Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الاستشفاء في لبنان للأغنياء فقط 

الخدمات الطبية تأثرت بسبب الهجرة الجماعية للكفاءات إثر انهيار سعر الليرة

المستشفيات الكبرى والجامعية وحدها تمتلك المناعة المالية للاستمرار في العمل (اندبندنت عربية)

وداعاً لشعار "الصحة حق للجميع"، هذا هو لسان حال المواطن اللبناني الذي أصبح يحلم بحبة دواء، أو جرعة أكسجين في طوارىء المستشفيات. 

هذه الحقيقة أفرزتها الأزمة الاقتصادية الحالية التي عمقت التفاوت الطبقي بين مكونات المجتمع. وجاءت جائحة كورونا لتزيد من أعباء انهيار الليرة اللبنانية أمام الدولار، وشاع بين المستشفيات "اشتراط دفع المواطن لتأمين مالي" من أجل فتح باب العلاج أمام المرضى، حيث تطالب أغلب المؤسسات الاستشفائية الخاصة من أهل المريض دفع مبلغ يبدأ بـ 20 مليون ليرة سلفاً، أي ما يساوي 30 مرة ضعف الحد الأدنى للأجور الذي يبلغ 675 ألف ليرة لبنانية. 
 
صرخة طبيب

خلال الأيام الأخيرة، أطلق رئيس "لجنة الصحة النيابية" عاصم عراجي صرخة استغاثة، بعد أن بات ملموساً بأن "الاستشفاء أصبح حكراً على الأغنياء"، ويؤكد عراجي لـ "اندبندنت عربية" أنه انطلق من تجربته كطبيب مقيم في بر الياس البقاعية، حيث أصبحت أحوال الاستشفاء كارثية. ويكشف عراجي أن بعض المستشفيات طالبت أحد مرضى كورونا بمبلغ 600 مليون ليرة لبنانية كـ "فرق مالي لكلفة العلاج بعد احتساب الجزء الذي تُغطيه الجهات الضامنة". 

يتحدث عراجي عن جملة عوامل تضاعف معاناة اللبناني، من الأزمة المالية الخطيرة، إلى غلاء ثمن المعدات والمستلزمات الطبية، وصولاً إلى "الشروط التي تضعها المستشفيات لمطالبة المريض بدفع مبلغ التأمين، لأنها غير قادرة على علاجه إذا لم يقم بالدفع". ويوضح أن المستشفيات تطالب ما يوازي أربعة أضعاف التعرفة القائمة حالياً من أجل استمرارها في العمل. 

ويوضح رئيس "لجنة الصحة النيابية" أنه عقد اجتماعين، أحدهما اجتماع نقباء المهن الطبية، والآخر اجتماع الجهات الضامنة، وقد طالبت نقابة المستشفيات برفع قيمة الدولار الاستشفائي إلى 6080 ليرة فيما يصل سعرصرف الدولار في السوق السوداء إلى نحو 12500، في حين أن التعرفة الحالية تقوم على سعر الصرف الرسمي وهو 1515 ليرة لبنانية للدولار الواحد. 

يفترض رفع عتبة التعرفة إلى تغطيتها من قبل الجهات الضامنة، إلا أن هذه الأخيرة تتحفظ على ذلك لأن ميزانيتها محدودة. وعليه فإن الانهيار سيكون من نصيب الجهات الضامنة التي تتعدد في لبنان، وتحديداً الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، ووزارة الصحة العامة، وتعاونية موظفي الدولة، والطبابة العسكرية والأمن الداخلي، إضافة إلى شركات التأمين. وأمام هذا العجز، ما كان إلا إلزام المريض بدفع الفروقات التي زادت بصورة كبيرة، وتتفاوت بحسب الحالات من ثلاثة ملايين إلى 180 مليون ليرة، وفي بعض الحالات المعقدة 450 مليون ليرة لبنانية.

الصفعة يتلقاها الفقير

أمام معادلة مريض فقير، مستشفى عاجز وجهات ضامنة شبه مفلسة، اهتز النظام الاستشفائي في لبنان. ويعتقد عراجي أن المستشفيات في وضعية أفضل من غيرها ضمن هذه السلسلة، لأنها ما زالت تتقاضى البدلات من المرضى المرغمين على الدفع من أجل العلاج، بالتالي فإن "الصفعة يتلقاها المريض الفقير".

ويفتح الأفق المقفل محلياً الباب أمام المطالبة بمساعدات من قبل الجهات الدولية المتخصصة بالشؤون الصحية. ويلفت عراجي إلى أن لبنان طلب من منظمة الصحة الدولية واليونيسف للدخول على خط الأزمة لتأمين المساعدات للبنانيين، مشيراً إلى أن "سكان الأطراف يعانون الأمرين حالهم حال كل اللبنانيين لأن انهيار الليرة دخل إلى كل بيت". ويرى أنه "إذا لم يتم تشكيل حكومة سريعاً، وتفتح البلاد أمام عمل المنظمات الأجنبية، فإن الوضع سوف يسوء أكثر.

التجمعات في الأعياد ورمضان

يتخوف عراجي من أن تستمر جائحة كورونا في الضغط على الواقع الصحي، بالتالي يجب العمل لعدم تكرار ما حصل خلال فترة أعياد الميلاد ورأس السنة، لذلك رفع الصوت لعدم تشريع التجمعات الكبيرة في عيد الفصح، مذكراً أن لجنة الصحة خالفت آنذاك التوجه لفتح البلد لأسباب اقتصادية في عيد رأس السنة الميلادية. 

ويعتقد عراجي أن موسم رمضان يحتاج لاعتماد ضوابط، في ظل المخاوف من الاجتماع العائلي على الإفطار وفي صلاة التراويح. ويقول، إنه سيتواصل مع مفتي الجمهورية اللبنانية عبد اللطيف دريان ليتمنى عليه تشجيع الناس على الصلاة في المنازل، أو فرض التباعد الاجتماعي وتهيئة المساجد بالمساحات المفتوحة التي تمتاز بالتهوئة. 

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

المستشفيات مخنوقة

تدفع المستشفيات الخاصة عنها تهمة "تخيير المريض بين دفع تأمين فروقات الضمان سلفاً، أو عدم الحصول على العلاج". يؤكد نقيب المستشفيات الخاصة في لبنان سليمان هارون، بأنه كان أول من حذر من تحول الاستشفاء إلى حق للأغنياء والقادرين فقط، ويوضح أن المستشفيات تتعامل مع الجهات الضامنة بناء على تعرفة مفروضة منذ 20 عاماً، حيث تم اعتماد 1500 ليرة تسعيرة للدولار الرسمي، فيما توصلت الدراسة التي قامت بها نقابة المستشفيات إلى أن فرق الكلفة الاستشفائية تضاعفت، ولا بد من مضاعفة التعرفة أربع مرات لتكون منصفة. وبما أن صندوق الضمان الاجتماعي والدولة اللبنانية يعجزان عن رفع التعرفات، فإن المستشفيات غير قادرة على الاستمرار في تحمل الخسارة لأنها تدفع "الدولار نقداً" لشراء المعدات. لذلك يتخوف من أن الاستشفاء سيصبح في متناول الأغنياء فقط.

ويعول نقيب المستشفيات على نهضة المواطن اللبناني، لأن العامل الذي حقق استمرارية المستشفيات الخاصة في لبنان، هو قدرة المواطن على تأمين نفقات العلاج إما مباشرة أو من خلال تغطية الجهات الضامنة وشركات التأمين، وهنا مكمن الخلل اليوم. ويتخوف من أن "المواطن العادي لن يتمكن من الحصول على العلاج، وكذلك ستضطر مستشفيات كثيرة إلى الإقفال بسبب عجزها عن الاستمرار، وتحديداً المتوسطة والصغيرة".

يشير هارون إلى أن هناك 127 مستشفى خاصاً في لبنان، وحدها المستشفيات الكبرى والجامعية تمتلك المناعة المالية للاستمرار في العمل بسبب مداخيلها العالية، ونوعية المرضى والزبائن التي تقصدها، فيما "مستشفيات الفقراء ستقفل، وتفلس وسيحرم الفقير من الاستشفاء". 

الشكوى متواصلة

تستمر المستشفيات بالشكوى من أن "أعباء تأمين المستلزمات الطبية أصبح لا يُطاق"، لذلك فإنها ما زالت تؤجل أي عمل جراحي غير طارىء، وتعطي الأولوية للحالات الطارئة. وتضاعف ثمن المعدات الطبية التي تدعم الدولة 85 في المئة من كلفتها "الدولارية"، فيما تلتزم المستشفيات بتأمين 15 في المئة من السوق السوداء، وكلما ازداد سعر صرف الدولار الأميركي مقابل الليرة اللبنانية ازداد العبء المالي على الفاتورة الطبية للمواطن. 

ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد، حيث يكشف هارون عبر لـ "اندبندنت عربية" أن "الخدمات الطبية تأثرت بسبب الهجرة الجماعية للكفاءات الطبية في لبنان، وأحد المستشفيات أقفل قسم القلب المفتوح لأن الأطباء الذين يشغلونه سافروا إلى الخارج". 

وهنا لا بد من لفت النظر إلى أن العروض المادية للأطباء اللبنانيين تراجعت في الخارج، لأن المؤسسات الأجنبية تدرك حجم الأزمة في لبنان من جهة، وحاجة الأطباء اللبنانيين للعمل من جهة أخرى.

ويلفت هارون إلى أن "قلة قليلة من الأطباء في لبنان يصل دخلهم إلى مستوى خمسة آلاف دولار أي ما يقارب 60 مليون ليرة لبنانية"، موضحاً أن "الطبيب يتقاضى 850 ألف ليرة أي 70 دولار عن عملية تغيير الورك وهي من أعقد العمليات وأصعبها". 

في المحصلة، مع مرور الأيام تزداد المخاوف على مصير لبنان الذي كان يعرف بـ "مستشفى الشرق"، وبات شعبه عرضة للحرمان من حقه في العلاج. فيما يتضاعف منسوب القلق مع الحديث المستمر عن "حتمية رفع الدعم" الذي سيؤدي إلى ارتفاع سعر صرف الدولار أكثر، وحرمان المواطن العادي من أدنى مقومات الحياة ومن "حبة دواء" لا تشفي بل تُسكن أوجاعه.

المزيد من تقارير