Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

أحياء طرابلس الشعبية لا تزال تفاخر بأنها "حاضنة الثورة"

المعاناة اليومية لشباب المدينة لم تمنعهم من الصمود

ليلة ثالثة من الاحتجاجات الشعبية تشهدها مدينة طرابلس شمال لبنان، التي عُرفت إبان انتفاضة 17 أكتوبر (تشرين الأول) بـ "عروس الثورة". على هامش هذه التحركات، يمكن تسجيل جملة ملاحظات، فهي ما زالت محدودة من ناحية المكان والزمان، والأعداد لم تتجاوز المئات، كما أنها على خلاف "الانتفاضة الأم" لم تبلغ مرحلة الشمول للطبقات الاجتماعية كافة.

في المقابل، وبعيداً من التشكيك الذي يُطلقه هذا المتوجس أو ذاك، لا يُمكن إلا الإقرار بأن "بذورة الثورة" حاضرة، وتنتظر مرحلة النضوج والقطاف. كما أن طرابلس التي عانت وتعاني التهميش، لم تستكن منكسرة وإنما مُكرهة بحكم الأمر الواقع، والبؤس واليأس وأزمة كورونا، وقبل كل شيء غياب السند والمساندة في العمق اللبناني المركزي.

طرابلس الحاضنة

ما زالت طرابلس تلعب دور الحاضنة لـ "الانتفاضة اللبنانية"، فهي حققت كثيراً من المكاسب خلال السنة الأخيرة لناحية كسر العزلة عنها، والعودة إلى لغة الوصل واللقاء مع المحيط، كما أنها تخلصت جزئياً من أعباء الصور النمطية التي وصمتها بـ "قندهار"، و"خط تماس الفتنة الأهلية"، وصولاً إلى "صندوق بريد لخلافات المحاور الإقليمية".

في المقابل، لم تتمكن من تحقيق نهضة اقتصادية وسياسية، وظلّت الخاصرة الهشة للشمال اللبناني، والجار الأقرب لبلاد الشام. وأسهمت جملة من العوامل الموضوعية المتصلة بالنسيج الاجتماعي وعوامل الجغرافيا والتاريخ، في جعلها بيئة خصبة للاضطرابات، والتعاطف مع القضايا الكبرى من مرحلة ما قبل الاستقلال إلى وحدة الحال مع عبدالناصر، والتعاطف مع أبو عمار ياسر عرفات، وصولاً إلى المهادنة مع الوجود السوري، وما تلاها من انفجار عظيم عقب اغتيال الرئيس رفيق الحريري. 

ولم يكُن الموقف من ثورة 17 (أكتوبر) تشرين الأول خروجاً عن خطها الزمني، فهي دائماً واضحة في هويتها، جذرية في خياراتها.

الأحياء الشعبية ثائرة

في قلب الأحياء الطرابلسية، يستمر أبناء الطبقات المتواضعة في نسج أحلام وردية لمرحلة ما بعد "التخلص من الطبقة السياسية الفاسدة"، ويتفق هؤلاء على مطلب التغيير الشامل، انطلاقاً من المآسي التي يعانونها بسبب السياسات الخاطئة.

لا يكف الشبان في جلد الذات ولوم الآباء، فقد سمح هؤلاء لمجموعة قليلة باستلاب إرادتهم لقاء خدمة من هنا ومساعدة من هناك. يعبّر ديب المصري الشاب العشريني الذي يمتلك محلاً لبيع الخضراوات عند أحد مداخل الجامع المنصوري الكبير، عن حال أبناء الأحياء الشعبية، فهم ما زالوا متمسكين بـ "الثورة على الطبقة السياسية"، محملاً 128 نائباً مسؤولية ما وصل إليه لبنان وطرابلس.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

يُشارك ديب في النشاطات والتحركات كافة، ولكنه في المقابل يرفض نسبته إلى أية مجموعة أو تنظيم، فهو ينزل إلى الشارع من أجل المطالبة بحقوقه وحقوق الفقراء، ويشير إلى استعداد الشباب للتضحية بكل ما لديهم، ويعتبر شقيقه "جمال المصري" نموذجاً على ذلك، "فهو أُصيب برصاصة في الصدر أدت إلى تضرر الرئة وغشاء القلب، ولولا اللطف الإلهي لكان في عداد الأموات".

حرمت هذه الإصابة الناجي جمال المصري من الاستمرار في العمل، كما أبعدته مؤقتاً عن الساحة. ويلفت إلى صورة التماسك الاجتماعي في الأحياء الشعبية، ففي وقت تتخلف المؤسسات الرسمية عن تأمين الخدمات الصحية والطبية، يقوم الشبان في الحي بـ "لميّة"، أي جمع أموال التبرعات لتأمين العلاج والدواء.

يتحدث المصري عن صعوبات شديدة يُعانيها أبناء الأحياء الشعبية، فالدولة صمت آذانها عن مطالبهم، وتجاهلت عيونها مروجي المخدرات الذين "ينشرون الحبوب والحشيش بين الشباب الصغار، العاجزين عن الزواج وتأسيس العائلة، ولا يمتلكون فرص عمل".

وجهاً لوجه مع المصير

لا يمتلك أبناء الأحياء الشعبية شيئاً لخسارته، لذلك يُعبرون عن مواقفهم بوضوح ومن دون مجاملة أو مسايرة. وتقود الطيبة لدى هؤلاء لمشاركة قصصهم بعفوية مطلقة. ينطلق جمال أبو إيمان أحد مؤيدي الانتفاضة اللبنانية في الأحياء الشعبية من تجربة شخصية للإعراب عن أسباب تمسكه بالاحتجاجات والتحركات في الشارع، فقد عانى مشكلات في القلب والشرايين، وتطلب علاجاً مكثفاً مرتفع الكلفة، عجز عن تأمينه بسبب الدخل المتواضع الذي حققه، كما أن غياب الرعاية الصحية المجانية حرمته كمواطن لبناني من حقه في الصحة.

يساور القلق من المستقبل سكان الأحياء الشعبية، لأنهم لا يمتلكون الدخل الثابت أو فرص العمل المستقرة. ويستشهد جمال بوضعيته عندما أقعده المرض، إذ اضطرت ابنته إيمان في العاشرة من عمرها إلى النزول للسوق وبيع إكسسوارات الأطفال. ويعبّر جمال عن ثقته بنجاح الانتفاضة في تحقيق أهدافها، لأنها الأمل الأخير للفقراء.

لا تتوقف مخاوف الأحياء الشعبية عند حدود الأبنية المهترئة والسقوف المتصدعة، وإنما باتت تنحصر في حدود الحقوق والحاجات الدنيا، ولذلك يهرع بعض الآباء من صيدلية إلى أخرى سعياً وراء دواء مقطوع أو علبة حليب أطفال، كما أن كثيراً منهم بدأ يُردد "أننا أمام خيار الموت فقراً أو بسبب كورونا"، ويُتوقع أن تزداد المصاعب في ظل تسجيل سعر صرف الدولار أسعار قياسية عند مستوى 8500 ليرة لبنانية للدولار الواحد.

التحركات على الأرض مستمرة

ما إن استقبل الطرابلسيون العام الجديد، حتى بدأت التحركات على الأرض. يوضح الناشط سيف الدين الحسامي أن "ثوار 17 تشرين" أوقفوا الاعتصامات 20 يوماً. ويلفت عبر "اندبندنت عربية" إلى أن تعليق التحركات الشعبية كان من أجل المساهمة في تأمين أجواء ملائمة للأسواق التجارية، واستقبال العام الجديد، وعدم اتهامهم بعرقلة التجارة. ويطالب الحسامي بعدم العودة إلى سياسات الإغلاق العام قبل تأمين بدائل للتجار، ومساعدات العمال وأبناء المناطق المعدمة.

التخوف من الصدامات

في نهاية الأسبوع، وقع إشكال بين عناصر عسكرية ومنتفضين، وصولاً إلى توقيف أحد الناشطين في طرابلس موسى حسامي. وما لبثت القوى الأمنية أن أطلقته. ويتهم الناشط سيف الدين الحسامي "عناصر غير منضبطة بافتعال الإشكالات"، ويطالب العناصر العسكرية باحتواء المنتفضين، واصفاً "الجيش بالضمانة للثورة والبلاد". يروي الحسامي ما وقع بين ابنه موسى والقوى الأمنية، فابنه "كان يريد إدخال أحد رفاقه إلى ساحة الاعتصام، وأصرت القوى العسكرية على منعه، وقامت بضربه بقوة مفرطة"، ويشير إلى أن "التعدي بالكلام لا يجب مجابهته بالضرب والعنف".  

يشير الحسامي إلى أن هدف المنتفضين هو إسماع صوتهم لـ "السلطة الفاسدة، وليس هناك توجه للصدام مع السلطة الشرعية"، كما يتحدث عن "استغلال السلطة لجائحة كورونا لإخماد التحركات وتمرير بعض السياسات".

على الرغم من المعاناة التي تشهدها المناطق الشعبية، تغيب الدولة بصورة شبه كاملة، فيما اكتفت الحكومة بتقديم مساعدة مالية قيمتها 400 ألف ليرة لبنانية، واستمرت وحدات الجيش اللبناني بتوزيع المساعدة على مستحقيها بصورة منتظمة. 

المزيد من تقارير