ملخص
صدرت حديثاً عن "دار الساقي" رواية "بطل من زماننا" للكاتب الإيطالي فاسكو براتوليني (1913-1991) بترجمة الكاتب رامي طويل (2026). تستعيد هذه الرواية عنوان رواية الروسي ميخائيل ليرمنتوف (1814-1841) "بطل من هذا الزمان" وهي روايته الطويلة الوحيدة، بل ان الرواية الإيطالية المكتوبة عام1947، تقتبس بعض السمات السردية من الرواية الروسية، المكتوبة والمعدلة حوالى عام 1841، أي بعد ما يناهز 100 عام، فظهر تشابه ذكي بين الروايتين من حيث عناصر الحبكة وصفات البطل وتبلور الأحداث، مع اختلاف في الزمان والمكان والظروف السياسية والاجتماعية.
يقدم فاسكو براتوليني في روايته "بطل من زماننا" إيطاليا في منتصف أربعينيات القرن الـ20، أي بعد الحرب العالمية الثانية وبعد الحرب الأهلية التي وقعت بين أتباع موسوليني الفاشيين، وبين المقاومين المنادين بالشيوعية.
يبدأ براتوليني سرده بوصف ثلاث عائلات من مستأجري بيت واحد، يقيمون مع بعضهم لكنهم يكرهون بعضهم بعضاً ويخشون بعضهم، ويترسخ الانقسام بينهم مع تقدم السرد.
يبدأ السرد مع شخصية فيرجينيا التي تقيم في أول غرفة من غرف البيت، وفرجينيا هي أرملة ثلاثينية جمهورية جميلة مات زوجها مع الفاشيين، وتعيش منذ ذلك الحين في حال حداد وعزلة وضياع وخوف من جميع المحيطين بها.
أما في الغرفة الواقعة قربها فتعيش أم وابنها، ساندرينو، وهو البطل المقصود في العنوان، وساندرينو مهووس بالفاشيين وبالتمثل بوالده الفاشي وبالانتقام من الشيوعيين الذين قتلوه، ليقيم في الغرفة الثالثة من هذا البيت الإيطالي، زوجان شابان من المقاومين الشيوعيين الذين حاربوا الفاشيين، وقاوموا موسوليني وهيتلر من أجل تحرير إيطاليا من تحت نير الديكتاتورية.
بيت واحد يمثل إيطاليا بانقساماتها وتفككها الاجتماعي وتوترها الحزبي الشبابي المتأهب للقتال وإبادة الآخر، وتُعد هذه الشقة المشتركة استعارة لافتة لإيطاليا في مرحلة ما بعد الحرب، مرحلة الصراعات الصامتة على السلطة.
بانقسام البيت إلى ثلاث غرف وثلاث تيارات سياسية متعارضة، يقدم براتوليني صورة رمزية للواقع الإيطالي بانشقاقاته بعد الحرب العالمية الثانية وبأطباع أهله وصراعاتهم وتأهبهم للقتال من جديد.
بطل يفتقر إلى الصفات الأخلاقية
يفتتح فاسكو براتوليني سرده بالأرملة فرجينيا، ساكنة إحدى الغرف الثلاث في هذا البيت الإيطالي الشعبي الفقير، ولا يستطيع القارئ إلا أن يتعاطف مع هذه الأرملة الحزينة المنقطعة عن العالم والتي تعيش في حداد دائم، وخوف من أن يأتي قتلة زوجها لمحاسبتها هي الأخرى، بعد أن سرقوا بيتها وخزائنها وممتلكاتها، فيكتب براتوليني عنها في أولى صفحات السرد "منذ أشهر تعيش فرجينيا في زنزانة. حتى الشوارع كانت زنزانة، وكذلك كل مكان تحضر فيه الحياة والناس. علاقتها بالناس مقتضبة اقتصرت على عبارات موجزة محدودة أكثر إيلاماً من الصمت".
يختار براتوليني أن يرافق فيرجينيا في بداية سرده، وأن يظهر ضعفها وصمتها وانهزامها، لكن عنصراً جديداً لا يلبث أن يدخل حياتها ليزلزلها ويغير مسارها: ساندرينو، ابن الجارة، الفاشي الحانق على المجتمع والشيوعيين والأثرياء.
يرافق القارئ وقوع فرجينيا رويداً رويداً في حبال ساندرينو، من أبسط مراحل العشق إلى أقسى مراحل الهوس، فيرد في البداية "في اليوم التالي أخذتْ قلم الحمرة ووَضعتْ مسحة، "مسحة خفيفة فقط" على شفتيها ليراها ساندرينو جميلة ويبقى راضياً معها. قررت أن تكون مرحة بعض الشيء وتلقائية، وألا تتحدث إليه بعد الآن عن عزلتها وألمها"، ثم ما تلبث الأمور أن تتصاعد مع تقدم السرد، ليقول الراوي عن فرجينيا "أدركت أنها بعد الآن، حتى لو رغبت، فإنها لن تستطيع أبداً الإفلات من إرادته"، إلى أن تبلغ الأمور ذروتها بقول الراوي "بات ساندرينو بمثابة الشمس وهي تدور حولها، كما قال لها، وهو من يقرر أن تبقى على قيد الحياة أو يُغرقها".
تقوم العلاقة المتطورة بين الأرملة الثلاثينية والمراهق الشاب، على الإساءة والعنف المعنوي والجسدي، لتعكس مباشرة الطريقة التي هيمنت بها الفاشية تاريخياً على إيطاليا. ففيرجينيا، الحزينة الساذجة الوحيدة تصبح شيئًا فشيئًا هدفاً سهلاً لقسوة ساندرينو الاستبدادية. يوقع ساندرينو الفاشي بالأرملة الجمهورية الثرية، يذلها ويعذبها ويضربها ويسرقها ويهينها ويقسو عليها ويعاملها بعنف، في تصرف يعكس خللاً في البوصلة العاطفية والسياسية والأخلاقية لديه.
يروح القارئ يتوقع من فرجينيا أن تستفيق من غفلتها بعد كل مأزق يوقعها فيه ساندرينو، لكن ذلك لا يحصل، فساندرينو قد أحكم قبضته على عقلها وقلبها، واستحوذ على حياتها وأموالها وكل ما تملك.
يلاحظ القارئ أن لساندرينو مظهراً خارجياً لافتاً، فهو وسيم وقوي وفاتن ويلفت النساء ويوقعهن في شباكه، فيصفه الراوي مراراً في السرد قائلاً مثلاً "كان رشيقاً، قبضته لطيفة، شعره أشقر، عيناه زرقاوان، صدره قوي، ويضمها كلها إليه"، ليجسد ساندرينو صورة البطل بمعنى البطولة الأول، أي أنه رمز الجمال الخارجي والقوة والفتوة والبطش والصلابة والإصرار والعزيمة، هو بطل بمعنى أنه وسيم وجريء وشاب لا يهاب المعارك.
لكن هذا البطل هو بطل مضاد antihéros من الناحية الأخلاقية، فهو لا يستوفي شروط البطولة من حيث علاقته بالمرأة والتعامل معها، سواء أكانت أمه أو حبيبته أو جارته، فهو يؤذيها ويستغلها ويسرقها ويهملها ويخونها ويوصلها إلى الموت، حتى إنه وقح وصفيق وفظ لدرجة أنه يقول لفرجينيا "لأنني وبكل وضوح سأنتزع منك كل شيء رويداً رويداً".
بطل إيطالي مرآة بطل روسي
يلاحظ من يقرأ رواية ميخائيل ليرمنتوف الوحيدة "بطل من هذا الزمان"، ورواية براتوليني "بطل من زماننا" أوجه تشابه كثيرة بين الاثنتين، وهي نقاط مشتركة لا تنفي بأي شكل إبداع براتوليني وجمال سرده ورمزية فضائه. تنقسم رواية ليرمنتوف إلى خمسة أقسام قد تبدو منفصلة، هي في أول نصف منها سرد وفي النصف الثاني مذكرات البطل، بينما تنقسم رواية براتوليني إلى قسمين يرافق أولهما فيرجينيا ويرافق ثانيهما ساندرينو، وكأن بنية الروايتين متشابهة من حيث أن القسم الثاني مخصص للبطل ولمتابعة الأحداث من وجهة نظره.
من ناحية صفات البطل، يُلاحظ القارئ تشابهاً في الصفات الخارجية والداخلية للبطلين، الروسي والإيطالي، فبطل براتوليني يتشابه مع بطل ليرمنتوف من حيث إنه وسيم مثله، فاتن، يوقع بالنساء، ويجلب عليهن الذل والقهر، وفي نهاية المطاف الموت.
يصف ليرمنتوف طوال سرده أثر بطله بيتشورين في النساء وعلى المحيطين به، فيكتب "وكان في ابتسامته شيء من معاني الطفولة، وكان جلده ناعماً رقيقاً كأنه جلد امرأة. وكان شعره الأشقر المتجعد يحيط إحاطة جميلة بجبينه الشاحب الذي يفيض نبلاً. كانت عيناه تلتمعان، من خلال أهدابه المغمضة قليلاً، ببريق متوهج كبريق الفوسفور، إن صح التعبير. وليس هذا البريق انعكاساً لروح حارة أو خيال ملتهب، وإنما هو بريق الفولاذ المصقول، يُبهر ولكنه بارد"، وهو ما لا يتوانى في فعله براتوليني أيضاً في قوله مثلاً "احتوت نظرته وصوته على البريق والنبرة المعتادين حيث تمازج الجدية المزاح".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
عدا عن الشكل الخارجي المذهل الذي يتمتع به البطلان، من اللافت أنهما كليهما عديما الرأفة والتعاطف مع الآخرين، بخاصة النساء، فبطلا ليرمنتوف وبراتوليني عاشقان سيئان بكل ما قد يعنيه ذلك، فهما يتسمان بالأنانية والقدرة على الإيقاع بالنساء والحنكة الخبيثة والقدرة على التغرير بالفتيات الساذجات ببرودة ولامبالاة هائلتين، لدرجة أن بطل ليرمنتوف يكتب في مذكراته "تساءلتُ: تُرى هل يمكن أن تكون رسالتي كلها في هذه الحياة الدُنيا هي أن أحطم آمال البشر؟ وقد مثلتُ، رغم أنفي، ذلك الدور المؤلم، دور جلاد أو خائن".
إنما، في حين كان بطل ليرمونتوف، بيتشورين، شخصية رومانسية ساخرة وعدمية من علية القوم ومن الطبقة الروسية المخملية، فإن بطل براتوليني في إيطاليا المعاصرة هو فتى في الـ 16 من عمره، يعاني مشكلات نفسية هائلة نتيجة فقره وفقدانه والده، وتبنيه أفكار الفاشية وقبوعه في أدنى دركات السلم الاجتماعي.
يمكن كذلك بالمقارنة بين الروايتين، أن نلاحظ أنه كما ركز ليرمنتوف في مواضع كثيرة من سرده على المجتمع الروسي وخصاله وصفاته، ووصف الطبيعة الروسية والمناطق الروسية والسفر الروسي، والجندية الروسية بكل جمال وبطء، وهو أمر طبيعي لكون ليرمنتوف من أبرز شعراء زمانه، وقد عدّه كثر خليفة شاعر روسيا العظيم بوشكين (1799-1837)، فإن براتوليني وصف تخبطات المجتمع الإيطالي السياسية والاجتماعية، وتمكن من خلال مشاعر فيرجينيا والعلاقة القائمة بين ساندرينو الفاشي والزوجين الشيوعيين من نقل الشرخ القائم في المجتمع الإيطالي آنذاك.
بطل يتخطى حدود زمانه
تحضر رواية ليرمنتوف الروسية في الأدب الإيطالي بحلة جديدة، ومع بطل جديد بعد حوالى 100 عام، ثم نرى الرواية الإيطالية تصل القارئ العربي ببطلها الفاشي، مترجمة بعد حوالى 80 عاماً، وكأن البطلين تخطيا زمانهما ليقيما في زمان كل قارئ، مهما كانت جنسيته.
ويشار إلى أن القارئ العربي عرف براتوليني سابقاً كونه من أبرز الكتاب الإيطاليين الذين وثقوا حقبة مفصلية من التاريخ الإيطالي السياسي والاجتماعي في القرن الـ 20، ولكونه رُشح لـ "جائزة نوبل" في الأدب ثلاث مرات.
"بطل من زماننا" رواية تجسد التوتر الذي كان سائدًا في إيطاليا الخارجة من الحرب العالمية الثانية، ومن الحرب الأهلية، وتجسد الانقسامات العميقة التي مزقت إيطاليا، ليكون البطل الموصوف ليس صورة رجل واحد، بل صورة جيل وحشي برذائله التي جعلته يتعامل بكل قسوة وعنف ووصولية، مع أعدائه والمحيطين به.