Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الحكومة السودانية أمام تحديات الإصلاح الاقتصادي في موازنة 2021

استقرار سعر الصرف وجذب العملات الأجنبية وتخفيض العجز العام والاختلال في الميزان التجاري من أبرز الصعوبات

تعمل الحكومة السودانية على إعداد موازنة عام 2021 في ظلّ تحديات اقتصادية كثيرة (أ ف ب)

بدأت وزارة المالية السودانية في إعداد مقترحات موازنة العام المالي 2021، وأسسها وتوجيهاتها العامة، استناداً إلى مؤشرات الأداء الفعلي التقديري للعام الحالي، في حين تأتي هذه الموازنة في ظل تحديات بالغة التعقيد، وطموح لتجاوز هذه المرحلة بعد تحقيق السلام في البلاد، بغية الاتجاه نحو بناء التنمية المستدامة.

وبحسب اقتصاديين سودانيين، يجب أن تتركّز أولويات الموازنة المقبلة على معالجة التضخم وخفض العجز واستقرار سعر الصرف، فضلاً عن رفع مستوى توازن الميزان التجاري، وأن تؤول لوزارة المالية ولاية المال العام، إضافة إلى إعادة النظر في ميزان المدفوعات، وتخصيص النسبة الأكبر من موارد الميزانية للصرف على الصحة والتعليم والزراعة والصناعة، واستقطاب المستثمرين وتحويلات المغتربين السودانيين في بلدان المهجر.

ورأى وزير الدولة السابق في وزارة المالية السودانية، الدكتور عز الدين إبراهيم، أنه "بشكل عام، يُفترض أن تهدف الموازنة العامة للدولة إلى تحقيق الاستقرار الاقتصادي من خلال أمرين، الأول العمل على خفض معدل التضخم الذي بلغ مستويات مرتفعة لم يشهدها السودان سابقاً مما أحدث ضغطاً كبيراً على معيشة الناس، والثاني السعي لاستقرار سعر الصرف، لأن عدم استقراره أضرّ بالتجارة الخارجية والاستثمار، ما خلق مشكلات كبيرة للاقتصاد السوداني، الذي إذا ما استقر سيؤدي بلا شك إلى تسريع عملية النمو الاقتصادي، الذي كان سالباً بحسب توقعات العام الحالي".

وأشار ابراهيم إلى أن عدم استقرار اقتصاد السودان لا علاقة له بمسألة الفقر والغنى، بل ناتج من الاختلال الذي صاحب موازنة عام 2020 التي يقدّر عجزها بنحو 200 مليار جنيه سوداني، أي نحو 900 مليون دولار، علماً أن مهام الموازنة تشمل تخفيض العجز الذي يدفع الدولة إلى الاستدانة من البنك المركزي عبر خلق أموال هائلة من النقود.

وأوضح أن من عيوب الموازنة أنها لم تضع برنامجاً لولاية وزارة المالية على المال العام من دون استثناء، إذ هناك نسبة كبيرة من الأموال تُجنى من قبل شركات ومؤسسات ووزارات حكومية لحسابها الخاص، عوض وضعها في وعاء واحد يُصرف منه بحسب الأوليات.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

زيادة الصادرات

وبحسب الوزير السابق، لا بد أيضاً من أن تستهدف الموازنة تحسين التوازن في الميزان التجاري بزيادة الصادرات لتتناسب مع الواردات. وفي هذا الصدد، من المهم العمل على تنظيم صادرات الذهب باعتبارها من أهم موارد السودان حالياً، خصوصاً قطاع الذهب التقليدي الذي يعمل فيه حوالى مليوني شخص، وهو معرّض بمعظمه لعمليات التهريب. كذلك يجب التركيز على الزراعة ومعالجة مشكلات هذا القطاع، بما فيها عدم توافر الطاقة ووسائل النقل، لأن أداءه يؤثّر في الموازنة بشكل مباشر.

واعتبر إبراهيم أن الحلول لمعالجة أزمة الاقتصاد السوداني الذي يواجه كماً هائلاً من المشكلات، "سهلة جداً نظرياً، لكن عملياً على أرض الواقع صعبة جداً"، مشيراً إلى أن السودان سبق أن تعرّض للأزمة الاقتصادية نفسها منتصف تسعينيات القرن العشرين وتمكّن من تجاوزها على الرغم من بلوغ معدل التضخم آنذاك 162 في المئة، فيما تجاوز حالياً 229 في المئة ويواصل الارتفاع. وفي هذه الحالة، "توازن الاقتصاد وخفض العجز في الموازنة وتحقيق فائض فيها، فضلاً عن تقليل الدعم الذي يستحوذ على 30 في المئة منها"، أهم ما يمكن العمل عليه، بحسب إبراهيم.

عودة احتكار الدولة

في المقابل، رأى أستاذ الاقتصاد في عدد من الجامعات السودانية، الدكتور عبد العظيم المنهل، أن من أهم السياسات العامة التي يجب أن تراعيها موازنة 2021، "معالجة مشكلة شحّ العملات الأجنبية خصوصاً الدولار، وذلك من خلال إرجاع الاحتكار لمؤسسات الصمغ العربي، والأقطان، والثروة الحيوانية، والحبوب الزيتية، والتعدين، لتصبح هذه المؤسسات تابعة للدولة وتصدّر منتجاتها إلى الخارج، ما يضمن دخول إيراداتها خزينة الدولة عبر النظام المصرفي، بالتالي الاستفادة منها في تمويل حاجات البلاد من الوقود والدقيق والدواء، عوض دخول إيرادات هذه المؤسسات خزينة الدولة بالعملة المحلية كما يحصل الآن".

أضاف المنهل، "كذلك من المهم العمل على استقرار سعر الصرف، وتقليل الفارق بين السعر الرسمي للدولار بالبنوك السودانية البالغ 55 جنيهاً سودانياً، وسعر الدولار في السوق الموازية البالغ 250 جنيهاً، وهذا يتطلّب الاعتماد على الذات في زيادة الإنتاج باستغلال مواردنا، لا سيما أن بلادنا تزخر بكمّ هائل من الموارد الطبيعية في مجالات عدة، فضلاً عن العمل على قلب الموازنة ليصبح الصرف على الأمن والدفاع والقطاع السيادي 20 في المئة بدلاً من 80، وصرف الحصة الأكبر على التعليم والصحة والزراعة والصناعة حتى يشعر المواطن بأن الدولة تعمل لخدمته".

الفجوة الاستهلاكية

وشدّد الأستاذ الجامعي على أهمية النظر في ميزان المدفوعات، من خلال مراجعة سياسة الاستيراد، واعتماد الشفافية في توضيح المبلغ الذي وفّرته الحكومة من رفع الدعم وفي ماذا سيتمّ توجيهه، والعمل على تغطية الفجوة الاستهلاكية في مجال الدواء والمنتجات الصناعية والزراعية، بإنشاء مصانع محلية في المجالات كافةً، فضلاً عن تشجيع الإنتاج المحلي وتوظيف ما لا يقل عن مليون شاب وشابة وتوجيههم نحو قطاعات الزراعة والصناعة والتعدين.

كما يجب أن تركّز الموازنة المقبلة على جذب تحويلات المغتربين السودانيين في بلدان المهجر، من خلال آليات استقطاب حقيقية وواقعية تُعيد لهم الثقة بعدما مورست بحقهم أساليب تحايل وغش خلال عهود الحكومات السابقة. وفي هذا السياق، يمكن أن تنفّذ الدولة مشاريع زراعية وإسكانية وصناعية للمغتربين بتسهيلات مجزية، وأن تسعى لحل مشكلاتهم في المجالات كافةً، فضلاً عن تفعيل الأنظمة الإلكترونية المختلفة والحوسبة لأهميتها في مكافحة الفساد.

وأشار المنهل إلى ضرورة تركيز الموازنة على الطاقة الشمسية، واعتماد تراخيص السيارات العاملة بهذه الطاقة والتي صدرت قبل سبع سنوات لكن ظلت حبيسة المخازن والمهملات، إلى جانب استغلال الرمال البيضاء المنتشرة في مناطق عدة وتُعتبر ثروةً هائلةً تُستخدم في صناعة الزجاج وشاشات التلفزيونات والهواتف.

اختلالات هيكلية

واتساقاً مع منشور وزارة المالية السودانية، الأحد 22 نوفمبر (تشرين الثاني)، حول إعداد مقترحات موازنة 2021 وسياساتها العامة، أشارت وكيلة وزارة المالية والتخطيط الاقتصادي، أمنة أبكر عبد الرسول، إلى أن موازنة العام المقبل، باعتبارها موازنة العام الثاني للفترة الانتقالية، ارتكزت إلى تنفيذ برامج بناء واستدامة السلام، مع استصحاب ما جاء في الوثيقة الدستورية للمرحلة الانتقالية واتفاقيات السلام وتحقيق أهداف وبرامج التنمية المستدامة، والتي تتطلّب تحقيق مبدأ الشفافية والمساءلة والانضباط المالي. وأكدت أن هذه الموازنة تأتي في ظروف بالغة التعقيد بسبب جائحة فيروس كورونا التي فاقمت الأزمة الاقتصادية في السودان الذي يعاني من اختلالات هيكلية تتطلّب سرعة المعالجة، إذ طرحت الأزمة الصحية تحديات كبيرة على وزارة المالية لتوفير موارد إضافية وانتهاج سياسات رشيدة تعوّض زيادة الإنفاق الحكومي جراء الجائحة، وتوقف تدهور الأوضاع الاقتصادية وتصحّح مسار الاقتصاد الكلي. 

وأوضحت عبد الرسول أن أهم السياسات المالية في موازنة 2021 تعتمد على تطوير وتفعيل مصادر الإيرادات، من خلال زيادة التحصيل والجهد المالي والضريبي للدولة، ومراجعة الإعفاءات الجمركية والضريبية، ومراجعة قانون تشجيع الاستثمار وتجريم التهرّب الضريبي والجمركي، إضافة إلى خفض العجز الحالي في الموازنة إلى مستويات آمنة والسيطرة على العجز الكلي والدين العام، على أن تكون أولوية سياسات الإصلاح، زيادة الإنفاق الموجّه لصالح الحماية الاجتماعية، والعمل على توسيع منافذ التمويل الخارجي والبحث عن صيغ جديدة كنظام الخصخصة عن طريق التشييد والتشغيل ونقل الملكية (BOT) لتشجيع الاستثمارات المشتركة، مع ضبط وتوجيه الاستدانة من النظام المصرفي والالتزام التام بالنسب المقرّرة.

وقالت إن موازنة 2021 استندت في مرجعياتها إلى أولويات حكومة الفترة الانتقالية، ومتطلّبات اتفاقية السلام، ومخرجات وتوصيات المؤتمر الاقتصادي القومي الأول، والبرنامج الاقتصادي لقوى الحرية والتغيير، إلى جانب أهداف التنمية المستدامة 2030.  

وتهدف موزانة العام المقبل إلى تحقيق الاستقرار الاقتصادي للدولة كهدف رئيس بجانب أهداف أخرى، منها تحقيق ولاية وزارة المالية على المال العام، وتحقيق معدلات نمو للناتج المحلي الإجمالي تكون كافيةً لخفض معدلات البطالة وتوفير فرص عمل جديدة خصوصاً للشباب والنساء، وتقليل التفاوت في توزيع الدخل، وتخفيض نسبة العجز الكلي للموازنة العامة، فضلاً عن تنويع مصادر الدخل القومي، وتقليل الآثار السالبة للإصلاحات الاقتصادية على الفئات والشرائح الضعيفة من خلال توفير خدمات التعليم والصحة والضمان الاجتماعي والدعم المباشر.

وحدّدت وزارة المالية السودانية سياسات عامة لموازنة 2021، من أهمها تحقيق متطلبات ولاية وزارة المالية على المال العام، بما في ذلك شركات القوات المسلحة ومعالجة القوانين التي تتعارض مع هذا المبدأ، ومعالجة التهرّب الضريبي وترشيد الإعفاءات الضريبية، والاهتمام بالإصلاح المؤسسي والاستفادة من الطاقات الكامنة فى الاقتصاد السوداني بتوجيه التمويل المصرفي نحو القطاعات الإنتاجية.