يعني أننا مع مشروع شعري يتنامى، لا قصائد، أو حتى دواوين متفرقة.

ميلاد الشاعر

ويعد "ميلاد الشاعر" تيمة أخرى متكررة، وهو موضوع أشاعه علي محمود طه بقصيدته الشهيرة "ميلاد شاعر"... "نزل الأرض كالشعاع السني/ بعصا ساحر وقلب نبي"، غير أن الجديد عند محمود قرني هو أنه ينزع هذه الهالة عن الشاعر ويجعله واحداً من عوام الناس حين يقول: "في أول الأسفلت/ يفعلها أبي وتهز أمي جذع نخلتها/ فيسقط من دم العرجون/ شاعر".

وغني عن الذكر أن نشير إلى أن السطور تستدعي قصة مريم في القرآن، لكن ما يسقط من دم العرجون في حالتنا الراهنة هو الشاعر نفسه، وهكذا يستمر جدل المغايرة والتماثل قائماً بين الحالتين، ولأننا أمام قصائد تتجاوب دوالها فإن الشاعر يتوقف أمام دال "النخلة"، ويجعلها عنوان إحدى قصائده؛ ربما لكونها أحد رموز الأصالة، أو لكونها مذكورة في قول الرسول "أكرموا عمتكم النخلة فإنها خلقت من الطين الذي خلق منه آدم".

تأخذ النخلة في القصيدة صورة الأنثى المشتهاة حين صعد الرجل إلى رأسها... "كلمها وناداها/ سكب في قلبها حليب أصابعه/ وعندما هبط كان صدره المعطوب/ يعلو ويهبط في هياج/ كأنه فرغ للتو من مضاجعة طويلة". وكما نزع شاعرنا هالة النبوة عن الشاعر فإنه في قصيدة أخرى يستعير سطوراً للشاعر الروسي درغانين يصور فيها طبيعة الشاعر الجامعة بين المتناقضات... "إننا الشعراء/ نصلح قياصرة/ عبيداً/ دوداً/ وآلهة".

رسالة الغفران

غير أن التناقض بين الشاعر وأبناء القناصل يظل هو التناقض التام الذي يصل إلى درجة الصراع والموت. وفي ذلك يستعير شاعرنا قصة بوشكين "النظام الأكبر"... "وصل في كامل حلته إلى فراش الموت/ بعد أن صرعه أبناء القناصل/ وسط الحلبة/ أبناء القناصل أكلوا وتدربوا جيداً/ أما الشاعر فكتب قصيدة، لكنها سرعان ما تضرجت بالدماء".

ويستمر تصوير مأزق الشاعر عموماً حين يستعير قرني قصة جون كيتس؛ أحد رموز الرومانسية الذي مات بمرض وراثي في الصدر، ويتمثل في هجوم النقاد الأرستقراطيين المدرسيين الذين اعتبروه "كلب الرومانسية الأجرب"، وقوانين العلم التي اعتبرته "رعوياً فر من قسم الحفريات/ في حديقة الحيوان".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وما أظنه هو أن هذا هو مأزق الشعر، وليس شعرية كيتس فقط، حيث يظل قائماً على هذا الرافد الرومانسي بوصفه ربيب الفطرة والبكارة والرعوية، ما يجعله موضع رفض دائم من النقد الأرستقراطي المتعالي على هذه الفطرية، والعلم بنزعته المادية. ولأن الشعر ربيب الفطرية فهو على النقيض من الرأسمالية التي تقوم على تسليع كل شيء واستباحته، بدءاً من الفرد، وصولاً للأوطان. فها هو كيتس، طبقاً لمخيال قصيدة "قوس قزح" يكتب رسالة مؤثرة إلى نيوتن: "يحدثه فيها عن الهراء البادي في الملابس الداخلية لنساء الإمبراطورية/ بعد أن علقن قوس قزح على فروجهن /.../ كما حدثه عن الشركات الكبرى التي احتكرت أفخاذ العذارى واستأجرت أجسادهن"، ولما خاطبه نيوتن بلهجة تليق بخازن للأموال الإمبراطورية... "نسي الشاعر عقله على الطريق، وشكر الرب على أنه فقد حقيقته". ووسط العولمة الجبرية يأتي حديث الشاعر كثيراً – كرد فعل – عن الأب والأم والشقيق والعادات المصرية بوصف الهوية المصرية هي دائرة الانتماء الأولى التي تتسع للهوية العربية، حين يتوقف أمام خولة المالكية صاحبة طرفة، و"رسالة الغفران" للمعري، ثم الدائرة الإنسانية في استدعائه لغينسبرغ وإليوت وكيتس، وغيرهم، ما يعني أننا أمام هوية منفتحة على الآخر، لا على العداء المجاني له.

المزيد من ثقافة