Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

تنامي الخلافات الداخلية يهدد "النهضة" في تونس

يسعى أنصار الغنوشي إلى تنصيبه رئيسا للحزب لفترة ثالثة وينادي آخرون بقطع الطريق أمامه

راشد الغنوشي رئيس حركة النهضة في تونس (أ ف ب)

بات واضحاً للعيان أن حركة النهضة الإسلامية في تونس، تعيش تململاً داخلياً بين رافض لاستمرار راشد الغنوشي على رأس الحركة، ومؤيد له. وفي خضم هذا الوضع الداخلي المتحرك تتوالى المبادرات في محاولة لرأب الصدع ولملمة شتات الحزب، الذي بدا الأكثر تماسكاً طيلة عقد ما بعد الثورة في تونس، بالنظر إلى ما عاشته عدة أحزاب أخرى في البلاد من انشقاقات وانقسامات، أدت إلى تحلل بعضها، واندثارها من المشهد السياسي في تونس.

وتعد الاتهامات المتبادلة بين الشقين في حركة النهضة عن انقسامات باتت أمراً واقعاً في الحزب، ما يهدد تماسك الحركة، الأمر الذي دفع بعدد من القيادات إلى تقديم مبادرات من أجل لم الشمل والحيلولة دون مزيد من الانقسامات.

ومن بين هذه المبادرات، مبادرة القيادي، الأمين العام السابق للحركة حمادي الجبالي، الهادفة إلى تجاوز الخلافات داخل الحركة، والتي أبدى بها رغبته في العودة إلى الحزب، الذي استقال منه في مارس (آذار) 2014.

نزيف داخلي ومحنة حقيقية

تناقلت وسائل الإعلام في تونس رسالة وجهها الجبالي إلى رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي، دعا فيها إلى "وقف النزيف الداخلي في جسم الحركة، والتصدع الخطير في الصف القيادي الأول، وتهيئة المناخات النفسية والتنظيمية والإدارية لحوار صريح وبناء حول كل القضايا التي تهم الحركة والبلاد، والإعداد الجيد للمؤتمر الحادي عشر، حتى يكون مؤتمر التوحيد والإصلاح والتخطيط الإستراتيجي على جميع المستويات والمجالات".

واعترف الجبالي، بأن حركة النهضة تمر بـ"محنة حقيقية ومحطة مفصلية لم تشهد لها مثيلاً طيلة تاريخها الممتد على العقود الخمسة الماضية"، داعياً إلى إيقاف التجاذب الإعلامي بين قياداتها، كما طالب رئيس الحركة بتأكيد التزامه تطبيق جميع فصول القانون الأساسي الخاصة بها، وعدم نيته تغيير أي فصل فيه، والتزامه قرارات المؤتمر المقبل الذي قال إنه سيحدد مستقبل الحركة.

مجموعة المئة ترفض بقاء الغنوشي

يذكر أن مجموعة من قيادات حركة النهضة، التي عُرفت بـ"مجموعة المئة"، دعت في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، رئيسها راشد الغنوشي إلى عدم الترشح مجدداً لرئاسة الحركة، معربة عن تمسكها بعدم المس بالفصل الحادي والثلاثين من نظامها الداخلي، الذي ينص على أنه "لا يحق لأي عضو أن يتولى رئاسة الحركة لأكثر من دورتين متتاليتين"، بينما يسعى الشق الموالي للغنوشي، إلى تنقيح هذا الفصل من أجل السماح ببقائه على رأس الحركة لدورة ثالثة.

وقلل الغنوشي، من أهمية هذه الخلافات معتبراً أن جميع الأحزاب في تونس تشهد خلافات داخلية، معرباً عن يقينه من تجاوز هذه الأزمة، واستيائه في الوقت نفسه من خروجها إلى وسائل الإعلام.

الوضع الصحي يؤجل مؤتمر الحركة

وفي ما يخص المؤتمر المقبل (الحادي عشر) للحركة أعرب الجبالي عن قناعته بأن الأزمة الصحية التي تعيشها البلاد، وعدم جاهزية اللجان المتخصصة بإعداد المؤتمر تدفع نحو تأجيله، مقترحاً تحديد سقف زمني لانعقاده، لا يتجاوز نهاية العام المقبل وهو ما يعني بقاءه على رأس الحركة إلى حين انعقاد المؤتمر المقبل.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

تلتقي مبادرة الجبالي مع المبادرة التي تقدم بها رئيس مجلس شورى الحركة عبد الكريم الهاروني، والقيادي رفيق عبد السلام، التي تدعو إلى تأجيل المؤتمر المقبل لمدة عامين نظراً للوضع الصحي في البلاد، كما تقترح إسناد منصب "الزعيم المؤسس" للغنوشي، نظراً لـ"خصوصية الدور الريادي الذي يضطلع به، سواء من جهة موقعه في الدولة ومكانته وسابقته في الحركة، أو نسيج علاقاته الخارجية". وأثارت هذه المبادرة غضباً واسعاً في صفوف ما يعرف بقائمة المئة المعارضة، حيث اعتبروها شكلاً من أشكال المناشدة.

أزمة حقيقية

أكد الصحافي المتخصص في الشؤون السياسية فطين حفصية، أن حركة النهضة تعيش أزمة حقيقية، ظهرت بوادرها للعلن مع انعقاد المؤتمر السابق لها، الذي أُعلن فيه فصل الدعوي عن السياسي، فضلاً عن موجة استقالات وازنة في الحركة على غرار الأمين العام السابق للحركة حمادي الجبالي، والقياديين عبد الحميد الجلاصي، وزياد العذاري. واعتبر أن الحزب في داخله منقسم، بين من يرغب في استمرار الغنوشي ومن يرفضه، صراعات غذتها سياسة المماطلة في تحديد موعد للمؤتمر المقبل للحركة.

من جهته، اعتبر الباحث المحلل السياسي محمد اليوسفي، أن مثل هذه المبادرات سيكون مآلها الفشل، فالسياق السياسي والوضع الصحي في تونس اليوم في صالح إرادة رئيس الحركة راشد الغنوشي، من جهة تأجيل موعد المؤتمر، بالتالي مواصلته كرئيس للحزب في إطار سياسة ربح الوقت، وتأمين انتقال قيادي يخدم طموحاته ورؤيته بخصوص مستقبل النهضة.

وأضاف، أن الأطراف المتنازعة ستتوصل في النهاية إلى شكل من أشكال التسوية من خلال إيجاد صيغة لتأجيل موعد المؤتمر، وربط خروج الغنوشي من رئاسة الحركة بلعب دور مستقبلي في الانتخابات المقبلة.

النزيف سيتواصل

وفي سياق آخر، أكد اليوسفي أن نزيف الاستقالات سيتواصل في الحركة، وحتى وإن عادت قيادات تاريخية قديمة، فإن هذا لن يحول دون مزيد من اهتراء الحركة من الداخل، وهي التي فشلت في اختبار الحكم منذ 2011، الأمر الذي سيزيد من ضمور قاعدتها الانتخابية واهتزاز صورتها لدى قطاعات واسعة من الشعب التونسي، مشدداً على أنه بصرف النظر عن الترتيبات التي ستوضع لتأمين شروط خروج الرئيس الحالي للحركة راشد الغنوشي، فإن نهضته لن تكون هي نفسها نهضة ما بعده.

تمسك الغنوشي برئاسة الحركة في ظل تنامي الخلافات الداخلية، إضافة إلى تردي الأوضاع في تونس سياسياً واقتصادياً قد تدفع ثمنه النهضة، التي لم تتخل عن الحكم منذ 2011، لذلك يعي عدد من القيادات خطورة الموقف، ويعملون على إيجاد تسويات داخلية ترضي الشق الغاضب في الحركة، وتضمن المكانة الاعتبارية لأحد مؤسسيها ورئيسها الحالي راشد الغنوشي.

المزيد من العالم العربي