Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

سجال تركي - إيراني في شأن العراق وقضاء سنجار أصل الخلاف

"طهران وأنقرة تمارسان الضغوط على حكومة بغداد بملفات أمنية ومائية للحصول على مكاسب تدعم نفوذهما في البلاد"

يمثل قضاء سنجار والخلافات حوله منطلق التوتر بين تركيا وإيران (رويترز)

تصاعدت وتيرة السجال بين تركيا وإيران على خلفية الاتهامات المتبادلة في شأن التدخلات بالسيادة العراقية، والتي تحولت إلى ساحة مفتوحة للصراعات الإقليمية والدولية نتيجة ضعف الدولة والإشكالات السياسية والأمنية التي تعانيها البلاد.

وبدأ السجال على خلفية تصريحات السفير الإيراني لدى بغداد، إيرج مسجدي، الذي أكد في مقابلة مع شبكة "روداوو" رفض بلاده التدخلات العسكرية التركية في العراق، وانتهاك السيادة.

وقال مسجدي "لا نقبل إطلاقاً أن تتدخل تركيا، أو أي دولة أخرى، في العراق عسكرياً، أو أن تتقدم وتحظى بوجود عسكري في العراق".

في المقابل، كتب سفير تركيا لدى بغداد فاتح يلدز، على "تويتر"، أن "السفير الإيراني آخر شخص يحق له إعطاء تركيا دروساً في شأن احترام حدود العراق".

ودفعت تصريحات مسجدي الخارجية التركية إلى استدعاء السفير الإيراني في أنقرة محمد فرازمند، معبرة عن احتجاجها ورفضها تلك التصريحات.

في المقابل، استدعت وزارة الخارجية الإيرانية سفير تركيا لدى طهران، دريا أورس، للاحتجاج على تصريح لوزير الداخلية التركي، سليمان صويلو، تحدث فيه عن وجود عناصر لمنظمة "حزب العمال الكردستاني على الأراضي الإيرانية". 

موقف عراقي ضعيف 

مع كل تلك التداعيات والمواقف المتبادلة بين تركيا وإيران، لا يبدو الموقف العراقي صارماً إزاء تدخلات البلدين في القضايا التي تمس سيادته، حيث لم تصدر مواقف رسمية عراقية تدين تلك التصريحات وتبادل الاتهامات بين الأطراف الإقليمية في شأن السيادة العراقية، سوى تصريح لرئيس البرلمان العراقي محمد الحلبوسي، وتصريح آخر للمتحدث باسم وزارة الخارجية العراقية أحمد الصحاف.

ودعا رئيس البرلمان العراقي، محمد الحلبوسي، ممثلي البعثات الدبلوماسية إلى عدم التدخل في الشأن العراقي، قائلاً في تغريدة على حسابه في "تويتر": "ممثلو البعثات الدبلوماسية في العراق واجبهم تمثيل بلدانهم وتعزيز التعاون بين البلدين، فعلى بعض ممثلي تلك البعثات أن يعي جيداً واجباته، ولا يتدخل في ما لا يعنيه، ويحترم سيادة العراق لكي يعامل بالمثل".

أما المتحدث باسم وزارة الخارجية العراقية، أحمد الصحاف، فقال في أول تعليق رسمي على السجال الذي حصل بين سفيري طهران وأنقرة حول سيادة العراق، إن السيادة العراقية شأن داخلي عراقي، ولا حاجة لأي صوت خارجي للدفاع عنه.

وأضاف في مقابلة متلفزة، على قناة "العراقية" شبه الرسمية في 28 فبراير (شباط)، أن "السيادة العراقية شأن داخلي عراقي، والحكومة تتكفل بالدفاع عنها والدفاع عن مصالح العراق".

وتابع الصحاف، أن "العراق ليس بحاجة لصوت أو جماعة في التكريس للدفاع عن سيادته"، لافتاً إلى أن "اتفاقية فيينا لتنظيم العلاقات بين الدول تحدد مبدأين لرؤساء البعثات في الدولة المضيفة، وهي أن يراعوا العلاقات الثنائية، وألا يتدخلوا في شؤونها".

وعلى الرغم من تلك التصريحات، فإن العراق لم يقم حتى الآن باستدعاء أي من سفيري البلدين، فيما لم يُبد رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء أي موقف بهذا الشأن.

ويقول أستاذ الجغرافيا السياسية، دياري الفيلي، إن "الإشكالية في العراق تتعلق بتمدد نفوذ الدول الإقليمية إلى داخل مؤسسات الدولة العراقية، وهو ما يقوض إمكانية وجود رد فعل حقيقي يتناسب مع حجم التدخلات الخارجية في شؤونه الداخلية".

ويضيف لـ"اندبندنت عربية"، أن "ضعف الموقف الرسمي للعراق هو الذي وفر المساحة للتدخلات الأجنبية، وبين مدى رعاية أنقرة وطهران للتطورات في البلاد"، مردفاً "كان الأجدى أن تقوم الحكومة على الأقل باستدعاء سفيري الدولتين". 

سنجار وأصل المشكلة 

ومنذ العام الماضي، بدأ النشاط العسكري التركي بالتزايد في العراق، لا سيما في قضاء سنجار بمحافظة نينوى، بحجة ملاحقة عناصر حزب العمال الكردستاني.

ويمثل قضاء سنجار والخلافات حوله منطلق التوتر بين تركيا وإيران، إذ تسعى طهران لأن يكون منطقة نفوذ للميليشيات الموالية لها لما يمثله من أهمية جيوسياسية، حيث يقع على المثلث الحدودي بين العراق وسوريا وتركيا، ويوفر نقطة عبور للميليشيات إلى الأراضي السورية. 

في المقابل، تحاول تركيا هي الأخرى إنشاء نفوذ لها في تلك المنطقة ضمن مساعيها لملاحقة عناصر حزب العمال الكردستاني المتمركزين فيه. وكانت الحكومة العراقية، في 9 أكتوبر (تشرين الثاني) 2020، قد وقعت اتفاقاً مع حكومة إقليم كردستان لحل الإشكالات في القضاء. 

ويتيح الاتفاق الأخير عودة آلاف النازحين الذين تركوا بيوتهم بعد اجتياح تنظيم "داعش" للقضاء عام 2014، بالإضافة إلى تولي القوات الاتحادية بالتنسيق مع حكومة الإقليم إدارة الأمن في القضاء. 

وفي 14 فبراير، عبرت حركتا "عصائب أهل الحق"، و"النجباء" المنضويتان تحت لواء الحشد الشعبي، عن استعدادهما لمواجهة تركيا في حال قررت التمدد نحو قضاء سنجار. 

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وأعلنت "عصائب أهل الحق" أن تركيا تخطط لمهاجمة جبل سنجار، واصفة ذلك بـ"المغامرة غير المحسوبة وتكرار لانتهاك السيادة".

وقالت في بيان "تتجدد تهديدات القوات التركية باجتياح جديد للأراضي العراقية، حيث تؤكد المعلومات وجود خطط تركية عسكرية لغزو مناطق جبل سنجار التي سبق أن تحررت بدماء شهدائنا الأبرار وعزيمة مقاتلينا الأبطال من سطوة الزمر الإجرامية والتكفيرية".

ويعتقد الفيلي أن "الخلافات حول قضية سنجار تعد أحد أبرز مرتكزات الخلاف بين تركيا وإيران، خصوصاً بعد أن باتت تتشكل لدى أنقرة قناعات خطرة في الحديث عن اجتياح المدينة"، مبيناً أن "المثلث الحدودي العراقي - التركي - السوري القريب من سنجار، بات تحت رعاية حزب العمال الكردستاني والحشد الشعبي، والذي ربما يكون قد جرى بدفع إيراني لعزل تركيا من أي دور مؤثر في هذا المساحة الجغرافية". 

ويشير أستاذ الجغرافيا السياسية إلى أن "التمدد التركي في سنجار قد يشكل متغيراً في موازين القوى، الأمر الذي دفع طهران إلى تصعيد الموقف"، لافتاً إلى أن "القصف الذي تعرضت له أربيل، ربما يمثل رسائل واضحة إلى الحزب الديمقراطي الكردستاني، بسبب اتهامات له بأنه متواطئ مع أنقرة في التأسيس لمشروع يعيد من خلاله نفوذه الذي خسره في سنجار".

مصالح مشتركة تمنع التصعيد 

ولعل مخاوف تركيا من أن توفر مدينة سنجار مدخلاً لإنتاج مقاربة بين طهران وواشنطن تزيحها من المعادلة، بحسب الفيلي، هي التي "دفعت أنقرة إلى التحرك سريعاً كي لا تخسر إمكانية تمدد نفوذها في العراق".

وعلى الرغم من الأجواء المشحونة بين تركيا وإيران، يعتقد الفيلي أن هذا التوتر "لن يؤدي إلى أن تنهار التفاهمات بين الطرفين بما يتعلق بالعراق"، مردفاً "في كل مرة يتم تدارك الإشكالات بين الطرفين لأن حجم المصالح المشتركة لا تسمح بالدخول في مواجهة مباشرة أو بالنيابة".

ويرجح الفيلي حصول تفاهمات وتسويات بين أنقرة وطهران في شأن إعادة ترسيم مناطق وشكل نفوذ كل من تركيا وإيران تحديداً في المناطق الشمالية والغربية".

ويختم بأن "هناك مقاربات في مساحات جغرافية أخرى تجمع تركيا وإيران بمصالح مشتركة في العراق، أبرزها ما يتعلق بالرغبة في تقويض إمكانية انفصال إقليم كردستان عن العراق، فضلاً عن الاتفاق على عدم تكوين الإقليم السني، لأنهما يعلمان أنه سيمثل تقويضاً لنفوذهم خصوصاً مع وجود نفوذ لدول إقليمية أخرى في المنطقة السنية".

مخاوف إيرانية وتركية متبادلة

ويبدو أن طهران باتت متخوفة من أن يمتد النفوذ التركي في البلاد إلى شكل أوسع يزاحم نفوذها، خصوصاً في المناطق ذات الأهمية الجغرافية شمالاً كقضاء سنجار وغيره من المناطق.

ويعود النفوذ الإيراني في العراق إلى السنوات الأولى للغزو الأميركي بعد عام 2003، حيث استثمرت طهران الأحزاب الشيعية لتدعيم نفوذها السياسي في العراق، إلا أن هذا النفوذ أخذ طابعاً عسكرياً تحديداً بعد اجتياح تنظيم "داعش" عدداً من المحافظات العراقية.

وأدى تحول نفوذ طهران من النفوذ السياسي إلى العسكري من خلال عشرات الميليشيات التي تدين بالولاء لإيران إلى سطوة أوسع على مؤسسات الدولة، بالإضافة إلى مساحات جغرافية واسعة تمتد حتى المحافظات السنية في شمال وغرب البلاد.

وفي المقابل، حاولت تركيا الدخول كفاعل على الساحة العراقية من خلال كتل سنية رئيسة، إلا أن ما يعيق تمددها بشكل موازٍ للنفوذ الإيراني هو ضعف الكتل السنية وعدم قدرتها على مواكبة الدور الذي تضطلع به الكتل الشيعية الرئيسة.

ولعل هذا الضعف في الدور السني في صناعة القرار في الدولة العراقية، دفع تركيا إلى استخدام أدوات مباشرة للحصول على نفوذ في العراق، من خلال التدخل العسكري المباشر وإقامة قواعد عسكرية في البلاد تحت حجة ملاحقة عناصر حزب العمال الكردستاني.

وصعدت أنقرة من عملياتها العسكرية في العراق خلال السنتين الأخيرتين، إلا أنها بلغت ذروتها خلال الأشهر الماضية، ضد حزب العمال الكردستاني، على الرغم من الاحتجاجات المستمرة من الحكومة العراقية على تلك التدخلات.

ويعتقد مراقبون أن أنقرة باتت تتخذ من قضية حزب العمال الكردستاني ذريعة لترسيخ نفوذ عسكري دائم على الأراضي العراقية، إذ باتت تركيا تمتلك عشرات القواعد العسكرية شمال العراق.

توسع على حساب العراق

في المقابل، يقول أستاذ الإعلام غالب الدعمي، إن "لتركيا أطماعاً في شمال العراق تود من خلالها إعادة إحساء حلم الإمبراطورية العثمانية، وتحديداً في محافظة نينوى"، مبيناً أن "أنقرة تعتبر تلك الأطماع جزءاً حيوياً من فكرة الدولة التركية، وتتحرك وفق هذا المبدأ".

وفي مقابل النفوذ التركي "تعمل إيران على ضم جنوب العراق على الأقل لنفوذها"، كما يعبر الدعمي، الذي يشير إلى أن "طهران لا تزال تطمح في أكثر من ذلك، من خلال التوسع على حساب الجغرافيا العراقية بالكامل، تحت عناوين مختلفة، للحفاظ على الخط الاستراتيجي الذي يربطها بسوريا ولبنان، والتي لا تبدو مستعدة للتفريط به تحت أي ظرف".

ويلفت إلى أن "إيران تمكنت من خلق شبكة موالين خارج حدود المناطق الشيعية، وصولاً إلى المناطق السنية، وحتى الكردية إلى حد ما"، مردفاً "ضعف مؤسسة الدولة العراقية والانقسام الطائفي والإشكالات السياسية أتاحت الفرصة لكلتا الدولتين في تدعيم نفوذهما إلى هذا الحد".

وفي شأن السجال الأخير بين أنقرة وطهران، يشير الدعمي إلى أنه "ربما سيحفز نوعاً من التوافق بين أنقرة وطهران لإعادة ترسيم نفوذ كل منهما في العراق، خصوصاً مع انحسار الدور الأميركي في البلاد في الفترة الأخيرة".

الأمن والمياه... ملفان ضاغطان 

وتستغل تركياً وإيران ملفات اقتصادية وأمنية ضاغطة على الحكومة العراقية للحصول على مكاسب على حساب السيادة العراقية.

ويرى الباحث في الشأن السياسي بسام القزويني، أن "طهران وأنقرة تمارسان الضغوط على حكومة بغداد بملفات أمنية ومائية للحصول على مكاسب تدعم نفوذهما في البلاد".

ويضيف لـ"اندبندنت عربية"، إلى جانب تلك الضغوط "يتنافس الطرفان فيما بينها على إقليم كردستان لعدة أسباب؛ أبرزها محاربة الأحزاب المعارضة للبلدين، والتي تتخذ من كردستان مأوى لها، كما يدور منذ سنوات من عمليات عسكرية للجيش التركي في ملاحقة حزب العمال الكردستاني في كردستان، فضلاً عن الاستهداف المباشر وغير المباشر لأحزاب إيرانية معارضة للنظام، منها إطلاق الحرس الثوري الإيراني لصواريخ من نوع (فاتح) تجاه مقرات تابعة للحزب الديمقراطي الكردستاني في الإقليم في سبتمبر من عام 2018".

ويتابع "بالإضافة لتلك الضغوط من قبل البلدين فإنهما يتنافسان أيضاً في خلط الأوراق بزج عناصر تابعة لهما ضمن الأحزاب الكردية العراقية، عبر تسميات توحي بأنها بعيدة عن الطرفين، لكن في نهاية المطاف تتلقى الدعم والأوامر منهما، وهي تمضي باتجاه المشاركة في العملية السياسية وبالتنسيق مع أحزاب كردية معارضة للأحزاب الحاكمة".

وبشأن الخلافات بين أنقرة وطهران في العراق، يشير القزويني إلى أن "الصراع مستمر، لكنه لا يؤثر على طبيعة العلاقات بين البلدين، فعلى سبيل المثال حدث سجال بين الطرفين إبان القصف التركي لشمال العراق في عهد حكومة عادل عبد المهدي، حيث كان التدخل الإيراني يهدف لدعم حكومة بغداد القريبة منه، بالتالي لم يؤثر على طبيعة العلاقات بالمجمل فهذه الدول تحدد نوع الصراع وفق جغرافية الأرض التي تراها مهيأة لذلك".

المزيد من تقارير