Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

بطولة مايكل أنجلو في أعجوبته الفاتيكانية

المفكر الفرنسي رومان رولان وضع سيرة النحات النهضوي في تعارض خلاق مع رحلة بيتهوفن

رومان رولان ومايكل أنجلو ومكامن البطولة (اندبندنت عربية)

 

ملخص

رأى رولان في مايكل أنجلو فناناً يشتغل في الحدود القصوى، عضلات متشنجة ووجوه معذبة وأجساد تتسلق الجدران كما لو كانت تبحث عن خلاص ما تسعى إليه. هذا الصراع الجسدي كان، في نظره، معادلاً للصراع الروحي عند بيتهوفن، لكنه يعبر عنه من طريق اللون والحجر.

سيقول المفكر والكاتب الفرنسي رومان رولان (1866 - 1944) لاحقاً إنه في الحقيقة لم يكن قرر بعد وهو يكتب "حياة بيتهوفن" عند مفتتح القرن الـ20 (راجع الحلقة الماضية من هذه الثلاثية في "اندبندنت عربية")، من هو المبدع الذي سيتناول حياته في الجزء التالي من "الثلاثية". لكن خلال عام 1904 وإثر النجاح الذي حققه الكتاب الأول وانطلاقاً من ردود الفعل التي جابهته رأى أن واجبه الفكري يحتم عليه التطلع صوب إيطاليا وكاتدرائية الفاتيكان الكبرى (السستين)، للبحث عن التفاصيل الإنسانية الكامنة في خلفية تلك الأعجوبة الفنية التي مثلها ويمثلها دائماً السقف المعنون "الخليقة"، وعلاقته بإنجازات مبدعه ونتاجاته العظيمة في عالم النحت.

ومن هنا ولد الكتاب الثاني الذي يتناول "حياة مايكل أنجلو" تحديداً، وفي انتظار الجزء الثالث الذي سيصدر خلال عام 1911 مكرساً لحياة تولستوي، إذ من المعروف أن رولان أصدر "حياة مايكل أنجلو" للمرة الأولى خلال عام 1905 لكنه عاد وألغى تلك الطبعة، ليعيد صياغة الكتاب من جديد بصورة نهائية هذه المرة، فيصدر خلال العام التالي 1906.

صحيح أن ردود الفعل على كتاب الفنان النهضوي لم تكن مماثلة لتلك التي كانت لكتاب بيتهوفن، غير أن المفعول كان نفسه والغاية كانت هي ذاتها والسياق جاء بديعاً ومدهشاً، ولا سيما أن الكاتب قدم له بقوله إنه إنما وضع هذا الكتاب خصيصاً ليقدمه للناس "الذين أتعبتهم تلك الأزمنة وكشفت لهم قبل أن تكشف للآخرين عن هشاشتهم، لمجرد أن يتعرفوا على مكامن القوة لدى الفنان صاحب العلاقة ويبتعدوا عما يرون فيه ضعفهم وهشاشتهم".

ومن هنا ما نراه من أنه يلح من جديد على ما يرى فيه "السمة البطولية التي وسمت حياة، جبلت من صراع عنيف لدى مايكل أنجلو بين إرادته وسمات شخصيته". ومنذ البداية في إمكاننا هنا أن نشير إلى أن "الحكم النهائي" الذي أطلقه الكاتب على الفنان جاء مثار سجالات وضروب جدل واحتجاجات عميقة، على عكس ما كان قد حدث بالنسبة إلى كتاب المؤلف نفسه عن "حياة بيتهوفن".

خارج الأبعاد الجمالية

وقبل الخوض في ذلك سيكون من المفيد التوقف عند أساسات هذا الكتاب الثاني في مشروع رولان، إذ إن سيرة مايكل أنجلو تمثل الوجه الثاني من المثلث الروحاني الذي صاغه رولان.

غير أنه وعلى عكس ما هو الأمر عليه في كتاب بيتهوفن لم يكن مهتماً بالنحات الإيطالي اهتماماً جمالياً محضاً، بل كان يبحث عما سماه "توتر الوجود" لديه... ويعني بذلك الاندفاع الهائل بين المادة والروح والذي رأى أنه ميز فنون عصر النهضة.

لقد رأى رولان في مايكل أنجلو فناناً يشتغل في الحدود القصوى، عضلات متشنجة ووجوه معذبة وأجساد تتسلق الجدران كما لو كانت تبحث عن خلاص ما تسعى إليه. هذا الصراع الجسدي كان في نظره معادلاً للصراع الروحي عند بيتهوفن، لكنه يعبر عنه من طريق اللون والحجر. بالنسبة إلى رولان لم يكن مايكل أنجلو، بالطبع موسيقياً، لكنه كان مع ذلك، "ينشد البطولات الإنسانية عبر الكتلة والحركة".

 

ولذلك تأتي سيرته في موقع "البطل الثاني" كبطل يصوغ الروح في الجسد، بعدما صاغ بيتهوفن الروح في الصوت". ومهما يكن من أمر هنا فإن رولان الذي يبدو أنه كان في تلك الأثناء اطلع جيداً على كتابات فرويد ولفت نظره اهتمامات صديقه شتيفان تزفايغ بها، انتقل إلى نوع من التعمق في سيكولوجية بطله الذي "بدوره عانى طوال حياته معاناة قد تختلف عن معاناة بيتهوفن، لكنها كانت معاناة لا تقل إيلاماً عنها". ورولان لتأكيد هذه النظرة عاد هنا ليروي سيرة بطله الثاني منذ طفولته حتى موته إنما في فصول رأى نقاد الكاتب أن نوعاً من النغمة الشعرية تسيطر عليها.

معرفة تاريخية عميقة

لكن الأمر لم يخل، وعلى رغم تلك الشاعرية، عن تأكيد الكاتب معرفة عميقة ليس فقط بحياة بطله، بل كذلك بخفايا نفسيته. وربما يعود ذلك إلى اطلاعه بصورة خاصة على كتابات لمايكل أنجلو لم تكن معروفة على نطاق واسع في ذلك الحين، كما على رسائله، ناهيك بأشعاره التي تكشف في نوع من "تعرية مبكرة" للذات، عن خفايا في حياة الفنان لم يكن الجمهور العريض على استعداد بعد لتقبلها. ولعل في هذا السياق جاءت المساجلات التي وصلت في بعض الأحيان إلى حد الاستنكار، مما ضيع على رومان رولان أن يحظى كتابه عن مايكل أنجلو بنفس المكانة التي كانت لكتاب عن بيتهوفن.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

بيد أن هذه مسألة تبدو الآن جزئية وثانوية الأهمية، وبخاصة إذا افترضنا أن عدداً لا بأس به من المبدعين الذين أنتجوا روايات وأفلاماً وحتى كوميديات موسيقية عن حياة الفنان النهضوي، اعتمدوا أحياناً على تفاصيل من كتاب رولان عنه حتى وإن هم أهملوا ذكر ذلك!. المهم بعد كل شيء أن رومان رولان عرف في هذا الكتاب الذي سيبدو في نهاية الأمر معرفياً على عكس كتابي بيتهوفن ثم تولستوي، الذي سنعود إليه في حلقة مقبلة وأخيرة من هذه السلسلة، عرف كيف يوسع من دائرة اهتمامه بشيء من التركيز على تقديم صورة في انطلاقه من حياة مايكل أنجلو بوناروتي تتوخى وصف إيطاليا القرن الـ16 بكل تناقضاتها وبالصراعات التي كانت تدور فيها، ولا سيما في ما يتعلق بالاجتهادات الدينية. تلك الصراعات التي أعدت المسرح لبروز ما سيسمى الإصلاح المضاد كرد من الكنيسة الكاثوليكية على ظهور الإصلاح البروتستانتي. وكيف انعكس ذلك في المجالات الفنية بظهور فن الباروك، وفي المجالات السياسية بانهيار الحريات العامة في روما كما في فلورنسا.

نقطة ضعف ما

والحقيقة أن هذا التوسع في رسم الخلفية التاريخية ربما يكون سبباً في عدم تقبل الجمهور العريض للكتاب تقبله لكتاب بيتهوفن، إذ إن كثراً وجدوا فيه محاولة للخروج "عن النص" بحسب تعبير بعض النقاد، من جانب مفكر وكاتب رأى الفرصة مناسبة له لطرح أفكار قد تكون على علاقة حقاً بحياة النحات/ الرسام النهضوي لكنها علاقة واهية ليست جديرة بأن تحشر حشراً في كتاب كان القراء يفضلون أن يقتصر على الحديث عن مايكل أنجلو. ولعل تنبه رولان إلى هذه النقطة بالذات، وإدراكه أنه خلق هنا نقطة ضعف بدلت من هدفه من دبج هذا الكتاب، أثرت فيه عندما شرع بعد أعوام بصوغ كتابه الثالث الذي به ختم السلسلة وسيكون، كما ذكرنا عن تولستوي.

أما هنا ففي عودة إلى كتاب مايكل أنجلو، وتحديداً في علاقته مع كتاب بيتهوفن، قد يكون من المفيد أن نذكر أن كاتبنا حتى وإن كان صور مصير الفنان النهضوي متعارضاً تماماً مع مصير الموسيقي الكبير، فإنه حرص في نهاية الأمر على أن يدافع عن كل من مصيرهما وتعامل كل منهما مع مصيره على قدم المساواة، آملا من قرائه أن يتقبلوا المصيرين معاً من دون تفريق بينهما، مؤكداً في نهاية المطاف أن ثمة للبطولة الإنسانية، بطولة القلب، وجوهاً عديدة أخرى، ومنها بالطبع الوجه الذي سيحمله الروسي الكبير تولستوي في الكتاب الثالث والختامي لهذه الثلاثية.

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة