Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ما أصل صراع التيغراي في إثيوبيا؟

خريطة عرقية ودينية بالغة التعقيد وكثيرة التشابكات فجرت الأزمات على مستوى الإقليم

رئيس الجبهة وحاكم إقليم التيغراي دبرصيون جبراميكائيل (اندبندنت عربية - حسن حامد)

جاء مطلع هذا الشهر مؤذناً باندلاع عاصفةٍ عنيفة من الصراع في إقليم تيغراي الإثيوبي والحكومة الفيدرالية، بينما لا تتراءى في الأفق بوادر تراجع من أي من الطرفين. وإلى أن تُسفر الأنباء عن شيء، فإن هناك حاجة ماسة لتسليط الضوء على ماهية إقليم تيغراي وقوميته وتشابكها مع بقية القوميات الإثيوبية الأخرى، التي تتكون من حوالى 80 مجموعة عرقية أعادت (جبهة تحرير شعب التيغراي) تنظيمها في تسع مناطق عندما كانت حاكمة. بينما يقع إقليم تيغراي على مساحة قدرها 102.000 كلم من جملة مساحة إثيوبيا، ويبلغ إجمالي قومية التيغراي بحسب وكالة الإحصاء المركزية الإثيوبية، حوالى ستة ملايين نسمة، ويشكّلون ستة في المئة فقط من سكان إثيوبيا، ولكنهم سيطروا عليها لما يقارب ثلاثة عقود.

التاريخ والهوية

ذكر جلال الدين صالح في كتابه "الحبشة والبجة: الماضي الحضاري، الصراع السياسي، الأثر الأمني 2012"، أن التيغراي من أوائل الشعوب الإثيوبية ذات الأصل السامي، وهم مجموعة إثنية تتمدد فوق المرتفعات من وسط إثيوبيا وغربها، حتى شمال إريتريا، ويُعرفون بالـ"تغرينية" في البلدين نسبةً للغة التي يتحدثونها، وهي لغة سامية تتداخل مع اللغة العربية وتعود أصولها إلى اليمن. وارتبط تاريخ التيغراي بتأسيس مملكة أكسوم، العاصمة الأولى للحبشة التي استقرت فيها الهجرات اليمنية القديمة، واستمرت المملكة لقرونٍ طويلة منذ نحو عام 80 قبل الميلاد إلى عام 825 ميلادية. وبعد فقدانهم الحكم، أصبحوا مضطهدين ودخلوا في نزاعٍ مباشرٍ مع قومية الأمهرا نسبةً للتداخل الجغرافي والتاريخي.

أما المُعتقد الديني، بحسب المصادر الإحصائية فإن الغالبية العظمى من قومية التيغراي حوالى 95 في المئة هم من المسيحيين الأرثوذكس، وما يقارب الواحد في المئة من الطوائف المسيحية الأخرى (البروتستانتية والكاثوليكية)، ونحو أربعة في المئة من المسلمين يُطلق عليهم "الجبرتة"، ويوجد جزء منهم في إريتريا. واسم "الجبرتة" ذاته يطلق أيضاً على المسلمين الأمهرا، وهم مزيج من الأعراق والأجناس من خلفيات عدة، اعتبروا أنفسهم "أمة" واعترضوا على تصنيفهم تيغراي من جانب الحكومة الإريترية.

ما يجدر ذكره هنا هو أن انقسام البلاد يرجع في معظمه لتبايناتٍ إثنية على الرغم من المُشتركات الأخرى، إذ إن قومية التيغراي التي تعيش في الشمال الغربي من الهضبة الإثيوبية، وتنقسم بين دولتي إثيوبيا وإريتريا، تتشارك مع بقية القوميات تاريخياً وثقافياً ومع إريتريا لغوياً. وهذه المُشتركات لم تحصّن التيغراي من التأثر بمستجدات تغيُّر الخريطة الجيوسياسية أكثر من المجموعات الأخرى، بل أمدتها بقدرة على إحداث تغييراتٍ جذريةٍ في النظام السياسي وإثارة الفوضى بعد نزولها من السلطة. يحدَّ إقليم تيغراي من الشمال والشمال الشرقي إريتريا، ومن ناحية الغرب السودان بولايتي كسلا والقضارف، كما يحده في داخل إثيوبيا من ناحية الجنوب والجنوب الشرقي والجنوب الغربي مناطق ولَّو الأمهرية وإقليم العفر الذي تسكنه القومية العفرية، ومنطقة قُندَر الأمهرية.

ترسيخ السلطة

بعد وصول رئيس الوزراء الإثيوبي الأسبق ميليس زيناوي إلى السلطة عام 1991 بعد الحرب مع إريتريا في الفترة بين (1998-2000)، عمل على ترسيخ سلطته بإضفاء الطابع المؤسسي على حكم الحزب الواحد لجبهة تحرير شعب التيغراي ودائرته المقربة منهم، بمشاركة النخب الإثنية الأخرى التي تم ضمها إلى التحالف الحاكم في ظل "الجبهة الديمقراطية الثورية للشعب الإثيوبي".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وإزاء هذه الخلفية، قال يوهانس ولد مريام أستاذ العلاقات الدولية في مقاله "ما وراء تمرد الأرومو في إثيوبيا" المنشور في "هافينغتون بوست"، إنه بتكوين "جبهة تحرير التيغراي" التي تأسست عام 1975 بعد عامٍ من انقلاب منغستو هيلا مريام، تمكنوا عبر إنشاء جبهة عريضة من مقاومي نظام منغستو، من تشكيل "الجبهة الديمقراطية الثورية للشعوب الإثيوبية"، التي تكونت من "المنظمة الديمقراطية لشعوب أرومو"، و"حركة الأمهرا الديمقراطية الوطنية"، و"الجبهة الديمقراطية الشعبية لجنوب إثيوبيا"، و"جبهة تحرير شعب التيغراي". يتزعم تيغراي إثيوبيا هذا التحالف بقيادة مليس زيناوي، والجبهة الشعبية لتيغراي إريتريا بقيادة أسياس أفورقي. وأضاف ولد مريام أن هذا التحالف أسقطَ عبر الزحف العسكري من الأطراف، وحكم منغستو هيلا ماريام عام 1991. في تلك الأثناء قررت "جبهة تحرير أرومو" الانسحاب من "ائتلاف الجبهة الديمقراطية الثورية للشعب الإثيوبي" في عام 1992، فتم طردها بعد محاولتها الفاشلة لتأكيد استقلالها عن "جبهة تحرير مورو" داخل التحالف. وعقب الاستيلاء على السلطة في أديس أبابا، أصبح التيغراي على الرغم من قلة عددهم، القومية المسيطرة على مفاصل السلطة والثروة في إثيوبيا حتى مجيء آبي أحمد.

زوال المجد

تكمن واحدة من المشكلات الكبيرة والمعقدة التي تواجهها إثيوبيا الآن في أن الصراع الحالي الذي تقوده "جبهة تحرير التيغراي" التي تكونت عام 1975، كانت تدعو منذ ذلك الوقت إلى انفصال الإقليم وعاصمته مكلي، ومتحالفة مع "الجبهة الشعبية لتحرير إريتريا" التي كانت تحارب من أجل استقلالها. انقلب التحالف بين تيغراي إثيوبيا وإريتريا إلى عداء شديد عقب استقلال الأخيرة، وترسيم الحدود بينهما وهو ما قسم التيغراي بين الدولتين. ونشب نزاع حدودي بين التيغراي في الدولتين على منطقة "بادمي" الحدودية، وتحوّل إلى حربٍ في الفترة ما بين (1998- 2000) أسفرت عن مقتل عشرات الآلاف من الطرفين. ويتداول التيغرانيون القصة المتعلّقة بطلب الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون عبر مندوبته سوزان رايس من أفورقي، الانسحاب من "بادمي" واللجوء إلى الوسائل السلمية والقانونية لحل النزاع، فقال لها قولته الشهيرة إنه "لن ينسحب من بادمي حتى لو أشرقت الشمس من المغرب"، وبعد أن انسحب مُرغماً سمّى التيغراي هذه المنطقة باسم "المشرق".

كان التيغراي أوان حكمهم يفرضون سيطرتهم على القطاعات الاقتصادية الرئيسة ما ولَّد كراهية عميقة بينهم وبين المجموعات الأخرى، وأشعل انتفاضة الأرومو عام 2016 احتجاجاً على الظلم المُمنهج من التيغراي. تصاعدت هذه الصراعات في ظل عدم وجود مساحة سياسية للتحالفات بين الإثنيات على أسس مُشتركة، إذا ما قمنا بتحييد الاختلافات الإثنية والدينية. وبوصول آبي أحمد إلى السلطة، شعر التيغراي بزوال مجدهم، وبدأوا في التمرد بعد أن أقال أغلب قادتهم في الجيش الذين كانوا يهيمنون عليه بشدة، بينما كانت الرُتب الصغيرة للأرومو، كما سُجن بعض قياداتهم بتهم الفساد، وفرَّ على إثر هذه الملاحقات قيادات من القوات الجوية وغيرها من الفروع العسكرية الأخرى. 

تحالف الأعداء

وعن الأسباب الكامنة في تزايد هذه الاشتباكات، أوردت الباحثة هيلاري ماتفيس في مقالها في مجلة "آفريكا ووتش" عام 2016، أن خريطة الصراعات الإثنية والدينية في إثيوبيا خريطة بالغة التعقيد وكثيرة التشابكات، وظلت التحالفات في هذه الخريطة المعقدة قابلة للتحولات حتى بين الأعداء التاريخيين. فقد ناضل الأرومو والتيغراي تاريخياً ضد هيمنة الأمهرا المطلقة التي امتدت منذ عهد منليك الثاني، حتى نهاية حكم هيلاسيلاسي عام 1974. كما أن الصراع بين قومية الأرومو من جهة وقوميتي الأمهرا والتيغراي من جهةٍ أخرى، يتمحور في صورته الغالبة كصراعٍ إسلامي- مسيحي، على الرغم من الخلافات الناشبة بينهما. وعلى الرغم من أن الأمهرا والتيغراي المسيحيتين تبادلتا حكم إثيوبيا منذ قرونٍ طويلة، إلا أن قومية الأمهرا التي تغلب عليها المسيحية، وقومية الأرومو التي يغلب عليها الإسلام، تتشاركان عداء قومية التيغراي التي كانت مسيطرة حتى مجيء آبي أحمد من الأرومو. وأشارت ماتفيس إلى أن التظاهرات العنيفة التي جرت في إقليم الأرومو في نهاية عام 2016، صاحبتها تظاهرات مماثلة في إقليم الأمهرا، وكان ذلك نتيجة تهميش "الجبهة الشعبية لتحرير التيغراي" كلاً من المعارضة الرسمية وغير الرسمية، ولم تترك لبقية القوميات سوى الاحتجاج كما هي الحال في انتفاضة الأرومو. فتحت سيطرة التيغراي أخيراً، نافذة لتعاون تكتيكي بين الأرومو والأمهرا. ومهّدت انتفاضة الأرومو والأمهرا على الرغم من العداء بينهما، لإخراج إثيوبيا من قبضة أقلية التيغراي إلى غالبية الأرومو. وهذا من شأنه أن يفتح الباب واسعاً لتحالفات قد تثير كثيراً من التساؤلات.

بوصلة التحالفات

ليس من الواضح على الإطلاق ما إذا كان بمقدور آبي أحمد أن يضع حداً لصراع التيغراي، فالمعروف عنهم أنهم محاربون على درجة كبيرة من الشراسة ولديهم من العتاد الحربي ما قد يطيل أمد الحرب، إضافة إلى أن في الإقليم أكبر قاعدة للجيش الإثيوبي وهي القاعدة الشمالية التي تم تأسيسها في سنوات الحرب مع إريتريا. إذا لم يتم حسم هذه الخطوات الأولى ستكون الحرب طويلة، خصوصاً أن تضاريس المنطقة الجبلية الوعرة والمتعرجة يصعب معها التقدم السريع، لذلك ركز الجيش الإثيوبي على قصف الطيران مستعيناً بالدعم اللوجيستي الذي يقول التيغراي إن إريتريا وفرته له في منطقة "الحُمرة" الواقعة على حدودها مع إثيوبيا.

يُتوقع أن تمتد تحالفات التيغراي مع إقليمي بني شنقول والعفر، اللذين يعانيان من المشكلات ذاتها والتمرد في بلدٍ قابلٍ للانفجار وتطور الأحداث. وعلى الرغم من أنه لا تربط بينهم حدود، إلا أنه يمكن أن يتم ذلك بالتنسيق عن بعد أو بتنفيذ ضرباتٍ متزامنة، وذلك في حال تمرد الإقليمين الآخرين على آبي أحمد. أما الأمهرا فلهم عداء تاريخي معهم، إلا أنهم محاصرون بين كماشتي آبي أحمد وأسياس أفورقي. وفي هذه الحالة، قد يكون خلاص التيغراي في اختراق قواتهم الحدود السودانية بإحداث اختراقات أو تحالفات مع الجيش السوداني، أو تهيئة إقليم شرق السودان للتمرد.

المزيد من تحلیل