Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

مع بدء التطعيم في مصر... "كل يغني على لقاحه"

العقاقير المضادة لكورونا مادة خصبة للتجاذبات والانتقادات وساحة للفتاوى بين الجميع

يظل حديث اللقاح في مصر محتدماً شعبياً مثل قضايا جدلية عدة (أ ف ب)

100 مليون ويزيدون، ينتظرون اللقاح، منهم من يملأ وقت الانتظار بالبحث والتقصي عن أصل وفصل كل لقاح، سواء كان متاحاً أم غير متاح، ومنهم من يسلي نفسه بانتقاد المتاح والتغني بمآثر غير المتاح، وهناك من يتعامل مع اللقاح كأنه والعدم سواء.

وسواء أتاحت مصر لقاحاً يقي الجميع شرور الفيروس أو لم تتح، يظل حديث اللقاح شأنه شأن ما سبقه من قضايا جدلية وملفات ثرية للقيل والقال وقلنا وقالوا وقالك.

"قالك اللقاح الصيني هو الأحسن، وصديقي العالم الفذ في أميركا يقول إنه الأسوأ"، "يقولون إن لقاح أسترازينيكا سيتم توفيره للكبار فقط والصيني للشعب المسكين"، "قيل إن اللقاح فيه سم قاتل"، "قال ابن خالتي إن علينا الانتظار سنة قبل أن نتلقى اللقاح حتى نتأكد أن آثاره الجانبية غير قاتلة". "قالوا إن مصر تطور لقاحاً لن أثق فيه بالطبع"، "قيل إن مصر تطور لقاحاً المؤكد أنه سيكون الأفضل"، "قال الشيخ إن اللقاح ربما فيه مشتقات محرمة على المسلمين لذا لن أتلقاه"، "قالوا إن اللقاح حلال"، وحديث القيل والقال طويل لا ينتهي ولن ينتهي إلا بنهاية الوباء أو استساغة فكرة اللقاح، وذلك بعد إتاحته المستعصية.

100 مليون مصري

إتاحة اللقاح لـ 100 مليون مصري ومصرية أمر بالغ الصعوبة، ومكمنها ليس في الكلفة المادية بقدر ما يتعلق بالإتاحة الأممية، وقبل أسابيع قليلة لفت مدير برنامج الأمم المتحدة المشترك المعني بفيروس نقص المناعة البشرية (الإيدز) مانديب داليوال إلى أنه قد يكون هناك سباق محتدم بين الدول لضمان حصولها على جرعات تكفي شعوبها من اللقاحات، محذراً من أن الدول النامية قد تجد نفسها في آخر السباق.

سباق مصر للحصول على اللقاح بدأ في وقت مبكر من عام 2020 المسمّى بـ "عام الوباء". ففي أوائل مارس (آذار) الماضي ذهبت وزيرة الصحة والسكان المصرية هالة زايد إلى الصين في زيارة مكوكية أثارت التعجب، وسبب الرحلة كما أُعلن رسمياً هو رسالة تضامن من مصر إلى الصين في محنتها الوبائية.

وفي مطار القاهرة الدولي، وقبل إقلاع الطائرة المتجهة إلى الصين، وعلى متنها الوزيرة وشحنة معدات طبية مصرية، قالت زايد إن الزيارة محملة بهدية مستلزمات طبية وقائية، وستتضمن تبادل خبرات بين البلدين حول فيروس كورونا والإجراءات الاحترازية لمواجهته. هنا انتهى التصريح، لكن لم تنته التكهنات التي صبت في خانة وضع مصر في مرتبة متقدمة في قائمة الدول الراغبة في الحصول على لقاح صيني حال توافره، ويشار إلى أن الصين معروفة بسرعة تطوير اللقاحات.

وفي أغسطس (آب) الماضي، بدأت أخبار تتواتر عن لقاح صيني، وخضوع مواطنين صينيين سراً لاختبارات فعالية اللقاح منذ يوليو (تموز) 2020، وظهر إعلان خلال تلك الفترة لسيدة في مختبر صيني تحمل علبة تحوي لقاحاً ومكتوباً عليها "سينوفارم"، ووقتها قالت شركة "سينوفارم" إنها تطوّر اللقاح متوقعة أن يجري طرحه في الأسواق خلال ديسمبر (كانون الأول) 2020، وهو ما حدث بالفعل.

التطوع للتجارب

لكن حدثت أشياء أخرى في الطريق، ففي سبتمبر (أيلول) الماضي، أعلنت وزارة الصحة المصرية فتح الباب أمام المواطنين الراغبين في التطوع للمشاركة في التجارب السريرية على اللقاح الصيني، وأنها ستجرى على لقاحات أتمت المرحلتين الأولى والثانية من التجارب على البشر ضمن 45 ألف متطوع على مستوى العالم.

 

 

وشنت الوزارة حملات توعية ومناشدة للمشاركة عبر وسائل الإعلام المختلفة، لكن في نوفمبر (تشرين ثاني) الماضي، فاجأت "الصحة" الجميع بخبر الإعلان عن وقف التجارب السريرية على اللقاح، وهو ما وفّر أجواء القيل والقال المتوافرة أصلاً.

وأكدت مصادر في الوزارة أن سبب التأجيل يعود إلى أن الشركة الصينية المنتجة للقاح "اكتفت بالمتطوعين المصريين الـ 3 آلاف" بعد ما عجزت الوزارة عن جمع 6 آلاف متطوع، وهو العدد الذي كان منشوداً وقت بدء التجارب. وقالت المصادر أيضاً إن الصين لم تعد في حاجة إلى مزيد من المتطوعين بعد ما نجحت في توفير 45 ألف متطوع بالفعل. وفاقم من أجواء القيل والقال أن البرازيل كانت أعلنت عن وقف التجارب السريرية على اللقاح نفسه لديها، وذلك "بعد وقوع حادث خطير للغاية" لم يُكشف عن تفاصيله.

تفاصيل اللقاح

تفاصيل اللقاح الصيني وغيره من العقاقير تظل موضع بحث ونقاش بين المصريين، لا سيما بعد ما انتقل اللقاح المضاد لكورونا من مرحلة الكلام إلى مرحلة التفعيل، ففي الأسبوع الثاني من ديسمبر (كانون الأول) الماضي امتلأت مصر صخباً بين فرحة عارمة وخوف شديد وسخرية باتت سمة من سمات كل تفصيلة من تفاصيل الحياة، وذلك للإعلان عن وصول الدفعة الأولى من اللقاح الصيني.

وعقدت الوزيرة هالة زايد مؤتمراً صحافياً في مطار القاهرة الدولي، وقالت إن "مصر تشهد يوماً تاريخياً باستقبال الدفعة الأولى من العقار"، مؤكدة أنه سيكون "مجانياً للجميع". ودرءاً للتشكيك المتوقع في الدواء وفعاليته وخطورة آثاره الجانبية، ذكّرت الجميع بأنها كانت "ضمن أول من حصلوا عليه خلال مرحلة التجارب السريرية في مصر".

لكن اللقاحات في مصر لا تخضع فقط للتجارب السريرية أو التقويمات الطبية، لكن تجد نفسها فريسة للتجاذبات ومادة للانتقادات وساحة للفتاوى، ما بُني منها على أرضية علمية صلبة، وما اعتمد على وهم وخيال وقدر من الخرافات.

الخنزير والتخزين

أسئلة كثيرة تنهال على المواقع الدينية المخصصة للفتوى والإجابة عن الأسئلة ذات الطابع الديني حول إذا ما كانت اللقاحات الجديدة حلالاً أم حراماً، ويشار إلى أن عدداً من الجهات المنتجة للعقاقير المختلفة حول العالم تستخدم الجيلاتين المشتق من لحم الخنزير، لضمان بقاء الدواء آمناً خلال فترات التخزين والنقل.

وفي السنوات القليلة الماضية، وفي ضوء تعاظم مخاوف إسلامية من هذا المكون، عملت بعض الشركات على الوصول إلى بدائل أخرى تحل محل مشتقات لحم الخنزير، إذ إن كلمة "خنزير" كفيلة بإثارة الهلع الديني وتحريك الوساوس الثقافية لدى كثيرين.

يقول مصطفى محمد (36 عاماً)، إنه "يفضل الموت بالفيروس على أن يحقن جسمه بالخنزير". وعلى الرغم من مسارعة دار الإفتاء المصرية في ديسمبر (كانون الأول) الماضي إلى إصدار فتوى تحسباً للمتوقع شعبياً، فإن القيل والقال في شأن الخنزير كثير.

وقالت دار الإفتاء، في فتواها، إنه لا مانع شرعاً من تلقي لقاح كورونا المستخدم فيه مشتقات الخنزير، "ما دامت هذه المادة تحولت طبيعتها ومكوناتها الخنزيرية إلى مادة أخرى، واستحالت إليها بحيث أصبحت مادة أخرى جديدة، حينها لا تُسمى خنزيراً".

ولغير المقتنعين بمسألة المادة التي توقفت عن كونها خنزيراً، وتصر على أن تكون خنزيراً، مضت فتوى دار الإفتاء في القول بأنه "لو كانت هذه المادة لا تزال من الناحية الطبية يطلق عليها أنها من مكونات الخنزير، لكن لم يوجد ما يحل محلها من الطاهرات في سرعة العلاج أو كفاءته، فيجوز تصنيعها واستخدامها كذلك".

حقوقية اللقاح

استخدام مكونات الخنزير من عدمه ليس مدرجاً على قوائم التداول الحقوقي، فالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية، وهي منظمة حقوقية مقرها القاهرة، تطالب بين وقت وآخر باتباع القواعد المعمول بها في التجارب السريرية والحصول على اللقاح وعدالة التوزيع ومجانيته، وذلك من منظور حقوقي.

 

 

وأشارت المبادرة قبل أيام إلى مشكلة افتقاد عدالة توزيع اللقاح عالمياً مع توقع وجود صعوبات وتحديات أمام الحكومة المصرية في طريق إبرام الاتفاقات للحصول على اللقاحات المناسبة والكافية، ولفتت كذلك إلى أن حال مصر في هذا السياق كحال غيرها من الدول المتوسطة والمنخفضة الدخل.

وفندت المبادرة عدداً من المسائل التي كان ينبغي على الحكومة المصرية أخذها في الاعتبار أو التخطيط الأفضل لها، ومنها مثلاً الإفصاح عن خطة واضحة محددة بتوقيت زمني لإتاحة اللقاحات للمواطنين.

الفوضى للجميع

الفوضى في التطعيم والتشكيك في اللقاحات هذه المرة ليست حكراً على دولة من دون أخرى. يقول أستاذ جراحة الجهاز الهضمي والمناظير خالد مصطفى والمتابع لمشهد اللقاحات في عدد من الدول، إن "جانباً كبيراً من المواقف الإعلامية والشعبية من اللقاحات غارقة في السياسة"، موضحاً أن "دولاً غربية اعتبرت اللقاح الصيني من اللحظة الأولى مشكوكاً فيه ومغامرة غير محسوبة، وكأن العقاقير المنتجة في الغرب مؤمنة تماماً. الدول التي تناصب روسيا العداء اعتبرت اللقاح الروسي أيضاً غير مأمون من دون أسانيد علمية واضحة، والدول الحليفة لروسيا ترى لقاحها الأفضل والمناهضة لها تعتبره الأسوأ، وهلم جرا".

ويضيف، "الحقيقة، وعلى الرغم من الفروق الموجودة بين اللقاحات، فإن جميعها صدر في عجلة شديدة بسبب الوضع الوبائي الطارئ، يستوي في ذلك الروسي مع الصيني مع الغربي بأنواعه، واللقاحات عادة تستغرق عشر سنوات قبل أن نعتبرها مضمونة تماماً، وهذه اللقاحات جرى ابتكارها أو تطويرها وتجربتها وإنتاجها خلال أقل من عام".

تحزبات اللقاح

التحزبات السياسية والانتماءات الأيديولوجية التي تطفو على سطح اللقاح دولياً تظهر مثيلاتها شعبياً، فعلى سبيل المثال لا الحصر، أخذ البعض يغرد أو يعيد تدوير تغريدات غاضبة عن اعتماد مصر الأوليّ على اللقاح الصيني، تارة بحجة أن "المصريين يستحقون لقاحاً أغلى أو أضمن"، وأخرى تحت راية أن "الحكومة تضع مصالحها السياسية على مصالح الشعب الصحية"، لكن ما إن أعلنت تركيا بدء وصول اللقاح الصيني حتى سكن التغريد وخمد الترهيب.

مفارقة متناقضة طريفة أخرى حدثت، حين أخذ البعض ينعى حظ المصريين العاثر في عدم تعاقد حكومتهم للحصول على لقاح "فايزر"، باعتباره الأقوى والأفضل والأنجع. وقفز البعض إلى اتخاذ إسرائيل مثالاً أعلى لأن "المواطن هناك له ثمن"، وأن "الدولة لا تستخسر في مواطنيها اللقاح".. إلخ.

لكن ما إن تواترت الأنباء عن إصابة حاخام إسرائيلي بكورونا بعد تلقيه لقاح "فايزر" حتى عاد الجميع أدراجه إلى الدق على أوتار أخرى تماماً، وكأن عقار "فايزر" لم يكن.

اتفاقات فردية

وفي تطور جديد، أعلنت وزيرة الصحة والسكان هالة زايد أنه جار عقد اتفاقات مع عدد من الشركات المنتجة للقاح "بشكل فردي" للحصول عليه مباشرة. وقالت إن لقاحي "سينوفارم" و"أسترازينكيا" حصلا بالفعل على موافقة الاستخدام الطارئ في مصر، وأنه يجري تسجيل لقاحات أخرى في هيئة الدواء المصرية، أبرزها "سبوتنيك" و"جونسون آند جونسون".

يشار إلى أن مصر استهلت التطعيم في الـ 31 من يناير (كانون الثاني) الماضي في مستشفى "أبو خليفة" للعزل في محافظة الإسماعيلية شمال شرقي القاهرة، لكن المطمئن هو أن فوضى اللقاحات والجداول والإتاحة والعدالة لم تعد سمة من سمات دولة من دون أخرى، بل هي سمة الساعة في مشارق الأرض ومغاربها، حيث فوضى اللقاح تكاد تتفوق على فوضى الوباء.