Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الشاعر المصري محمود نسيم يقاوم الاغتراب النفسي بالرحيل

مفارقة الواقع ومجافاة الحياة في ديوان "لاعب الخيال"

لوحة للرسامة المصرية نازلي مدكور (موقع الرسامة)

لا يتطور الشعر انطلاقاً من الرغبة الفردية فحسب، بل إن السياق العام يكون أكثر تأثيراً في تحديد شكل هذا التطور الذي لا يعود إلى وجود الوزن العروضي أو عدمه. فكثير من شعراء قصيدة النثر تحكمهم رؤية كلاسيكية واضحة؛ ما يعني أن الأساس في هذا التطور يعود إلى مفهومي الشعر والشاعر. فبعد أن كان الشعر في الستينيات مواجهة للموت أو بديلاً للانتحار، كما كان يقول أمل دنقل، أصبح عند الشاعر المصري محمود نسيم في ديوانه "لاعب الخيال" (الهيئة العامة لقصور الثقافة – القاهرة)، مفارقاً للواقع ومجافياً للحياة، فهو يحجبها أو ينأى بالشاعر عن تفاصيلها اليومية المكرورة.

يقول في بداية قصيدته "حديث أحادي": "أنا لا أحب الكتابة إلا دقائق/ أحتاج فيها إلى الانسحاب من اليوم/ والاكتفاء بما أتذكر لا ما أحب من الكلمات/ دقائق أحصل فيها على غرفة/ في منازل أخرى".

الكتابة إذن عند شاعرنا حالة من الانسحاب المؤقت مما هو عابر ووقتي وهي حالة يستطيع من خلالها الحصول على غرفة في منازل أخرى مغايرة لما يألفه من المنازل.

وإذا ما عرفنا أن "المنزلة الكبيرة" من بين معاني دال "الغرفة" يتبين لنا مدى الارتقاء الذي يحاوله الشاعر. لكنه يدرك في قصيدة "غرفتان" فداحة هذا الاختيار واللوذ بالكتابة بوصفها وسيلته للحصول على غرفة أخرى؛ لأنه بذلك يجعل الكتابة بديلاً للحياة وليست بديلاً للانتحار كما كان يقال. وهو ما يبدو في قوله: "إما أن تحيا أو تكتب/ اترك لدقائق زهرات للذكرى/ بين الصفحات المطوية لكتاب مسموم/ واخرج للشرفة/ انظر للدنيا تتفتح/ وتفوح برائحة الأحياء/ معجزة تتكرر كل صباح".

الجانب الشبحي للحياة

الكتابة بهذا المعنى تجعل الشاعر يعيش حياته متأملاً يراقبها من بعيد، كما كان يقول صلاح عبد الصبور، ولا ينخرط في غمارها وأحداثها الجارية وتفتحها الدائم ومعجزتها المتكررة. لهذا فهو ينصح نفسه بأن يخرج للشرفة وينفض حشرات الأوراق، ومع ذلك يظل هناك الجانب الشبحي للحياة الذي تختلط فيه الظلال؛ يقول: "أتابع من موضعي/ لقطاتي السريعة للعالم الشبحي/ أم أوازن بين بديلين ليسا اختياري".

والسطر الأخير يوحي بتيمة "جبر" الذات وسلب إرادتها فهي توازن بين بديلين ليسا من اختيارها، وهما كما قال في ما يشبه الشعار "إما أن تحيا أو تكتب"، إما أن يعيش حقيقة أو يتخفى وراء الورق.

وفي هذه الحالة تشعر الذات بالاغتراب عن نفسها وعن عالمها القريب، كأن يقول في قصيدة "الشريط الأخير": "كلام بغير فواصل/ والصوت لا ليس صوتك/ والمتحدث ليس أباك/ وهذا البكاء الطفولي في النوم بعد اغتراب/ ليس لابنتك البكر/ لست الذى يطلب الشاي من زوجة متشاغلة/ أو يساعد طفلته في مذاكرة الدرس/ من غير النبرات وبدد أصوات بيتك".

لقد تبدّل كل شيء وأصبح الشاعر فجأة أمام عالم غريب لا يألفه بعد أن تبدد عالمه القديم.

 

ومن أجل ذلك فإنه يعتصم بـ"غرفته" ويلوذ بها ويجعل منها بديلاً للعالم، وتصبح الكتابة في هذه الحالة قيداً لما يتفلت من الذاكرة. يقول في قصيدة "حواف" وهي مما يعرف بالأبيغراما لكثافتها وقصرها: "لا أرض لك خارج تلك الغرفة/ فيها تحيا ما يتبقى من نصف نهار/ فيها تكتب ما ينسى/ فيها تنحل إلى باقة ذكرى/ وخيوط نهار". ويتجاوب كل هذا مع قصيدته عن كامل القليوبي التي يبدو فيها تبدُد العالم: "يغير موعده الدائري/ ولكنه سوف يأتي بيوم قديم/ وعلى غير عادته/ لن يرد إذا ما اتصلت/ ولكنه سوف يعطيك معرفة/ عن شوارع كانت لنا/ ومنازل منذ دقائق كانت هنا".

الزمن النفسي

إن هذا التبدد وهذا الإحساس بالاغتراب يصنع ما يسمى "الزمن النفسي" الذي يتجاوز الزمن الطبيعي، وينتقل بين أبعاده بحرية بناء على الإحساس به، كما يبدو فى قوله متحدثاً عن نفسه بضمير الغائب: "يخطو في ساعة ظهر من عتبات المنزل/ ويعود خلال دقائق/ في هيئة رجل شبحي هو أنت الآن/ يعطيك بقايا لعبته/ وروائح تذكارات في الكراسات المطوية".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

فالانتقال من مرحلة الطفولة بلهوها وروائحها إلى مرحلة الكهولة بحالتها الشبحية المؤذنة بالزوال يتم خلال دقائق ما يعكس الإحساس النفسي ولا يعود – بداهة – إلى الواقع الطبيعي.

كما يعتمد الشاعر – في مواجهة اغترابه – على ما يسمى "الذاكرة الانتقائية" بوصفها نوعاً من مفارقة النسيان: "خذ ما شئت من الدنيا/ شرفات الصيف/ موسيقى الحجرة/ أصوات صباك/ رنين خطاك على درجات السلم/ ركلة كرة تتبادلها مع صبية طرقات/ عطر امرأة يتفاوح فوق رصيف ليلي".

ويلاحظ خلو هذه السطور من أدوات الربط ما يجعلها تبدو مثل موجات شعورية متتابعة، كما يغلب عليها كونها – باستثناء الجملة الفعلية الأولى – جملاً اسمية ما يوحي بثبات هذه الذكريات. وأخيراً، تغلب عليها المدركات السمعية: موسيقى – أصوات – رنين – ركلة، باستثناء واحد هو ذلك العطر الذي يتفاوح من امرأة فوق رصيف ليلي.

وتركيز الشاعر على ما هو حسي يبعده عما وسم الشعر – في بعض مراحله – من تأملات وجودية تتساءل عن معاني الوجود والسأم والآلام حين يقول: "خذ ما شئت/ ولكن لا تسأل هل هو موت/ أم أبدية خلق عدمي؟ هل هو وقت يومي أم غيب جروح؟".

لقد أصبحت الحياة هم الشاعر المقيم، ولم يعد هناك ما يشغله سواها، وكثيراً ما يعقد آصرة بين الإنسان والطبيعة ويصنع نوعاً من التماثل بينهما فهو – على سبيل المثال – يربط بين موت النهار وانتهاء وجود الإنسان، كما يربط بين تخيل شهوانية الطبيعة وشهوانية الإنسان. في قصيدة "غواية": "البداية موحية/ رجل يتشمس وامرأة تستحم/ وضوء أغسطس يرغو على الرمل/ والزبد الساحلي". ثم يصبح هذا التماثل تداخلاً حقيقياً: "نشوات الظهيرة دافقة في كلا الجسدين/ ولكنها متشاغلة بالمياه".

لكن هذا الحضور الأنثوي وما يستدعيه من شهوانية يختفي في مواضع أخرى، كما يبدو في قوله: "مضيت خلف ظلها الطافي على سطح خلاء مشمس وجسمها المطوي في شوارع الكلام لكنها اختفت".

والحقيقة أن تيمة الرحيل مركزية في هذا الديوان، فالشاعر لا يطلب سوى هنيهة يومٍ؛ لا لكي يستقر فيها، بل ليتهيأ للسفر: "خذ ما شئت/ ولكن لا تطلب غير هنيهة يوم/ تأخذ فيها موعد سفر/ وتسجل يوميات النسيان".

ولعل هذا ما جعل الشاعر يربط بينه وبين الطائر في صور عديدة منها قوله "أنا خيال طائر يطفو على نوافذ الريح ويلقط انعكاس امرأة على مرايا مسرح"، كما جعل الأماكن متصفة – غالباً – بأنها مؤقتة أو أماكن للرحيل مثل محطات القطار والأرصفة.

ولا شك أن كتابة الشاعر للمسرح قد تركت أثرها على لغته من خلال دوال مثل: الافتتاح – الفواصل الضاحكة – المقاطع الصامتة وغيرها. وأحياناً يستخدم المعادل الموضوعي والصور الفانتازية وتقنيات السرد وجماليات الصور المشهدية. وهذا ليس عجيباً من شاعر يكتب المسرح وله إسهاماته النقدية اللافتة.

المزيد من ثقافة