Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ثلاثة أسابيع حاسمة قبل الأول من سبتمبر

لبنان على مفترق بعد تفجير عاصمته

تظاهرة وسط بيروت تدين القيادات السياسية بشأن انفجار لبنان الأخير (أ ف ب)

سترسم تطورات الأيام الفاصلة عن نهاية الشهر الحالي نتائج الاحتقان السائد في لبنان إثر تفجير الرابع من أغسطس (آب)، الذي توّج حقبة حكم سلطة تحالف الميليشيات والفساد.

لقد دمر الانفجار نصف بيروت في ثوانٍ، وقضى على مرفأها المزدهر منذ نهاية القرن التاسع عشر، وأوقع ألوف القتلى والجرحى، بين سكان اعتقدوا أن جدران منازلهم تحميهم، وعمال وموظفين أصابهم التفجير في أماكن عملهم.

واكتسب الانفجار غير المسبوق رمزية خاصة لأسباب عدة، فأحد أسبابه المعلنة الإهمال والتواطؤ الوظيفي في مصادرة وتخزين مواد قابلة للتفجير طوال سنوات، وإذا أضيف إلى هذا أن المواد قد تكون جزءاً من واردات حزب الله وإيران والنظام السوري من المادة التي تستخدم في صنع الرؤوس والبراميل المتفجرة، فإن حلقة تواطؤ الميليشيات والفساد تكتمل بتفاصيلها وامتداداتها المتشعبة والمتجذّرة في بنية السلطة، من الأمن إلى القضاء فالإعلام وصولاً إلى مَن يسمون رجال دين مستعدين لترجمة الموقف السياسي والأمني بإسقاطات إلهية خاصة تخدم تأبيد حالة التسلط والانهيار.

بدت بيروت لحظة الانفجار يتيمة في غياب مسؤولين يهرعون إلى شوارعها، فقادة التحالف المتسلط إما في مخابئهم أو قصورهم. وفي الأحياء والمرفأ المُدَمَرْ شعبٌ هائم يبحثُ عن مشفى أو عن أحباء له اختفوا، وعلى عكس حالات سابقة أقل أهمية وخطورة، حرص ممثلو هذا التحالف على تبرئة إسرائيل وتحييدها عن احتمال التسبب بالتفجير، مع أنها وبلسان رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو كانت أبرزت منذ عامين "وثائق" عن سيطرة حزب الله على المرفأ وتخزينه السلاح والذخائر فيه، إلى جانب أماكن أخرى في العاصمة وضواحيها، ثم عادت وكررت تحذيراتها بهذا الخصوص بجلسة لمجلس الأمن الدولي قبل عامٍ تماماً في يوليو (تموز) الماضي.

كان الهدف من هذا السلوك إبعاد حزب الله عن المسؤولية في التسبب بالكارثة وحصرها ببضعة موظفين أخطأوا في تخزين مواد خطرة وأهملوا متابعتها، وتبرير امتناع الحزب إياه عن الرد، وهو الذي اعتاد التهديد بردع العدو، وكان يستعد لانتقام مزلزل قبل أيام رداً على مصرع أحد عناصره في سوريا أثناء غارةٍ للطيران الإسرائيلي.

والغاية من كل ذلك بدت واضحة؛ توفير الظروف لاستمرار التركيبة السلطوية في الحكم، هي التي يقودها حزب الله ونظّمها في حكومة الرد على انتفاضة "17 تشرين" ضد الهدر والفساد ومن أجل استعادة الدولة بمؤسساتها الشرعية، ولو أدى ذلك إلى قمع اللبنانيين، بمن فيهم الضحايا والجرحى، وهو ما حصل في الأيام الأخيرة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

هزَّ انفجار واجهة بيروت العالم بأجمعه، وبدا أن لبنان المعزول بأزماته استعاد في لحظة احتضان المجتمع الدولي وتعاطفه. تخطى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون نظرية ترك البلد يحل مشكلاته وحضَرَ شخصياً ليكرر على مسمع أركان التحالف الحاكم ومعارضيهم ملاحظاتٍ كان حمَلَها وزير خارجيته ايڤ لودريان قبل أيام، قال لهم عليكم أن تبنوا دولة وأن تقروا الإصلاحات على طريق تغييرٍ سياسي حقيقي.

ووبّخَ ماكرون محدثيه الرسميين وتحوّلَ زعيماً شعبياً في الشوارع التي غابوا عنها، وتحولت مبادرته السياسية الإنسانية إلى كرة ثلج، فتمكن في أيام قليلة من جمع العالم في مؤتمر دعم إنساني للبنان برعاية الأمم المتحدة.

وفيما هبَّت الدول العربية إلى تقديم المساعدات، وتدفق مثلها من دولٍ عدة حول العالم، كانت كلمات ماكرون أنه عائد في الأول من سبتمبر (أيلول) إلى بيروت تصدحُ في أذهان اللبنانيين. فالموعد هو ذكرى مئوية إعلان دولة لبنان الكبير، المناسبة التي استجابت فيها دولة الانتداب الفرنسي لمطلب غالبية اللبنانيين بإقامة دولتهم المستقلة، هي التي سنّت لنفسها أول دستورٍ جمهوري في العالم العربي 1926، بعد الدستور المصري 1923، الذي وُضع أعقاب ثورة سعد زغلول.

وكان ماكرون، القادم باسم فرنسا والاتحاد الأوروبي، واضحاً في طلبه إجراء تغيير في لبنان، وتلبية العالم بما في ذلك الولايات المتحدة وجامعة الدول العربية طلبه عقد المؤتمر العالمي من أجل لبنان، الأمر الذي أضاف بُعداً دولياً للشروط التي اقترحها للإنقاذ، وهذا ما يضع الكرة في ملعب اللبنانيين مجدداً، إذ عليهم أن يقرروا ما يريدون ضمن مُهلة رمزية يتم في نهايتها الاحتفال بتجديد العقد الموقّع قبل مئة عام، ليستأنف لبنان مسيرة البناء التي أسقطتها هيمنة الفساد والميليشيا على الدولة.

لقد استأنف جمهور اللبنانيين احتجاجاته بقوة بعد التفجير "الزلزال"، في استمرار لانتفاضته المستمرة منذ 17 أكتوبر (تشرين الأول)، مُزَوداً بغضب عميق وشامل، وأملٍ متجدد بتحقيق تغييرٍ ما، غير أن قوى السلطة لا يبدو أنها استوعبت ما جرى، فالأمين العام لحزب الله حسن نصر الله خرج مبتسماً بعد الكارثة ليعلن أنه لا يعرف شيئاً عن مرفأ بيروت، فيما خرج باكياً بعد مقتل قاسم سليماني عارفاً ومهدداً الأميركيين واحداً واحداً في أوكار المنطقة، وعندما احتشد ألوف المحتجين في شوارع بيروت المدمرة رعى تظاهرات تهتف "شيعة... شيعة"، في رغبة حاسمة بإغراق المطالب الطبيعية والإنسانية للبنانيين في جورة التوتير المذهبي.

لم يتغيّر حزب الله حتى يتغيَّر حلفاؤه وأنصاره في الحكومة، فرغم كل شيء لا يزال رئيس تلك الحكومة مصراً على الاستمرار في موقعه بانتظار اتفاق الفرقاء، وهو اتفاق مصيره رهن قرار من جاء به وزيراً أول.

المزيد من آراء