Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

لعنة الديمقراطية: تغيير السياسات أم المجتمعات؟

"السوشيل ميديا" سلطة خامسة بمزاج معجون بخلفيات سياسية وعقائدية وانحيازات

السلطة الخامسة في العالم اليوم (سوشيل ميديا)

ملخص

الذين يمتدحون منصات "السوشيل ميديا"، في كونها وفرت نوافذ واسعة للتعبير لم تكن ممكنة من قبل، بهذا الاتساع وهذه "الثقة المبرمة" في النقد والاحتجاج، ينسون أو يتغافلون عن الأضرار الفادحة (وهي ليست جانبية بل هيكلية) التي لحقت بالدولة والمجتمع في الآن نفسه.

"السوشيل ميديا" التي تحولت إلى سلطة خامسة (التحولات الرقمية سلطة سادسة) أعطت مستخدمي المنصات المتعددة مساحات مفرطة لإبداء الرأي في كل شيء على قاعدة: "يعجبني ولا يعجبني"، من دون أي ضوابط أو أي قوانين أو أي مناهج. القاعدة الوحيدة هي المزاج المعجون في شكل غريب بخلفيات سياسية وعقائدية وانحيازات واصطفافات ما أكثرها في العالم العربي الممتد من الماء إلى الصحراء.

ابتلاءات الديمقراطية

وقد "ابتليت" البلدان التي تتوفر على مقدار نسبي من ديمقراطية التعبير بجيش من الشكائين البكائين الذين يعملون بدأب، من أجل رفع فكرة أو تقويض أخرى.

والأمثلة على ذلك كثيرة. فمع وجود تلك الحرية النسبية، وجد مستخدمو "السوشيال ميديا"،  وبخاصة "فيسبوك" في الأردن مثلاً، أنفسهم جالسين "على ركبة ونص"، للحكومة ومؤسسات الدولة الرسمية وغير الرسمية من أجل مطابقة قرارت هذه المؤسسات مع ما يعجب الجالسين خلف الشاشات، مما خلق نوعاً من استلاب الدولة تجاه فئات مجتمعية ذات صوت عالٍ ومؤثر، وإن لم يؤثر فإنه يصدّع الرأس.

لا يمر أسبوع حتى ينفجر حدث يصبح في غضون ساعات قليلة "ترند" فتضطر الحكومة وأجهزتها للدخول على الخط، وتوضيح رأيها الذي يبدو في أكثر الأحيان (ومن خلال تحليل الخطاب) ضعيفاً واسترضائياً ومليئاً بالوعود المرتجفة بأننا سنحقق في الأمر، وسيلقى المقصرون عقابهم.

حبّة ثلج تتدحرج

الأنكى من ذلك أنّ غالبية التخرّصات ضد أجهزة الدولة تتم من دون تدقيق، فالاتهامات تساق بالتبعية، وكل واحد من الجالسين خلف الشاشات يضيف من خياله ما يجعل حبة الثلج تتدحرج حتى تصبح كرة كبيرة. وكان من أبرز ما حدث أخيراً في الأردن الادعاء بأنّ حفلاً غنائياً لعدد من السياح شاركت فيه راقصة قد جرى في منزل الشريف الحسين بن علي (مفجر الثورة العربية الكبرى 1916).

سلطة العقبة الاقتصادية الخاصة، اضطرت لبيان أنّ الحفل لم يجرِ في بيت الشريف، وإنما في المساحة المخصصة للفعاليات السياحية في قلعة العقبة الأثرية، ونظمته شركة خاصة، لعدد محدود من السياح. بيْد أن هذا التوضيح لم يأبه به أحد، وظل يطلق على الحادثة "الحفل الراقص في بيت الشريف"، حتى وصل الأمر إلى البرلمان الذي طالب أعضاؤه عن محافظة العقبة، رئيس الوزراء بـ "فتح تحقيق عاجل حول إقامة حفل رقص شرقي خادش للحياء".

واعتبر النواب، في بيانهم، أنّ ما حدث يُعدّ "فعلاً مخالفاً للدين وقيم المجتمع الأردني المحافظ، وانتهاكاً للدستور الذي ينص على صون الآداب العامة"، فضلاً عن كونه "تجاوزاً خطيراً على أعراف وتقاليد أبناء العقبة وأبناء الأردن عامة".

دعوة للعيش في الكهف

لا تستحق هذا اللغة التحليل المعمق، فهي مكشوفة، وتعبر عن أجندة عقائدية وحزبية ترى، كما تجلى في التعليقات اللاحقة، أنّ الرقص حرام، وأنّ الغناء مذموم، إلى آخر المصفوفة التي قد تصل إلى تحريم الحياة والفرح، والدعوة إلى العيش في الكهف.

ومن الضرورة التنويه إلى أنّ هؤلاء هم أنفسهم الذين يحرّمون انعقاد مهرجان جرش، باعتباره مكاناً "للتعري والاختلاط"، وتتردد هذه المعزوفة المشروخة في كل تظاهرة فيها أنفاس حرية اجتماعية وكسر قواعد الملل الوطني العام، والاشتباك مع الحضارات.

ويستطيع المرء أن يقدّر أنّ أحد أسباب نفور السياح من زيارة الأردن عائد إلى هذا التحجر، والحكم على مجريات الأحداث بذهنية فقهية، فضلاً عن التزمت الاجتماعي الذي يشمل غير المتدينين العقائديين، بل يمتد إلى مساحات أخرى تسيطر فيها القيم العشائرية، والتقسيمات المناطقية، ما يستدعي (على سبيل الفانتازيا) تغيير الشعوب لتتقبل تغيير السياسات ونشدانها الالتحام بقيم العصر وثقافته.

أخلاقيات العيش

قبل "السوشيل ميديا" كانت هناك "سلطة الرأي العام"، وكان يحسب لها حساب شديد، لأنها كانت تعبر عن أفكارها المسؤولة من خلال منصات رصينة أو مسيطَر عليها أخلاقياً، وعرفت تلك المنصات أخلاقيات العيش قبل أن ترفعه الجماعات المؤدلجة ذريعة في وجه الخصوم، وأذكر أنني كنت أعمل في صحيفة يومية، وكان نائب رئيس التحرير فيها يردد "جريدتنا سلعة آمنة تدخل كل البيوت ويقرأها جميع الأفراد" في إشارة بليغة إلى المحافظة على التوازنات القيمية من دون المساس بجوهر الحياة وغايات الفن السامية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

بعد "السوشيل ميديا" دُوهمنا بثورة الذكاء الاصطناعي (السلطة السادسة) التي تستبطن في أحشائها كل الذكاءات الممكنة، بحيث ربما لا تتلوها سلطة أخرى. ولم تنفك هذه الثورة تغذي جمهور المنصات بالدعم اللوجستي "الرهيب" الذي لا يتوقف عند تزييف جزء من الحقيقة، بل إنتاج "حقيقة" جديدة تربك اليقين وقد تطيحه.

إنتاج "الحقائق" وإعادة محو الفارق الهش بينها وبين "الحقائق الحقيقية" سيعمق هيمنة أصحاب الأجندات، أو هواة المعارضة الطامحين بإقامة "شرعية شعبية" تتقوى بالتكنولوجيا، وتشن غزواتها التقنية ضد الدولة والمجتمع وضد ذاتها، ما لم يستيقظ العقل الراشد من سباته، ويسيطر على سلامة القارب قبل أن يغرق بمن فيه.

بندقية محشوة بالرصاص

الديمقراطية من دون ثقافة نقدية، ومن دون قبول بالاختلاف، وإيمان بالتعدد، تصبح كمن يعطي بندقية محشوة بالرصاص إلى طفل. الديمقراطية تحتاج إلى تدريب وتأهيل، لأنّ ما نظنه تطبيقاً للديمقراطية من خلال صناديق الاقتراع ليس إلا القشور، ولطالما أفرزت تلك الصناديق قادة وممثلين نحروا الديمقراطية من الوريد إلى الوريد، وأودوا بشعوبهم وبلدانهم إلى التهلكة والاحتراب والتمزق.

 هل يعني ذلك، في ضوء (أو عتمة) ما تقدم أن نلعن الديمقراطية بصيغها الشائهة التي تمثلناها، لأننا نزلنا على أرضها بـ"البارشوتات"، ولم نرضع حليبها من أثداء مناهجنا ومدارسنا وأدواتنا التربوية ورموزنا الإنسانية الملهمة؟

مهما قسونا على الديمقراطية فلن يكون ملجأنا الكبير هو الطغيان، فقد أورثنا الأخير وما يزال أهوالاً وكوارث أين منها "نعيم" الديمقراطية الموعود؟

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة