Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"بيضة الثعبان" يتحرى ممهدات النازية في ألمانيا العشرينيات

إنغمار برغمان الذي اضطره المنفى إلى قول السياسة وتبديل سينماه

مشهد من "بيضة الثعبان" (1977) (موقع الفيلم)

حتى وإن كنا نجد دنواً من السياسة موارباً في عدد، قليل على أي حال، من أفلام إنغمار برغمان، كما في مشهد أو اثنين من "برسونا"، أو من خلال حضور الحرب في "الصمت"، أو "ساعة الذئب" على سبيل المثال، فإن السياسة بالمعنى المباشر للكلمة ظلت غائبة عن سينماه. أو لنقل بالأحرى إنه انتظر سنوات المنفى خلال النصف الأول من سبعينيات القرن العشرين قبل أن يصل إليها، وفقط في فيلم واحد لن يعتبر على أي حال واحداً من أفلامه الكبرى في نظر "البرغمانيين" الأنقياء. هذا الفيلم هو "بيضة الثعبان" الذي لم يعرض إلا عند بدايات عام 1977 ليفاجأ كثير من محبي سينما برغمان، بالمعنيين: المعنى السلبي لكونه يخرج عن النطاق الفكري المعتاد لسينماه ليقترب من سينما فريتز لانغ؛ ولكن بالمعنى الإيجابي أيضاً كونه أعلن عن تجديد في سينما برغمان انتظر كثيرون أن يعمقه أكثر في أفلام تالية له من ناحية، كما بدا من ناحية ثانية وكأنه نوع من تكفير أبداه برغمان معلناً فيه قطيعته النهائية لماضيه الذي كان قد شهد في نهاية سنوات مراهقته نوعاً من المُمالأة تجاه الفكر النازي الذي أغرى في ذلك الحين فتياناً كثيرين حتى خارج ألمانيا. ففيلم "بيضة الثعبان" أتى من إنغمار برغمان لينضم إلى تلك الأفلام التي تكاثرت ذات حقبة، منددة بالنازية وووحشيتها، ولكن تحديداً كما لدى برغمان هنا، بشكل غير موارب، حتى وإن لم يبدُ ملتبساً التباسه لدى فريتز لانغ.

برغمان من دون برغمان

في اختصار إذاً "بيضة الثعبان" فيلم لبرغمان لا يبدو وكأنه فيلم لبرغمان، لكنه أتى مع ذلك مرحباً به بوصفه مساهمة من برغمان في فضح مملكة الشر التي كانتها النازية. ويبدو هذا البعد أكثر وضوحاً إن نحن تذكرنا أن برغمان اقتبس عنوان السيناريو الذي كتبه بنفسه من عبارة ترد في "يوليوس قيصر" لشكسبير على لسان بروتوس، وتتحدث عن أن مجرد وجود بيضة الثعبان معناها أن الأفعى باتت جاهزة للانقضاض. ومن هنا لئن كان برغمان قد اختار جعل أحداث فيلمه تدور عام 1923 قبل صعود النازية، ذلك الصعود المريع الذي سيتحول إلى حالة إجرامية خالصة، متوقفاً في الأحداث عند إخفاق هتلر في انقلابه في ميونيخ، فإنه آثر أن يترك، من خلال العنوان، للمتفرج اللبيب إدراك أن البيضة لن تلبث أن تفقس وتلد الأفعى بعدما ينتهي فيلمه. لقد آثر أن يرسم المقدمات طالما أن النتائج معروفة تاريخياً على أي حال.

تدور أحداث الفيلم خلال تسعة أيام بين الثالث والحادي عشر من نوفمبر (تشرين الثاني) 1923 في وقت كانت النازية فيه قد بدأت تطل برأسها وسط تضخم اقتصادي لا مثيل له في التاريخ وانهيار اجتماعي وأخلاقي وضياع للجماهير عرف المخرج كيف يصوره في المشهد الأول الرائع لفيلمه، والذي سيكون على المتفرج أن يربطه لاحقاً بالمشهد الأخير الذي يصور إخفاق انقلاب هتلر، إخفاقاً تفيدنا حكاية بيضة الثعبان أنه مؤقت لا أكثر.

موتى يتساقطون بغرابة

أما حبكة الفيلم الأساسية فتدور حول لاعب سيرك سابق يدعى آبيل روزنبرغ يصل إلى ميونيخ من إنجلترا لينضم إلى أخيه الذي طُلّق حديثاً من زوجته مانويلا ويعيش في المدينة. ويحدث ذات مساء حين يعود آبيل إلى الشقة أن يكتشف أن أخاه قد انتحر برصاصة في فمه. يثير ذلك الانتحار طبعاً مزيداً من اليأس لدى آبيل الذي يتعرف خلال التحقيق على المفتش بوير. ثم يلتقي مطلقة أخيه مقيماً معها علاقات أخوية يتقاسمان فيها الحزن على الراحل. غير أن القلق والأسئلة تتضاعف حين يدعى آبيل إلى المشرحة للتعرف على جثة أخيه، فيكتشف وجود جثث عديدة لميتين بطرق غامضة يكتشف أنه يعرف أكثرهم. هنا يبدأ المفتش اشتباهه بآبيل ويودعه السجن الذي تخرجه منه مانويلا التي سرعان ما تعرفه بهانس الذي يؤمن لهما شقة يلجآن إليها وعملاً مؤقتاً.

في الخارج يواصل النازيون زرع الإرهاب في المدينة توطئة لسيطرتهم على السلطة، وبالتحديد من خلال الانقلاب الذي يبدو أن هتلر يحضر له في المدينة نفسها. صحيح أن آبيل لا يُبدي كبير اهتمام بما يحدث في الخارج، لكن عمله الذي أمنه له هانس في أرشيفات مستشفى سانت آن يضعه أمام عدد كبير من الوقائع والأخبار التي تثير حيرته، والتي يتعلق معظمها بتجارب تجرى على أنماط معينة من البشر تحت إشراف هانس نفسه. ولاحقاً حين يكتشف آبيل مقتل مانويلا في شقتهما المشتركة، يحطم مرآة معلقة على جدار ليكتشف خلف المرآة كاميرا صغيرة كان الواضح أنها ليست الوحيدة في الشقة، وهكذا يقود البحث آبيل إلى العثور على كاميرات متعددة موزعة داخل الشقة ترصد عليه وعلى مانويلا حركاتهما وسكناتهما. ويستنتج آبيل بعد تفكير أن صاحب اللعبة هو هانس الذي تقوم تجاربه على دفع أنواع معينة من الأشخاص إلى الجنون، ومن ثم إلى الانتحار، ويندفع آبيل إلى الشرطة يخبرها بما يحدث، وحين يكتشف هانس ما فعله آبيل ولا يجد مهرباً أمامه لا يكون من شأنه إلا أن يبتلع حبة تضم سم السيانور القاتل. لقد فضل الانتحار على أن يستسلم للشرطة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

الانقلاب والنهاية المفتوحة

في تلك الأثناء يكون هتلر ونازيوه قد قاموا بانقلابهم الفاشل في المدينة، غير أن آبيل لن يعرف بالأمر إلا بعد أيام؛ إذ إن الأحداث المتلاحقة التي شارك فيها أدت إلى إصابته. وحين يخرج آبيل من غيبوبته في العيادة يطلب من السلطات إرساله إلى سويسرا بالنظر إلى أن "بيضة الثعبان" لا تزال لم تفقس بعد وستفقس حتماً، غير أن الأمور لن تنتهي هنا، حيث إن برغمان آثر أن يبقي أحداث فيلمه مفتوحة كما حال التاريخ نفسه، ويكون المشهد النهائي في الطريق إلى المحطة التي ينبغي أن يستقل آبيل القطار منها إلى سويسرا.

واضح من خلال روايتنا لأحداث هذا الفيلم أنها لا تبدو على الإطلاق من نوع تلك الأحداث التي اعتاد برغمان أن تدور أفلامه حولها. ومع ذلك لا بد من الإشارة إلى أن الفيلم يبقى برغمانياً تماماً في لغته السينمائية، وفي التباساته وانفتاحه على التاريخ، علماً بأن تلك كانت المرة الأولى التي صور فيها المعلم السويدي فيلماً بالإنجليزية، كما أنها كانت المرة الأولى التي يعود فيها بعد غياب طويل إلى تلك السينما التعبيرية التي طبعت عديداً من أفلامه الأولى، وبالتالي يبتعد بعض الشيء عن تلك الحميمية التي كانت تدفعه إلى اعتماد اللقطات المقربة التي تشتغل على تأملات شخصياته وسبرهم السيكولوجي الداخلي. هنا في "بيضة الثعبان" تشغل المشاهد العامة والحركة الدائمة للشخصيات والمجابهات مكاناً أساسياً. ناهيك بأن برغمان، بفضل ميزانية ضخمة أمّنها له المنتج دينو دي لورانتس، تمكن من أن يضفي على أجواء فيلمه، ولا سيما من خلال ديكورات بادية الدقة في نقلها للمشهد المديني الذي كانت عليه ميونيخ، مهد الحركة النازية لاحقاً، في تلك الأزمنة، ديكورات أعاد فيها المصمم الشهير رولف زيبيتباور الإنجازات التي كانت أمّنت له أوسكار بفضل اشتغاله على ديكورات تصور مدينة برلين في سنوات الثلاثين، في فيلم "كاباريه" من إخراج بوب فوس.

والحقيقة أن كل هذه العناصر على الرغم من التصوير الذي قام به سفن نيكفست، وحضور ليف أولمان، ولكن انطلاقاً من وجود غيرت فروب وديفيد كارادين وغيرهما من الممثلين "الكوزموبوليتيين" في الفيلم، كل هذا جعل الحضور البرغماني يبدو شاحباً في نهاية الأمر في فيلم من المؤكد أن نجاحه وصدقيته كانا سيبدوان أكثر قوة لم لو يكن فيلماً برغمانياً. فهل علينا أن نقول إن برغمان قد شعر بذلك كله وسارع بعد تجربة تالية مشابهة، في "سوناتا الخريف"، لتقصير منفاه والعودة إلى السويد، مهد سينماه الحقيقية وملعبها الأثير؟

المزيد من ثقافة