Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

تظاهرة للفن التشكيلي السوري بمن غاب وحضر

أعمال كثيرة تجاهلت الحرب ومآسيها وأخرى اكتفت بالطبيعة والتراث وأسماء مهمة غابت عن الإحتفالية الوطنية

مشهد من الإحتفال بالفن التشكيلي السوري في الهواء الطلق ليلاً  (الخدمة الإعلامية في المهرجان)

مجموعة من عشرات الأعمال التشكيلية السورية أفرجت عنها مؤخراً مديرية الفنون الجميلة، مخرجةً إياها من ظلمة مستودعاتها الرطبة، نحو صالات العرض. وعلى مدى ثمانية أيام توفرت فرصة استثنائية ليشاهد جمهور الفن التشكيلي لوحات لكل من طارق الشريف، وعلي الصابوني، وجورج جنورة، وآخرين. التظاهرة التي حملت عنوان "أيام الفن التشكيلي السوري" انطلقت للموسم الثالث على التوالي من دار الأوبرا السورية، وجاءت هذا العام احتفاء بالمئوية الأولى لولادة نصير شورى، رائد الفن التشكيلي السوري، إذ تابع الجمهور أعماله عبر عرض سمعي - بصري بعنوان "حكاية لوحة"، ورافقته أوركسترا الموسيقى العربية بقيادة وتأليف المايسترو عدنان فتح الله.

الاحتفالية التشكيلية قدمت أيضاً معرضاً لتكريم كل من الفنانة المصرية – السورية، شلبية إبراهيم، والفنان الحروفي محمد غنوم، والمصور إدوار شهدا، وغصت صالة المعارض الكبرى في دار الأوبرا بأعمال هؤلاء، في حين كانت الحصة الأكبر من هذه التظاهرة في "معرض الخريف السنوي" في خان أسعد باشا، المكان الذي كان سجناً عثمانياً، ومن ثم فرنسياً في عشرينيات القرن الماضي، تحول اليوم ملاذاً لفناني البينالي السنوي، والذي بلغ عدد مشاركاته لهذا العام أكثر من مئتي عمل، توزعت بين التصوير والحفر والنحت والخزف. الأعمال التي تزاحمت بضيق واضح على جدران "الخان" الأثري الواقع في قلب دمشق القديمة؛ عانت من سوء واضح في تقنيات العرض، بحيث تعرضت تلك الأعمال للتشويش البصري جراء تعليقها على جدران مصنوعة من الحجر الأبلق، وهي جدران غير مناسبة لهذا النوع من الأنشطة الفنية، وذلك لعدم وجود إضاءة مناسبة قادرة على تظهير اللوحات والمنحوتات المعروضة جنباً إلى جنب مع الحجارة السوداء والبيضاء. في حين احتجب المركز الوطني للفنون البصرية عن المشاركة في تظاهرة أيام الفن التشكيلي السوري، فالفضاء الأكبر في البلاد، والذي يضم أكبر صالات العرض في الشرق الأوسط، بمساحة تقدر بـ1200 متر مربع، وقاعات لورش تدريب (900 متر مربع)، ومسرح يتسع لألف زائر، واكتُفي بنشر صور للوحات عالمية على صفحته الرسمية في "الفيسبوك".

مدارس تشكيلية معتددة

بدت الأعمال المشاركة في هذا البينالي المحلي متفاوتة بحدة، ومترنحة بين مدارس تشكيلية متعددة. وعلى الرغم من مشاركة بعض نجوم الفن التشكيلي السوري من أمثال مصطفى علي، وسعد يكن، وعبد الله مراد، ونعيم شلش، ومحمد غنوم، وخليل عكاري وآخرين، فإن طغيان الصيغة التزيينية، والمباشرة الفنية لبعض المشاركين هبطت بسوية المهرجان التشكيلي، الذي كان انطلق منذ خمسينيات القرن العشرين دون انقطاع بالتعاون مع اتحاد الفنانين التشكيليين.

غياب موضوعة الحرب عن أعمال التصوير الزيتي والغرافيك والنحت، كان أيضاً لافتاً في معظم ما قدم هذه الدورة، إذ اقتصر الفنانون المشاركون على تقديم مشهديات عمرانية من المدن والبلدات السورية، إضافة لأعمال البورتريه، والمناظر الطبيعية الريفية. مفارقة شطب الحرب من المحترف السوري تبقى لغزاً محيراً، وتطرح أسئلة كثيرة عن موقف التشكيلي السوري اليوم مما يجري في بلاده منذ نيف وتسع سنوات، في حين تميزت أعمال النحت باعتماد فنانيها على خامات الخشب والمعدن واللحام، وتقنيات السكب والصب، مقدمين تكوينات تجريدية بالعموم. في حين حضرت بعض الأعمال التجسيدية متكئةً على خامتي البازلت والبرونز من مثل أعمال فؤاد أبو عساف، ونجود الشومري، وفؤاد طوبال.

ولفت الانتباه في معرض الخريف سيادة طرق العرض التقليدية، وأهمها لوحة الحامل، وغياب الفنون المعاصرة من تجهيزات الفضاء والفن التركيبي (الإنستليشن) وفنون الفيديو آرت، وفنون ما بعد الرسم والإنشاء الصناعي، والتي غالباً ما تحتاج إلى خامات متنوعة، وفضاءات متداخلة مكانياً مع الواقع. حافظت المعارض الدورية السورية على عروض اعتيادية للغاية، مما فوت الفرصة على جيل الفنانين الشباب لتطوير أعمالهم نحو ما يسمى اليوم بالفن المفاهيمي، والذي يعتمد على مؤثرات صوتية وبصرية ذات طابع حداثي ومعاصر، ويكون غالباً خارج الصيغ المعهودة لثنائية الربيع والخريف السوريين.

تزخر مستودعات مديرية الفنون الجميلة بما يقدر بأربعة عشر ألف عمل من روائع الذاكرة الفنية للبلاد، كان من الممكن أن تجد لها أمكنة عرض محترمة في مشروع متحف الفن الحديث، والذي كان مقرراً إنشاؤه منذ ثمانينيات القرن الماضي. لكنّ الأرض المخصصة لهذا المتحف في منطقة العدوي بدمشق تحولت اليوم إلى حديقة حيوانات، ليظل مصير هذه الأعمال في عتمة المستودعات الرطبة، ودون استكمال المشروع الرقمي لتوثيق أوعرض تلك الأعمال على موقع المديرية حتى الآن، وهي اكتفت بعرض من مقتنيات وزارة الثقافة بين عامي 1972 و1989 في متحف الفن في دمر (شمال غرب دمشق)، إذ ضمت أعمالاً لكل من أيمن الدقر وعيسى بعجانو وعلي مقوص وزهير حضرموت وآخرين.

تصوير وخزف وخط عربي

صالة "الشعب" اختصت بتقديم معرضها الأضخم لأعمال التصوير الضوئي والخط العربي والخزف، واقتصرت موضوعاتها أيضاً على استحضار التراث واستلهام الطبيعة، وتقديم تكوينات من الخطوط العربية الديوانية والكوفية والنيسابورية، وتلك المنفذة على خلفيات لونية، إضافة لأعمال خزفية اعتمدت تقنية الأكسدة والإرجاع وطحن الزجاج والشيّ في الفرن، لإيصال خامة الخزف إلى أكبر ليونة ممكنة، وظفها الفنانون لصالح أعمالهم. وأبرزها كان عمل الفنان بشار طوبا الذي قدم مجسماً من الخزف لغزال بري مقيد، في دلالة لمجاعات الحرية التي اجتاحت المنطقة مع اندلاع ثورات الربيع العربي.       

من جهة أخرى، احتلت النسخ الاستعادية من أعمال الرواد، ومن بعدهم، وجيل السبعينيات المساحة الأكبر في صالات العرض الرسمية والخاصة، وعلى رأسها صالة "عشتار" لمديرها وصاحبها الفنان عصام درويش. وقد أسهمت هي الأخرى في أيام الفن التشكيلي السوري، عبر تقديمها عرضاً استعادياً للوحات كل من فاتح المدرس، ولؤي كيالي، وأحمد معلا، وخزيمة علواني، ورضا حسحس، ومحمد الوهيبي، وإلياس الزيات. عصام درويش سارع إلى القول: "قبل مجيء جائحة (كوفيد-19) كنا قد شهدنا انتعاشاً مقبولاً في حركة البيع والاقتناء، لا سيما بما قدمته من معارض في صالة المدرس، لكن اليوم الوضع عاد سيئاً، لا سيما في ظل الضائقة والحصار الاقتصادي الذي تشهده البلاد. ومع أننا لم نتوقف عن العمل، فإن المناخ يبدو حالكاً مع كل هذا الكساد في تسويق العمل السوري، وعدم قدرتنا على إشراك فنانين ومقتني لوحات عرب وأجانب في تظاهراتنا السنوية".

صالة "ألف نون" فتحت هي الأخرى أبوابها مجدداً لتقديم أكثر من ثلاثين عملاً من مقتنياتها الخاصة، فشاهد الجمهور أعمالاً نادرة لكل من طلال معلا، وفؤاد دحدوح، وحمود شنتوت، وبديع جحجاح، ووحيد مغاربة، وسوسن جلال، وجبران هداية، وجمعة النزهان، وموفق مخول. مدير وصاحب "ألف نون" الفنان بديع جحجاح عقّب هو الآخر على حال التشكيل السوري: "اليوم وكل يوم يولد أمل جديد يتركه الفن كفسحة بين قذيفتين، فاللوحة أو المنحوتة لا تملك سوى ألوانها وخطوطها لمواجهة الموت والحرمان اليومي، لكننا مستمرون على الرغم من كل هذا اليباب كرسالة سلام ومحبة".

الأمر ذاته انطبق على "صالة السيد"، التي قدمت هي الأخرى أعمالاً من مقتنياتها لكل من سبهان آدم، وأكسم سلوم، ونهى جبارة، وآخرين. السيدة إلهام باكير صاحبة ومديرة الصالة علقت على هذا الحدث بالقول: "نعود على الرغم من الظروف السيئة لنضيء كشافات النور على لوحاتنا، ونمسح الغبار عنها لنعلقها على جدران شهدت عصراً ذهبياً آفلاً، لكن الناس هنا اليوم لا يكترثون لذلك (الناس اليوم بدا تاكل، ما بدا فن)!". وتضيف: "قبل الحرب وكورونا كانت حركة البيع والاقتناء نشطة للغاية، أما اليوم فقد انفض الجميع عن مائدتنا".

ذاكرة نعيم إسماعيل

بدورها "صالة جورج كامل" أسهمت في أيام الفن التشكيلي السوري، مستعيدةً ثلاثين لوحة من مقتنياتها للفنان نعيم إسماعيل (1930-1979)، وهي تشكل مادةً جوهرية من الذاكرة التشكيلية للبلاد، وجاءت في معظمها بأحجام مختلفة (زيت وأكرليك على قماش)، إضافة لأعمال ورقية صاغها الفنان الراحل بالألوان المائية، وذلك وفق تكوينات زخرفية، ومشهديات شعبية، كان أبرزها لوحاته: "بائع البطيخ"، و"الحمال" و"الشاحنة" و"الشقيقتان". بينما فضلت صالة "تجليات" إطلاق معرض إفرادي بعنوان "بقاء" للنحات سامر روماني، الذي قدم فيه ثلاثاً وعشرين منحوتة اعتمد فيها خامتي الخشب والبرونز، وصور ثوراً يلاعب كرةً في وضعيات وتكوينات رمزية مختلفة، قاربت ما يشبه جاموساً بشرياً يدفع كرة أشبه بصخرة سيزيف، بطل الأسطورة اليونانية الشهيرة، والتي حكمت عليه الآلهة بدحرجة صخرة إلى قمة الجبل، ومن ثم رميها إلى أسفل، وإعادتها مجدداً إلى القمة. في عقاب أبدي حاكى واقع السوريين اليوم، ونزوعهم إلى البقاء في زمن الموت والهجرة والحصار.

على مستوى آخر قدم الفنان فداء منصور أربعة عشر عملاً بعنوان "ذاكرة" في صالة أدونيا الدمشقية، ملخصاً عبر أعماله (زيت وأكرليك على كانفس) عادات وأعرافاً ومشهديات من تراث الساحل السوري، متخذاً من الخطوط الدائرية شخصية لهذه اللوحات، والتي اشتهر بها الفنان منصور كبصمة له في المشهد التشكيلي المعاصر، عاكفاً على نقل انحناءات جسد المرأة في رسومه، وذلك عبر لونية مرحة مزج الفنان فيها بين الحرارة والبرودة، واليبوسة والرطوبة في تقديم شخوصه الريفية. 

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وعلى الرغم من انكفاء العديد من صالات العرض السورية الكبرى، وإقفال أبوابها في وجه زوارها منذ ربيع 2011، وكان من أشهرها غاليري "أيام"، وصالتا "الأتاسي"، و"آرت هاوس"، إلا أن أيام الفن التشكيلي السوري شهدت بزوغ افتتاح صالات جديدة منها غاليري "مشوار"، و"الحكمية للفنون" باللاذقية"، و"غاليري أسامة جحجاح" الفنان الذي افتتح بها معرضه الإفرادي متزامناً مع أيام التشكيل السوري، وبما يقارب أربعين لوحة (أحجام مختلفة)، مشتغلاً فيها على خبراته في فن الكمبيوغرافيك، مازجاً بين تقنية الديجيتال والرسم بالزيت والأكريليك؛ لتقديم أسلوب تشكيلي موحد، معتمداً في ذلك طباعة لوحاته على الكانفس والقماش؛ ومتوخياً الناحية التعبيرية في موضوع التشخيص. يعمل جحجاح بمهارة فوق سطح اللوحة، بغية إنتاج علامة بصرية فارقة عن هواجس ومخاوف المرأة السورية في الحرب، فأتت أعماله وفق نمط (الديجيتال - آرت) كفن معاصر أقرب إلى "الكولاج"، لكن بأبعاد تركيبية للمادة الفوتوغرافية وخلفياتها الزركشية اللافتة.

أيام الفن التشكيلي السوري ساندتها أيضاً معارض وورش أعمال مفتوحة لطلاب ومتخرجين في كلية الفنون الجميلة بدمشق، وضمت قرابة ستمئة عمل في التصوير والغرافيك والنحت، إضافة لأعمال تطبيقية، ومجسمات حول التصميم المسطح والمتحرك، والنحت الورقي، وملصقات للفنان الراحل عبد القادر أرناؤوط. وبدت الأكاديمية الفنية الأعرق في حياة البلاد كأنها تحاول استرداد عافيتها وموقعها في رفد حركة التشكيل السوري، التي أسهمت منذ تأسيسها عام 1960 في تخريج عشرات الفنانين والفنانات الذين أغنوا الحراك الفني للبلاد، على الرغم من شح الإمكانات، وندرة المدرسين، واقتطاع أجزاء كاملة من الصرح الفني العريق لصالح مركز الفنون البصرية.

المدن السورية كان لها نصيب خجول من أيام التشكيل السوري، عبر عدة ملتقيات ومعارض كان أبرزها ملتقى ومعرض مجيب داوود الثاني للفن التشكيلي، الذي أقيم في صالة المركز الثقافي بطرطوس، وبمشاركة واسعة من فناني المدينة البحرية، بينما حفلت صالة قصر الثقافة في السويداء بمعرض لأبرز أعمال خريجي مركز الفنون التشكيلية في المدينة. واقتصرت هي الأخرى على محاكاة مشهديات من التراث والطبيعة  لجبل العرب، بينما استضافت صالة "الخانجي" بحلب، معرضاً إفرادياً للفنان محسن الخانجي، وضمت ثلاثين عملاً نحاسياً يدوياً، إضافة إلى لوحات في التصوير تنتمي إلى المدرستين التعبيرية والرمزية، وقد دمجت بين المهارات التطبيقية واللونية. 

المزيد من ثقافة