Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

أدب سعودي جديد يدخل المكتبة الفرنسية حاملا ملامح خصوصيته

رواية "الحالة الحرجة للمدعو ك" تقدم سرداً كافكاوياً غير مألوف و"البحريات" تروي التجربة النسوية

"القارئ" لوحة للرسام السعودي عبد الله العلي (اندبندنت عربية)

في سياق تقديم الأدب السعودي الجديد إلى القراء الفرنسيين والفرنكوفونيين، صدرت حديثاً ترجمة لروايتين هما "الحالة الحرجة للمدعو ك" للكاتب عزيز محمد (دار أكت سود - سندباد) و"نساء البحر" للكاتبة أميمة الخميس (دار لارماتان) ومجموعة قصصية هي "فن التخلي" للكاتب عبدالله ناصر (دار لارماتان). هذه الترجمات تمنح القراء في فرنسا والعالم الفرنكوفوني فرصة الاطلاع على الحركة الروائية والقصصية الجديدة التي تشهدها السعودية، وتقدّم صورة عن المآل الذي بلغه السرد الحديث والذي تمثله هاتان الروايتان وهذه المجموعة القصصية، بعيداً من النظرة "الاستشراقية" إلى الأدب العربي عموماً، والتي ما برحت ترِد في خاطر بعض الناشرين والقراء، وفي منأى أيضاً عن فكرة "التمثيل" المحلي التي تفترضها مسبقاً النظرة "الاستشراقية" تلك، في الأعمال العربية التي تترجم إلى اللغات الأجنبية.

وتكفي العودة إلى رواية "الحالة الحرجة للمدعو ك" التي مهما أغرقت في خصوصية زمنها أو مكانها، فهي تنجح في مخاطبة القارئ الغربي بمادتها الروائية وشخصياتها وقضاياها وتقنياتها السردية. وقد عنونت على سبيل المثل، مجلة "جون أفريك" مقالها الجميل عن الرواية بهذه الجملة "كافكا في السعودية"، والمقال لم يقف عند حرف الكاف "الكافكاوي" الذي يحمله البطل السعودي فقط، بل تعدّته إلى مأزق البطل وإشكالياته وإلى طبيعة الرواية وقوتها. وقد حظيت هذه الرواية بترجمة متينة ومشغولة أنجزها المستشرق سيمون كورتاي، ساعدت بالتأكيد في ترسيخ النص فرنسياً. الرواية الأخرى "نساء البحر" حظيت أيضاً بترجمة جيدة ومسبوكة، منحتها المترجمة اللبنانية ندى غصن جهداً واعتناء. والأمر ذاته ينطبق على المجموعة القصصية التي تصدى لها الباحث والمترجم المعروف فرانسوا زبال، رئيس تحرير مجلة "قنطرة" الفرنسية التي صدرت لسنوات طويلة عن معهد العالم العربي.

"الحالة الحرجة للمدعو ك"

ولئن بدت الأعمال المترجمة هذه مختلفة بعضاً عن بعض بجوها ووقائعها وشخصياتها وحتى أساليبها، فهي نجحت في تقديم صورة عن السرد السعودي الراهن، الذي تهيمن عليه مدارس وتوجهات وأنماط متعددة، كالسرد التاريخي والبيئي والاجتماعي، الواقعي والأسطوري، التقليدي والحديث. وقد تكون رواية "الحالة الحرجة للمدعو ك" التي وصلت إلى القائمة القصيرة في جائزة البوكر العام، ولعلها كانت تستحق الجائزة مع أنها رواية أولى، رواية فريدة وذات بعد عالمي، على أكثر من مستوى، على الرغم من أنها رواية أولى لكاتب شاب آتٍ من عالم الاختصاص العلمي وليس الأدبي. وتقوم بنية الرواية على لعبة الإضمار أو الترجيع، عندما يبدو أن الراوي وبطل قصته التي كان يكتبها ولم يكملها، هما في الوقت ذاته، شخص واحد وشخصان منفصلان بعضهما عن بعض، ولو أن العنوان يشي بوحدتهما. فالمدعو ك هو مبدئياً صاحب الحالة الحرجة أي البطل- الراوي المصاب بمرض السرطان الذي جعله يعيش حالة شديدة الحرج. لكنه لم يعلن بتاتاً أن هذا اسمه، مكتفياً بتسمية بطل قصته الناقصة به.

وإذا كان الراوي موظفاً في شركة بتروكيماويات سعودية، فبطله ك موظف أيضاً. وقد تخيّل الراوي أنه يكتب قصة هذا "القرين" أو شبه القرين خلال دوامه الوظيفي هرباً من ملل العمل اليومي داخل المكتب. ويعترف أنه راح يكتب القصة بذهنه وليس على شاشة الكمبيوتر أمامه، عازماً على كتابتها لاحقاً في البيت. «لعلي أسمّي ذاك الموظف ك وليغفر لي كافكا"، يقول، وفكر أيضاً بتسمية القصة التي تدور داخل اجتماع عمل "قاعة المؤامرات" وهو تحريف لقصة كتبها كافكا عنوانها "قاعة المؤتمرات".

لكنّ الراوي يسخر من القصة التي يكتبها كما يسخر من نفسه، فالأكسجين الذي ينقص في الاجتماع يسبب الغثيان لبطل القصة والإرهاق وضيق التنفس، وهذا ما يعانيه أصلاً الراوي، بحسب مستهل الرواية. ويظن، بعد ما انفضّ الاجتماع الممل، أنه سيهمل القصة التي سلّى نفسه بها ولن يكتبها: "لطالما وجدت الكتابة الجادة عملاً عسيراً ولعلها أصعب مهنة في العالم كما يقول همنغواي". ولكن سرعان ما يتضح أن لا علاقة بين ك كافكا وك بطل القصة أو الراوي أيضاً، الذي خلقه الكاتب عزيز محمد. وهنا تكتسب الرواية طرافتها مبتعدة عن التقليد أو الاستعارة والتناص. والراوي أصلاً الذي هو كاتب وقارئ، لم يذكر من أعمال كافكا سوى "اليوميات" كمرجع. ولعله يؤكد أنه يكتب يوميات أو مذكرات أكثر مما يكتب رواية، لكنها المذكرات التي تؤول إلى اكتساب مواصفات الرواية. فحيلة السرد هنا، جعلت مما يسمّيه الراوي علناً بـ"مذكرات"، عملاً روائياً. كأن يقول في الختام بعدما استعاد عافيته وشفي مبدئياً من السرطان: "تسعة أشهر مضت منذ أن بدأت هذه المذكرات".

غير أن الراوي يكتب ما يشبه السيرة الذاتية المتقطعة من خلال تدوين مذكراته في المكتب أو الوظيفة وفي البيت أو داخل الأسرة وفي المستشفى، عندما يخضع للعلاج الكيماوي وسواه.

نزعة وجودية

ومن يقرأ مطلع الرواية في ترجمتها الفرنسية، يخيّل له أنه يقرأ رواية من الروايات العبثية أو الوجودية العالمية، فالراوي يستهل المذكرات بحال "الغثيان"، لكنها ليست هنا فكرة سارترية وفق ما دلّت عليه روايته الوجودية "الغثيان"، بل إن غثيان الراوي السعودي غثيان مرضي، فيزيقي غالباً. يرافقه نزيف دم يُسمّى بـ"الرعاف" وقد خضع لجلسات كيّ عدة لم تكن حاسمة: "استيقظ متعرقاً. غثيان، صداع، دم على المخدة، الآم في المفاصل". يعاني الراوي أيضاً الأرق أو قلة النوم مثل الأبطال السلبيين عادة، وينعكس على مساره الوظيفي في الشركة البتروكيماوية، فيصبح الدوام مملاً ومرهقاً، خصوصاً وسط موظفين آخرين يعملون مثل الآلات الروبوتية. وكم يوفق في سخريته من مرضه الذي يصاب به مقارناً بين فيروس السرطان والفيروس الذي يصيب عادة الكمبيوترات التي يعتمدونها، وبين المادة الكيماوية التي هي من اختصاص الشركة والعلاج الكيماوي الذي يتلقّاه بغية مكافحة السرطان الذي في جسده.

 

نساء البحر

أما رواية "نساء البحر" التي تحمل عنواناً آخر بالعربية هو "البحريات"، فهي تختلف عن الرواية السابقة بجوها وقضاياها، لا سيما أنها تميل إلى أن تكون "نسوية" ولكن في المعنى الإنساني الجميل. وكانت صاحبتها أميمة الخميس قد فازت عام 2018 بجائزة نجيب محفوظ التي تمنحها الجامعة الأميركية في القاهرة عن روايتها "مسرى الغرانيق في مدن العقيق". واللافت أن رواية "البحريات" هي الأولى لها وصدرت عام 2006، وطبعت سبع مرات. والنساء البحريات هن نساء تتقاذفهن أمواج البحر إلى قلب الجزيرة العربية في المدن القديمة والجديدة، وحينما تنحسر الأمواج تتجذر هؤلاء النسوة البحريات في أرض الحياة وتختلط حكاياتهن بحكايات النساء الأخريات في البيوت المغلقة التي يحكمها الرجال بغواياتهم ونزعاتهم الغريبة. تبدو الرواية كأنها حكاية أنثوية تجمع بين شخصيتين أساسيتين، البطلة "بهيجة" ومدينة "الرياض" بصفتهما الأمومية، فهما تسعيان، كل على طريقتها، إلى مواجهة  التسلط الذكوري وما ينجم عنه من عنف. وتمثل "بهيجة" نمط المرأة المشغولة عن التفاصيل والهوامش بقضاياها المصيرية، وأهدافها الكثيرة في سبيل تحقيق وجودها.

تقول أميمة الخميس عن روايتها "البحريات" إنها "رواية أجيال ذات وزن في الرواية المحلية، والعربية أيضاً، وما يلفت النظر أنها تناولت أجيالاً بطريقة لا تفصل كل جيل عن الآخر، بل تتمازج الأجيال". وتعترف في أحد لقاءاتها أن "رواية البحريات كانت تجربتي الأولى في الكتابة، كتبتها بكثير من الخوف والقلق، وكانت تدور حول تجربة سيدات شاميات حضرن إلى الجزيرة العربية كزوجات".

"فن التخلي"

أما المجموعة القصصية "فن التخلي" التي ترجمها إلى الفرنسية فرانسوا زبال، فهي من المجموعات القصصية المهمة سعودياً وعربياً، الصادرة في الفترة الأخيرة، لما تحمل من سمات وملامح قصصية حديثة، علاوة على اختبار كاتبها تقنية القص، بحثاً عن صيغ بعيدة من الفن القصصي الراسخ. فالكاتب يبتعد عن النزعة الوصفية ويسعى إلى تحليل شخصياته وإبراز هواجسها، وجعل الأحداث التي تعيشها قائمة على خلفية إنسانية، في ما تعني من أفعال وردود أفعال وأسئلة وشكوك وظنون. ولا تخلو القصص المشبعة بالهواجس والكوابيس من طابع السخرية القائمة على مفارقات سردية، وتصادمات بين الواقعية والتخييل.

 

وفي أحد نصوصه القصصية يفترض الراوي – الكاتب أن اليوم الذي بدأه كان مستعملاً، كما لوكان ثوباً مثلاً ، وكأن أحداً سواه استخدمه قبله، فإذا هو يوم مجعد، وظهيرته تبدو ملطخة ببقع داكنة. يرى الراوي المهلوس أن هذا اليوم الذي أقبل، لم يكن جديداً، أفسده شخص قبله، بعدما أخذ أجمل ما فيه وترك له بعض الأوساخ.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

تحمل قصص عبدالله ملامح صادمة، بجوّها الغرائبي والحلمي، وتقارب المناخ السوريالي من غير أن تغوص في آليات الكتابة السوريالية ولا سيما الكتابة الآلية أو "الأوتوماتيكية"، بل تظل أليفة في غرائبيتها أو حلميتها. فالرجل على سبيل المثل، الذي أيقظ زوجته في الثانية صباحاً وصارحها بأمر غريب هو أنه يرغب في تغيير جنسه، لا يلبث عن أن يعدل عن فكرته هذه، راغباً في أن يتحوّل ثعلباً. وقد صدمته زوجته أيضاً، معربة عن رغبتها في تغيير جنسها.

في مثل هذه الأجواء الكابوسية، المتراوحة بين الواقعية والتخييل، يكتب عبدالله قصصه، بطرافة وبراعة، مدركاً أن اللحظة القصصية لا تحتمل إطناباً أو إطالة، بل هي تعبر بسرعة، بشخصياتها الأشبه بالظلال ووقائعها الخاطفة.

المزيد من ثقافة