ملخص
رواية "ابسالون! ابسالون!" للكاتب الأميركي ويليام فوكنر جاءت ضمن إطار تجديداته الأسلوبية هي ليست فقط رواية ذات موضوع "جنوبي"، بل أنها رواية الجنوب الأميركي الكبرى، وبخاصة في ارتباطها البنيوي والأسلوبي، وحتى في العنوان، بالكتاب المقدس الذي كان معظم الجنوبيين الأميركيين يتخذونه دستور حياة ومرجعية مطلقة في حياتهم اليومية بصورة تلقائية
قد تكون رواية الكاتب الأميركي ويليام فوكنر (1897 - 1962)، "الصخب والعنف"، أكثر رواياته شهرة وترجمة إلى كثير من لغات العالم، بل حتى حضوراً في المكتبات المنزلية الأميركية، على رغم صعوبتها اللغوية وقوة موضوعها ونخبويتها، ومع ذلك ثمة من بين القراء والنقاد كثر يرون أن الأقوى حقاً بين رواياته إنما هي "ابسالون! ابسالون!"، التي تتميز ببنية في غاية التعقيد على رغم بساطة موضوعها، بل عاديته حتى، إلى درجة اقترابه من الروايات الغوطية التي اشتهر بها الأدب الأنجلو - ساكسوني خصوصاً في القرن الـ19.
ومن هنا ما يقال عادة من أن قلة فقط من بين الذين يقتنون نسخاً من هذه الرواية لا يقرأونها حتى وإن كانت تزين مكتباتهم، بيد أن هذه الجزئية لا تبدو كبيرة الأهمية، خصوصاً بالنسبة إلى سكان الجنوب الأميركي الذين يعرفون على أية حال أن هذه الرواية روايتهم، وقد صدرت للمرة الأولى في عام 1936، أي في الحقبة التي شهدت فيها الحياة الأدبية الأميركية صدور عدد من روايات الجنوب الأميركي الناعية على تلك المنطقة ما باتت عليه أحوالها بعد عقود من هزيمتها في حرب الانفصال، التي انتهت بانتصار الشمال بقيادة أبراهام لنكولن و"تحرير" العبيد، ومن أشهرها وفي مقدمها طبعاً "ذهب مع الريح" لمرغريت ميتشل التي سرعان ما تحولت إلى الفيلم الذي نعرف.
ومع ذلك ليس هذا موضوعنا هنا، ولا هو موضوع الرواية الأكثر وضوحاً.
رواية داخل رواية
الحقيقة أن موضوعنا هنا هو "ابسالون! ابسالون!" تلك الدرة الأدبية، التي تفوق فيها فوكنر على نفسه مقدماً، ودائماً ضمن إطار تجديداته الأسلوبية، حكاية عائلية يبدو انتماؤها إلى الجنوب في أدبه، تحصيل حاصل ولكن ليس للوهلة الأولى، وقبل أن يدرك القارئ، الذكي طبعاً - وقراء فوكنر كان يتوجب عليهم دائماً أن يكونوا أذكياء وشديدي النباهة والتركيز - أنها ليست فقط رواية ذات موضوع "جنوبي"، بل أنها رواية الجنوب الكبرى، وبخاصة في ارتباطها البنيوي والأسلوبي، وحتى في العنوان، بالكتاب المقدس الذي كان معظم الجنوبيين الأميركيين يتخذونه دستور حياة ومرجعية مطلقة في حياتهم اليومية بصورة تلقائية.
ومن هنا ما يقوله النقاد والمؤرخون من أن هذه الرواية هي واحدة من الروايات الأكثر تعقيداً في الأدب الأميركي، وفي أدب فوكنر خصوصاً. وإلى حد كبير "الرواية الأكثر جرأة في تفكيك التاريخ الأسطوري للجنوب الأميركي بعد الحرب الأهلية"، فهي ليست مجرد سرد لتاريخ عائلة، "بل عمل متداخل الأصوات يقدم حكاية انهيار الحلم الأميركي في الجنوب"، وذلك من خلال شخصية توماس سوتبن، الجنوبي الذي حاول بناء سلالة تحمل اسمه فانتهى الأمر به إلى الخراب.
خطيئة الجنوب الكبرى
كما أشرنا قبل سطور، تتأسس الرواية على بنية غير تقليدية، إذ يتبادل سردها عدد من الرواة، يقدم كل منهم نسخة ناقصة أو مميزة أو حتى مشوشة للوقائع. وهذا التعدد الحكائي الذي كثيراً ما شبه ببنية العهد القديم أو حتى بتلك البنية التي تميز المآسي الإغريقية، مما يحول قراءة الرواية إلى ما يشبه تجميع قطع فسيفساء لا تظهر صورتها المكتملة إلا بصورة تدريجية، ومع ذلك تبقى مليئة بالثغرات والظلال.
وفي مركز الرواية يقف سوتبن على أية حال بوصفه مشروعاً إنسانياً مأزوماً، فهو رجل فقير وصل إلى مسيسيبي محملاً بطموح مجنون قوامه أن يبني أسرة عظيمة تملك الأرض والسلطة وتخلد على مر الأجيال. وهو لتحقيق هذا الحلم شيد قصره الفخم وأسس مزرعة أسماها "سوتبن هاندرد"، لكنه لم يفعل ذلك إلا بوسائل اعتمدت العنف وقامت في معظم أمورها على الاستغلال، بل حتى أحياناً على التلاعب، وفي جميع الأحوال على عنصرية متجذرة في كينونته نفسها. وفي مطلق الحالات يبدو سوتبن وكأنه نسخة أميركية معاصرة من شخصيات التراجيديا الكلاسيكية: إنه يتطلع إلى إعادة صياغة العالم وفق إرادته، لكنه لا يرى في البشر من حوله أكثر من أدوات عملها أن تساعده في مشروعه.
ومن هنا فإن زواجه وأولاده وحتى استخدامه للعبيد، ليست سوى عناصر يضعها في خدمة حلمه الكبير، غير أن هذا الحلم ذاته يحمل البذور الأولى لانهياره، بالنظر إلى أن الانفصال عن الطبيعة البشرية يخلق خطيئة كبرى في وجدان الجنوب تبعاً لقوانين الكتاب المقدس.
من الرمز إلى الانهيار
وبالتالي يمكن القول إن أحد المحاور الأساسية في الرواية هو مشروع انهيار السلالة نفسه، فوابلايت ابن توماس من زوجته ألين يقتل أخاه غير الشقيق تشارلز بون في لحظة انفجار مأسوية، أما الابنة جوديث فيتلاشى مستقبلها ويتلاشى معه إرث ابيها.
وهكذا تتحول الأسرة التي أرادها سوتبن رمزاً للبقاء إلى مأساة كاملة، تلخص تحطم الأسطورة الجنوبية أمام الواقع. وتكون المفارقة الأكثر إيلاماً في أن ما سعى سوتبن إلى الفرار منه طوال حياته، وهو الغرق في العار الطبقي والعنصري، يعود ليطارده في اللحظة الحاسمة. فعندما يكتشف توماس أن تشارلز بون يحمل دماً مختلطاً، بحسب نظرة المجتمع العنصري في ذلك الحين، يرفض الاعتراف به كابن ما يؤدي إلى السلسلة الكارثية التي تنتهي بالعنف والدمار.
وبهذا المعنى تضحي الرواية نقداً لاذعاً لعقلية المجتمع الجنوبي الذي يحاول إخفاء تناقضاته خلف خطابات الشرف والنبالة، بيد أن من أبرز ما يميز "ابسالون! ابسالون!" معمارها السردي. فالزمن هنا ليس خطياً والحقائق لا تقدم بصورة مباشرة، بل تستعاد وتتكرر وتعاد صياغتها على ألسنة الرواة المتنوعين في تناقض ما يحكون، ولا سيما منهم روزا كولدفيلد وكوينتن كومبسون وغيرهم، إذ كل راو يحمل موقفاً خاصاً في حديثه عن عائلة سوتبن بمعنى أنه "ليس راوياً محايداً في إعادته سرد الوقائع بطريقة تكشف عن تعقيدات الحقيقة وتعدديتها"، كما يشير الباحثون.
ومن الواضح أن هذا التعدد هو ما يربط بين الرواية وأسلوب فوكنر الراغب في تعرية الذاكرة الجنوبية التي لا تتوقف عن إعادة إنتاج أساطيرها، فالقصة تروى عام 1909 لكنها تعود زمنياً في أحداثها لثلاثينيات القرن الـ19. وفي المساحة الفاصلة بين الحاضر والماضي، تولد فجوات كثيرة تحمل ظلالاً هائلة من ضروب الشك والالتباس، كأن التاريخ نفسه غير قادر على قول الحقيقة كاملة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
الحرب في الخلفية
وعلى رغم أن الرواية لا تدعي أنها تقدم وصفاً مباشراً للحرب الأهلية الأميركية، فإن هذه الأخيرة حاضرة في الخلفية كقوة تدميرية تهز في الأقل أسس العالم كما بناه سوتبن وأمضى حياته محاولاً الحفاظ عليه. فالحرب تسحب الرجال إلى الجبهات، وتدمر الاقتصاد الزراعي، وتكشف عن ضروب الهشاشة المهيمنة على المنظومة الاجتماعية المعتمدة في كينونتها على العبودية.
وفي النهاية لا بد من أن نتوقف طويلاً عند واقع أن سوتبن إنما يعود من الحرب ليجد مشروعه العائلي وقد بدأ ينهار، وأن ما بناه قبل سنوات يتداعى ببطء، كما يتداعى الجنوب كله.
كذلك لا يمكن أن تقرأ الرواية كمجرد مأساة عائلية، بل "بوصفها تشريحاً دقيقاً للهوية الجنوبية، إذ إن الكاتب يواجه قارئه بمجتمع يعيش على أمجاد متخيلة، يرفض رؤية جذور ظلمه فيعيد تدوير الحكايات التي تبرر ماضيه". وفي هذا السياق تبدو شخصية سوتبن "نموذجاً لكيفية صناعة الأسطورة"، كما يقول مؤرخو أدب فوكنر عادة.