Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

قضية سد النهضة الإثيوبي: اتفاقيات وحروب للسيطرة على "الذهب الأزرق"

70 عاما من الصراع على مياه النيل بين السدين "العالي" المصري و"الكبير" الإثيوبي

سياسات الصراع المائي لم تنفصل يوما عن النزاع والحروب  (أ ف ب)

يمتد الصراع المائي الراهن بين إثيوبيا ومصر على النيل إلى منتصف خمسينيات القرن الماضي على أقل تقدير، وكاد خلال السبعينيات والثمانينيات يتحول إلى حرب فعلية بين البلدين بسبب مشروعات السدود، وليس مجرد التلويح والتهديد باستخدام القوة كما جرت العادة من الطرفين خلال العقد الأخير الذي شهد مراحل ماراثون المفاوضات المتعثرة بين مصر والسودان وإثيوبيا حول سد النهضة الإثيوبي الكبير.

علاوة على ذلك، ظلت سياسات الصراع المائي غير منفصلة بشكل كامل عن الحروب والنزاعات التي خاضتها أو التحولات التي شهدتها البلدان ونتائجها وانعكاساتها طوال تلك الحقبة التاريخية، بغض النظر عن علاقة تلك الحروب مباشرة بالذهب الأزرق، بحسب مراقبين.

استدعت سنوات المفاوضات المتعثرة حول سد النهضة الإثيوبي جذور الصراع المائي بين دول منابع ومصب نهر النيل، الممتدة إلى حقبة الاستعمار الغربي للقارة الأفريقية وما شهدته من اتفاقيات بين دول حوض النيل، وصولاً إلى إنشاء السد العالي في مصر الذي لم يكن أول السدود المقامة على النيل، حيث سبقه العديد من المشروعات مثل، خزان سينار وسد الروصيرص، قبل أن يلحق به سد فنشا الإثيوبي على النيل الأزرق الذي ينبع من بحيرة تانا بالهضبة الإثيوبية، لكن بناء السد العالي أصبح نقطة تحول خلال العقود الماضية، إذ وقعت مصر والسودان عقب الاستقلال عن التاج البريطاني وبمناسبة إنشاء السد المصري، اتفاقاً لتقاسم مياه النيل بمنأى عن إثيوبيا التي حاولت بالفعل الانضمام للاتفاقية الموقعة عام 1959 والتي جاءت مكمّلة لاتفاقية عام 1929 التي وقعتها بريطانيا نيابة عن دول حوض النيل مع الحكومة المصرية لضمان حصتها المكتسبة تاريخياً من مياه النيل وحقها الحصري في الاعتراض على أي مشروع مائي ترى أنه يضر بحقوقها ومصالحها المائية.

 

حروب المياه.. قديمة قدم النيل

يقول وزير الموارد المائية والري المصري الأسبق محمد نصرالدين علام، إن "الصراع المائي حول النيل قديم قدم النهر، فمنذ عهد الفراعنة هناك حروب تتعلق بالمياه وحفظ حقوق مصر منها، واستمرت أيام حكم المماليك وأسرة محمد علي مروراً بالحروب الصليبية والاحتلال البريطاني والأوروبي لمصر والسودان ومعظم دول منابع النهر، وفي العصر الحديث تجددت الخلافات مع بناء السد العالي، لكن الخلافات لها جذور تاريخية منذ آلاف السنين، والخلاف ظل دائماً سياسياً، وليس فنياً أو مائياً بالمعنى الضيق".

ويضيف علام، أن "موضوع السد العالي كان بداية الخلاف وتحديدا عام 1954 حين خرجت إلى النور تصميمات السد، قبل بدء البناء عام 1960، وأيضاً قبل تأميم قناة السويس عام 1956 ووقوع حرب السويس أو العدوان الثلاثي على مصر في نفس العام، فتحالفت إثيوبيا مع القوى الاستعمارية وهما بريطانيا وفرنسا في ذلك الوقت في إطار ما عُرف وقتها بنادي باريس من أجل وقف تأميم قناة السويس، وجاء وفد من النادي قابل عبدالناصر، وقال له إن الاختيار واضح: إما إلغاء التأميم أو تحويل قناة السويس إلى مجرى ملاحي دولي، فكانت بدايات الخلافات السياسية مع إثيوبيا التي كانت تدعم حلف بغداد وانضمت لاتفاقية الرمح الثلاثي التي شملت أيضاً تركيا وإيران وإسرائيل، ولكن ناصر أسقط حلف بغداد، وظلت الخلافات السياسية، وكان من أدواته محطة إذاعية مصرية موجهة بالأمهرية، حيث كان لمصر تأثير قوي ودور أفريقي قيادي في ظل الحقبة الناصرية". 

ويروي وزير الري الأسبق أن "الإمبراطور هيلا سيلاسي تحدث مع عبدالناصر وكانت تجمعهما علاقة جيدة، وجاء إلى مصر في زيارة تاريخية وهدأت الأمور نسبياً، واتفق عبدالناصر وهيلا سيلاسي على عدم إنشاء مشروعات مائية تضر بمصر، ولكن الولايات المتحدة الأميركية عن طريق مكتب استصلاح الأراضي (وكالة فدرالية تابعة لوزارة الداخلية الأميركية) كانوا قد درسوا المنشآت الممكن إقامتها لإفساد مشروع السد العالي، لأن عبدالناصر عمله من أجل إنهاء السيطرة الاستعمارية لبريطانيا على مياه النيل، وبحيث لا يكون هناك تحكم في مياه النيل من خارج دول الحوض، فضلاً عن تأثير نجاح السد المصري في كسر إرادة واشنطن الساعية لعرقلة المشروع بكل الطرق الممكنة".

وتابع "خلال اتفاقية 1959 بين مصر والسودان، حاول الإثيوبيون الدخول في اتفاق للحصول على حصة، لكن عبدالناصر استند إلى اتفاق 1902 و1929 في تحركه واتفاقه مع السودان حينها، وكانت إثيوبيا بالفعل طرفاً في الاتفاقيات القديمة، وحصل ناصر على قرضين روسيين عامي 1958 و1960. ورغم التعهد الإثيوبي بعدم إقامة المشروعات الضخمة، بدأ يتجدد الحديث أيام الرئيس الراحل أنور السادات عن السد الضخم، وحدث تهديد بالحرب عام 1979، وكان هناك حكم يساري شيوعي يحكم إثيوبيا، ولذلك وقفت الولايات المتحدة مع مصر التي كانت علاقتها مع واشنطن تشهد تحسناً غير مسبوق، في ظل الاستقطاب الدولي خلال الحرب الباردة، فالولايات المتحدة دعمت مصر نتيجة رغبتها في مواجهة الحكومة الشيوعية". وأشار علام إلى أنه "بعد ما هددت مصر باستخدام القوة العسكرية مجدداً خلال الثمانينيات، توصلنا إلى تفاهم عام 1993 وهو اتفاق ينص على عدم الإضرار والتعاون والتنسيق بين الدولتين في شؤون مياه النيل".

ومن جانبها، قالت الباحثة نيما خورامي في مقال بعنوان "مأزق على النيل" نشره مركز كارنيغي للشرق الأوسط، إنه "لطالما كان النيل، على مر تاريخه، مصدراً للخلاف السياسي بين مصر وإثيوبيا. كادت تندلع حرب بين البلدَين عام 1979، عندما ردّت مصر على المساعي الإثيوبية لبناء سدّ من خلال حشد قواتها في السودان. لوحت مصر باللجوء إلى العمل العسكري ضد إثيوبيا عام 1994 أيضاً، حين كشفت أديس أبابا عن خطط لبناء سد عند نهر النيل".

أوضحت خورامي أن اصطدام المحادثات بين مصر وإثيوبيا والسودان بحائط مسدود، أثار قلقاً دولياً من "احتمال نشوب حرب أو احتدام التشنّجات في حال عدم التوصل إلى اتفاق. فاندلاع نزاع، بين حليفَين للولايات المتحدة في المنطقة، يُعرّض حياة ملايين المدنيين للخطر، ويلحق الأذى بمصداقية الولايات المتحدة وعملياتها لمكافحة الإرهاب في القرن الأفريقي".

 

صراع السدود يخنق النهر

يقول هاني رسلان الباحث المصري المختص بشؤون السودان ودول حوض النيل، إن "الخلافات الحديثة بدأت منذ الخمسينيات عندما ظهرت فكرة إنشاء السد العالي في مصر، فحدثت مشاكل في التمويل بين البنك الدولي والرئيس المصري الراحل جمال عبدالناصر الذي تمكن من الحصول على تمويل روسي للسد في ظل الرفض الأميركي لدعم المشروع ولجوء ناصر إلى تأميم قناة السويس في المقابل، كما وقعنا اتفاقية عام 1959 مع السودان بعد الاستقلال وكانت الاتفاقية بخصوص إنشاء السد العالي، لأن بحيرة السد تكون جزءاً منها في الأراضي السودانية، فمصر أنشأت سدها باتفاق مع السودان، وقامت بتعويضه عن الأضرار، وزيادة حصته من المياه من خلال المياه التي يوفرها السد العالي".

ويوضح وزير المياه المصري الأسبق نصر علام أن " دراسة المشروعات المائية في إثيوبيا استمرت خلال الخمسينيات، وفي عام 1964 انتهت الولايات المتحدة من الدراسات الخاصة بأربعة سدود كبرى على النيل الأزرق بسعة 70 مليار متر مكعب من أجل إفساد مشروع السد العالي، وتم تنفيذ عدد من المشروعات، منها سد فينشا على نهر فينشا، أحد روافد النيل الأزرق ليبدأ العمل في بداية السبعينيات، وسد النهضة وكان اسمه حينها "سد الحدود" وفقاً للدراسات الأميركية، وسعته 11 مليار متر من المياه فقط في ذلك الوقت، وليس 74 مليارا كما هو الحال الآن".

وعلى الوجه المقابل، يرى الأكاديمي الإثيوبي والمحاضر في القانون الدولي ديجن يماني مسيلي، أنه نظراً لغياب اتفاق يشمل كافة دول الحوض لتنظيم الانتفاع بالنهر وإدارته، تعمل دول المنابع على إنشاء مشاريعها وتشغيلها بشكل أحادي واستناداً إلى فهمهم لحقوقهم في مياه النيل، كما أن "المشكلة مع مصر ليس في إنشائها للمشاريع المائية على نهر النيل، ولكن مشكلتها في نهجها القائم على منع حقوق الآخرين، من خلال بناء عدد من المشارع التي تستهلك المياه. علاوة على ذلك، تمارس بعض "الألاعيب السياسية غير القانونية" لمنع الآخرين من استخدام النهر، مثل تدخلها في الحق السيادي للآخرين للانتفاع بالنهر، فمصر تريد استخدام النهر وفقاً للاعتبارات الجيوسياسية وليس في نطاق القانون الدولي. مصر لا تدفع أبداً تكاليف الحفاظ على روافد نهر النيل وحمايتها، إنها تقوم فقط "باستغلال المورد"، إنني أتساءل إذا كانت مصر تعلم بتعرض بحيرة تانا (منبع النيل الأزرق) لغزو نبات ورد النيل باستمرار أم لا".

أما أمانئيل قبرمدهن، الإثيوبي المتخصص في الشؤون الدبلوماسية والدولية، فيقول: إن "بلاده سعت منذ عام 1990 إلى وضع خطط استغلال مواردها الطبيعية، وبالتالي تسريع مساعيها التنموية، وكان نهر النيل إحدى الأولويات الرئيسية"، مضيفاً "رغم أن إثيوبيا واجهت كثيراً من التحديات وبخاصة من مصر، فقد استطاعت بناء العديد من مشروعات الطاقة، مثل سد تيكيزي (على نهر عطبرة وهو أحد روافد النيل) ومشروع تانا بليسه لتوليد الكهرباء (سد تانا على نهر أومو)، ومشروع سد النهضة الإثيوبي الكبير الذي تقوم إثيوبيا ببنائه في ظل ضغوط من اتجاهات مختلفة".

 

 

حصص المياه حائرة بين الاستخدام العادل والحق التاريخي

يعاني النظام الإقليمي لحوض نهر النيل من خلوه من أي اتفاق عام وشامل يحدد معايير تقاسم مياه النهر، باستثناء اتفاقيتي 1929، و1959، الموقعتين بين مصر والسودان، بشأن تحديد عملية تقاسم الإيرادات المائية لنهر النيل. ويرى أيمن شبانة أستاذ العلوم السياسية بكلية الدراسات الأفريقية العليا بجامعة القاهرة، أن مسألة "تقاسم مياه النيل" ظلت القضية الخلافية الأساسية بين دول الحوض، مما أدى إلى تبلور نوع من الاستقطاب في المواقف بين دول المنابع بوجه عام على اختلاف توجهاتها، ودولتي المصب مصر والسودان، مشيراً إلى أن تقاسم المياه بين دول حوض النيل ظل يتبع في الغالب معيار "التقاسم بحسب الاحتياجات السكانية" والاستخدامات السابقة والحالية للمياه أو ما يمكن تسمته معيار أو مبدأ "الحقوق التاريخية المكتسبة". 

وتابع شبانة، في إطار اتفاقيتي 1929 و1959 تم التقاسم حسب الحاجة، حيث اعتبرت مصر والسودان أن هذا يضمن الاستخدام العادل والمنصف لموارد النهر، دون المساس بالحقوق التاريخية المكتسبة، باعتبار أن هذه الحقوق غير قابلة للانتقاص، وليست محلاً للتفاوض المستقبلي، وأن أي مفاوضات بشأن التقاسم العادل والمنصف يجب أن تكون بالنسبة لإيرادات النهر المستقبلية فحسب، كما تكشف خبرة البلدين تمسكهما بمعايير درجة اعتماد السكان على مياه النهر، والاستخدامات السابقة (التاريخية)، والقائمة والمحتملة للنهر، ومدى توافر المصادر المائية الأخرى".

في مقابل ذلك، ترى دول المنابع أن الأساس العادل لتقاسم مياه النيل يرتكز إلى معيارين اثنين هما: مساحة حوض النهر الذي يمر عبر أراضي الدولة، ومساهمة كل دولة في الإيراد المائي للنهر، "باعتبارهما ضمن المعايير الخمسة التي وردت في إطار قواعد هلسنكي للعام 1966، والتي تشمل أيضاً احترام الحقوق التاريخية والمكتسبة للدول المنتفعة، والالتزام بالتشاور المسبق بين الدول المشتركة في الأنهار الدولية"، بحسب شبانة.

تعتبر إثيوبيا أن اتفاقيات تقاسم المياه بين مصر والسودان "مجحفة" بحقوق دول المنابع التي تسهم بالقسط الأكبر من مياه النيل، بينما ترى دولتا المصب أنه لا يمكن الاعتماد على معيار مساهمة كل دولة في مياه النهر، إذ لا تقدم مصر كدولة مصب أي مساهمة في الإيراد المائي السنوي للنهر، بينما تبلغ نسبة مساهمة السودان 1 بالمئة فقط. وفي هذا الصدد يقول أمانئيل قبرمدهن، إن جوهر الخلاف بين مصر وإثيوبيا والسودان يكمن في تحقيق الاستخدام العادل لمياه النيل، في ظل "حرمان" بلاده من الاستفادة من مياه النهر الذي تساهم في إنتاج 86 بالمئة منها، ولكنها لم تحقق الاستفادة منها نتيجة الاتفاقيات الموقعة بين مصر والسودان دون مشاركة دول حوض النيل الأخرى، فضلاً عن غيرها من الاتفاقيات التي تم توقيعها خلال الحقبة الاستعمارية وترفضها إثيوبيا.

أما ديمان مسيلي فيرى "أن المسارات التاريخية للنزاعات حول استخدام نهر النيل تدل على وجود نهج الاستبعاد في عملية وضع القوانين المنظمة لتلك العملية، باعتبار النيل نهراً عابراً للحدود، ولا يخضع لأي قانون أو اتفاق شامل. أما بخصوص الاتفاق المبرم بين مصر والسودان عام 1959 فباطل قانونياً لسببين أولاً، أن بلدين فقط تستوليان بالكامل على مياه النيل، دون إثيوبيا المساهم الرئيسي في مياه النيل وغيرها من الدول المشاطئة في المنبع. ثانياً، ينتهك القانون الدولي، حيث تم إبرام الاتفاقية بعد الإطاحة بزعيم السودان، ولا يمكن للاتفاق الثنائي أن يُلزم غير الموقعين الآخرين".

يرى هاني رسلان في المقابل، أن "السد العالي وفر 32 مليار متر مكعب من المياه التي كانت تفقد في البحر المتوسط، يضيع منها 10 مليارات في عملية البخر، ويبقى نحو 22 مليار متر مكعب تحصل مصر على الثلث فقط منها، والثلثان للسودان الذي أصبحت حصته بعد إنشاء السد العالي 18 ملياراً، وحصلت مصر على 7.5 مليار متر مياه، وبالتالي أصبحت حصة مصر 55.5 مليار متر مكعب، بعد أن كانت 48 مليار متر مكعب، وهذا لا يضر إثيوبيا في شيء، بل هذا تقاسم للمياه التي تصل بالفعل إلى أسوان خلف السد العالي".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

الاتفاقيات الاستعمارية

يقول المحلل السياسي الإثيوبي ياسين أحمد بعقاي رئيس شبكة عين إثيوبيا الإعلامية، إن جذور الخلاف بين إثيوبيا ومصر ترجع إلى تقسيم مياه النيل خلال الاستعمار البريطاني لمصر والسودان، "الذي قسم مياه النيل بحيث يكون لمصر نصيب الأسد في مياه النيل، خلال الفترة التي وقعت فيها مصر والسودان تحت الاستعمار البريطاني، بينما لم تخضع إثيوبيا للاستعمار. وهكذا، حدثت تفاهمات بين الإمبراطور الإثيوبي مينلك الثاني وبريطانيا المستعمرة لمصر والسودان، وهي تفاهمات وليست اتفاقيات، وتتضمن أن الملك الإثيوبي تعهد بأنه لن يضر بمصر ولن يوقف بحيرة تانا، حيث تعهد بعدم ردم البحيرة وهي منبع النيل الأزرق في مدينة بحر دار في شمال إثيوبيا، وهذا مستحيل طبعاً، لكن كان ذلك تعهد الإمبراطور، ولم يكن تعهداً بعدم بناء السدود أو استخدام مياه النيل عبر المشروعات المائية لتوليد الكهرباء".

 

ويضيف بعقاي أن "إثيوبيا ترى في اتفاقيات تقاسم المياه وعلى رأسها التعهد الإثيوبي في عهد مينلك الثاني لبريطانيا أنها ليست اتفاقيات بين دول ذات سيادة، صحيح إثيوبيا كانت دولة مستقلة ولديها سيادة وطنية، ولكن مصر والسودان كانتا مستعمرتين، وبالتالي هذه الاتفاقيات التي تعهد فيها الإمبراطور بعدم ردم بحيرة تانا، وكذلك اتفاقيات تقاسم المياه تمت خلال الحقبة الاستعمارية، واتفاق 1929 تحكم في تقسيم مياه النيل، ولم تكن إثيوبيا طرفاً، إنما وقع المستعمر البريطاني الاتفاق حول تقاسم المياه والحدود أيضاً بما في ذلك إقليم أوجادين (إقليم صومالي أصبح جزءاً من إثيوبيا الحالية)، ثم جاءت اتفاقية 1959 في عهد جمال عبدالناصر بعد استقلال مصر والسودان، وإثيوبيا حاولت الانضمام إلى تلك الاتفاقية الثنائية وتم إقصاؤها، لأن مصر رفضت، ولذلك الاتفاقيات الثلاثة، 1902 و1929 و1959 لا تعترف بها إثيوبيا، وأيضاً هذه الاتفاقيات الثلاث ليس لها وزن في القانون الدولي، لأنها اتفاقيات ثنائية، وخاصة الاتفاقيات الأولى تحت الاستعمار، حيث وقعها وساقها المستعمر لخدمة مصالحه وهي اتفاقيات جائرة لأنها لا تخدم مصالح الدول، حتى وإن كانت مصر مستفيدة منها، حيث وقعها المستعمر البريطاني نيابة عن مصر، أما الاتفاق بين مصر والسودان بعد الاستقلال، فكان اتفاقاً ثنائياً بين دولتين، ولكن الطرف المهم وهو إثيوبيا منبع النيل الأزرق كان غائباً، وبالتالي هذه الاتفاقية غير ملزمة لإثيوبيا حتى على مستوى القانون الدولي، ونعتبرها أيضاً "غير قانونية وغير عادلة"، لأنها بين دولتين فقط، رغم أن دول حوض النيل وقت توقيعها كانت 10 دول".   

وفي هذا الصدد يضيف الباحث الإثيوبي قبرمدهن أن اتفاقية 1902 الموقعة بين بريطانيا وإثيوبيا، كانت اتفاقاً "حدودياً"، لكن بريطانيا وفي ظل استعمارها لمصر والسودان في ذلك الوقت، أضافت مادة بالاتفاق تنص على أنه "يجب أن تحصل إثيوبيا أولاً على إذن مصر إذا أرادت الاستفادة من نهر النيل"، وأضاف "هذا النص غير مقبول لأسباب مختلفة، أولها، أنه تم توقيعه بضغط من بريطانيا على الإمبراطور مينلك الثاني، وتم توقيع الاتفاقية بين قوتين غير متوازنتين، ولم يوافق عليه برلمان البلدين، كما أن اتفاق 1929 بين مصر والسودان حدد أيضاً حصص المياه بصورة غير عادلة ليس فقط بالنسبة لدول المنابع، ولكن أيضاً بالنسبة إلى السودان، حيث أعطى مصر 92 بالمئة من المياه وحصل السودان على 8 بالمئة، وقد نص الاتفاق الموقع بين البلدين على ضرورة موافقة مصر على أي مشروعات في دول المنابع، وهذا أيضاً أمر غير مقبول، أما بعد استقلال السودان، فجاء تعديل الاتفاق السابق بين السودان ومصر وتم تقاسم المياه بينهما بصورة غير منصفة حتى بين البلدين".

وتابع قبرمدهن "بصورة عامة، حاولت مصر خلال مختلف العصور أن تمنع إثيوبيا من استخدام مواردها الطبيعية، والتي تتمثل في الغالب في مياه النيل، وخلال مختلف الحقب التاريخية كان الغزو أو الاتفاقيات الاستعمارية، وبناء التحالفات، وممارسة الضغوط، والتدخل في الشؤون الإثيوبية وشن الحملات الدبلوماسية على المستوى الدولي، وسائل مصر لتحقيق ذلك، لكن ظل من المستحيل على الإطلاق إيقاف الإثيوبيين، وكما ذكر رئيس الوزراء الإثيوبي الراحل ميليس زيناوي علاقة البلدين مثل زواج قوي لا يُمحى بالطلاق، لذا يجب أن يظل التفاوض هو السبيل الوحيد لحل الخلافات بين البلدين".

أما الباحثة بمركز كارنيغي، فترى أن عوامل عدّة أسهمت في تأجيج هذا الخلاف التاريخي، بين دول المنابع والمصب، و"لكن اعتراف الحكومة البريطانية بحق مصر الطبيعي والتاريخي بمياه النيل عام 1929 من خلال المعاهدة الإنجليزية-المصرية شكّل دافعاً أساسياً للنزاع، إذ ألزم دول المنبع احترام هذه الحقوق. بيد أن القاهرة تتمسك بالإشارة إلى هذا البند بغية تبرير موقفها وتعزيزه. وهو أيضاً من الأسباب التي دفعت بإثيوبيا إلى اتخاذ القرار بتمويل سد النهضة كاملاً، وإلى رفض الوساطة الدولية، لأنها تفترض أن المجتمع الدولي سيصطف حكماً إلى جانب مصر. وكذلك أعربت السودان، مباشرةً بعد نيلها استقلالها، عن استيائها من بنود تقاسم المياه الواردة في معاهدة 1929. وكادت تخوض حرباً مع مصر على خلفية ما اعتبرته احتكاراً مصرياً غير منصف لمياه النيل. ولكن الخلاف بين الدولتَين وجد في نهاية المطاف طريقه إلى الحل من خلال توقيع اتفاق 1959 الذي نص على تخصيص 18.5 مليار متر مكعب للسودان و55.5 مليار متر مكعب لمصر سنوياً".

وفي مقابل الرفض الإثيوبي للاتفاقيات التاريخية حول مياه النيل باعتبارها مبرمة خلال الحقبة الاستعمارية، رغم كون إثيوبيا من الدول القليلة المستقلة خلال حقبة الاستعمار الأوروبي للقارة، قال رسلان، إن "اتفاقية 1902 تخص السودان وحدوده، وتخلى عنها عملياً لأنه سمح للإثيوبيين بالسيطرة على إقليم بني شنقول وبناء سد النهضة هناك أيضاً، وهو أرض سودانية وما زال النزاع الحدودي قائماً بين البلدين، ولكن هذه الاتفاقية تلزم إثيوبيا بألا تقيم أي منشآت على النيل الأزرق، أما اتفاقية 1959 فكانت مصر والسودان دولتين مستقلتين، ورغم ذلك ترفضها إثيوبيا، كما ترفض أيضاً اتفاقية 1929، لكن إذا نظرنا للعلاقات الثنائية بين إثيوبيا ومصر سنجد تفاهماً موقعاً عام 1993 يلزم إثيوبيا بعدم الإضرار بمصالح مصر المائية".

 

 

"شيطان عنتيبي" يكمن في تفاصيلها

قال إبراهيم ناصر، الباحث السوداني المختص بالشأن الأفريقي، في تصريح خاص، إن "الإطار التعاوني لدول حوض النيل أو اتفاقية عنتيبي وقعت عليها 4 دول بالأحرف الأولى وهي: إثيوبيا وأوغندا ورواندا وتنزانيا، وتحفظت مصر والسودان، وكذلك لم تحضر الكونغو ممثل وكينيا أيضاً دعمت الاتفاقية، ولكنها لم توقع عليها لأسباب فنية، وهذه الاتفاقية تمس حقوق مصر والسودان، حسب رأي القيادة في البلدين، لأنها لم تضمن حقوقهما التاريخية التي ضمنتها الاتفاقيات الموقعة بالعهد الاستعماري، ودول حوض النيل الشرقي والغربي تعتبر أن الاتفاقيات التاريخية عام 1902 و1929 وغيرها من الاتفاقيات الإطارية لم تضمن حقوقهم لأنها وقعت في وقت غابت فيه إرادتهم السياسية، ويعتبرون أنها منحت مصر والسودان حقوقهما كاملة وانتقصت حقوقهم. ومن خلال اتفاقية عنتيبي تعتقد تلك الدول أنها يمكن أن تستعيد حقوقها وفقا لرؤيتها، وهي اتفاقية جاءت بمبادرة من رئيس أوغندا، وهناك اتفاق عام حولها بين دول حوض النيل باستثناء مصر والسودان اللتين تعتبران أن الاتفاقية محقة بنسبة 90 بالمئة من بنودها، باستثناء بعض البنود مثل البند رقم (14 باء) الذي يمس الاتفاقيات التاريخية والحقوق التي حفظتها الاتفاقيات القديمة"، فيما يؤكد المشاركون بالمفاوضات حول تلك الاتفاقية أن الخلافات تشمل ثلاثة بنود تتعلق بالموافقة المسبقة حول المشروعات المائية، ومبدأ عدم الإضرار بحقوق دولتي المصب، وآلية اتخاذ القرارات بالأغلبية في مقابل تمسك مصر والسودان بمبدأ الإجماع أو التوافق (عدم اعتراض أي طرف)، ما تعتبره دول المنابع يمنح مصر والسودان حق "الفيتو".

وفيما يتعلق بالوضع الراهن لاتفاق عنتيبي محل الخلاف الرئيس بين دولتي المصب ودول المنابع، قال رسلان "تم وضع الإطار القانوني لمبادرة حوض النيل المعروفة باتفاق عنتيبي خلال سنوات من العمل القانوني والفني، ولكن اتفاق عنتيبي ظل الخلاف حوله متعلقاً بمبادئ الحفاظ على حقوق مصر المائية، أما أكثر من 95 بالمئة من الاتفاق فهي محل توافق، وقد قامت بعض دول المنابع بالتوقيع على الاتفاق منفردة، ولكنه لم يحصل على التصديقات اللازمة لدخوله حيز التنفيذ، وخلال السنوات الماضية قامت مصر بمحاولة الوصول لتوافق حول بنود الاتفاق، واستضافت أوغندا قمة دول حوض النيل بمشاركة الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، كمحاولة لتجاوز الخلافات حول اتفاقية عنتيبي، لكن عدداً من الزعماء لم يحضروا وأرسلوا وزراء نيابة عنهم نتيجة رفضهم للتوافق حول النصوص المقترحة من مصر لتجاوز الخلاف، ومن حضر من الزعماء كانت لهم مواقف سلبية، وفشلت القمة التي كانت تسعى لإنشاء مفوضية حوض النيل المعنية بتنفيذ مشروعات مائية على النيل وتوفير المياه والفواقد، وخاصة في الحوض الجنوبي وجنوب السودان".

وتابع رسلان "الدعاوى الإثيوبية بها مغالطات، لأنها تطالب بتطبيق مبدأ الاستخدام المنصف والمعقول، ومصر تقر هذا المبدأ، لكن مع تطبيق مبدأين آخرين وهما عدم إلحاق الضرر والإخطار المسبق بشأن المشروعات المائية، بينما إثيوبيا تهمل المبدأين بشكل كامل وعمدي، والسد المقام على النيل الأزرق مصر اعترفت به وبحق إثيوبيا في توليد الطاقة، وهذا ما يعني تطبيق مبدأ الاستخدام المنصف والمعقول، ولكن في المقابل لا توجد ضمانة لعدم إلحاق الضرر بتصميمهم على الوصول إلى اتفاق استرشادي يمكن تعديل بنوده بشكل منفرد، وليس اتفاقاً ملزماً، كما أن مصر شاركت في بناء بعض المشروعات المائية والسدود في السودان وعدد من دول حوض النيل وليس لديها اعتراض على مشروعات التنمية المعتمدة على مياه النهر".

وبدوره قال وزير الموارد المائية المصري الأسبق الذي رفضت القاهرة اتفاق الإطاري لدول حوض النيل في عهده، "حدثت أكثر من محاولة لبناء مشروعات مائية طوال العقود الماضية، وسارت الأمور حتى اتفاقية حوض النيل التي بدأت رسميا عام 1999، وحينها طالبت إثيوبيا باتفاقية جديدة تحكم المياه بدلاً من الاتفاقيات القديمة، وكانت مدعومة من البنك الدولي وخلال خمس سنوات تقريباً وصلوا لتحديد المشكلات الرئيسية التي بيننا وبقية دول حوض النيل بعد إعداد المسودات الخاصة بالاتفاقية، ومن هنا بدأت إثيوبيا تلعب مع مصر، حيث بنت سد تكيزي دون إذن مصر، وأنشأت نفقاً أسفل النهر دون إذن القاهرة التي لم تعترض أيضاً، والأخطر من ذلك كله كان إدخال مخطط المشاريع على النيل الأزرق في إطار مبادرة حوض النيل، وجرى إعداد دراسات جدوى للمشروعات الإثيوبية وشملت سدوداً أربعة كبرى بسعة 140 مليار متر مكعب من المياه كإجمالي مخزون السدود وأكبرها سد النهضة الذي كان له سعة محدودة في البداية، ولكن اتفاق عنتيبي رفضته القاهرة والخرطوم، وقمت كوزير للري بتعيين فريق خبراء لتحديد عيوب الاتفاقية وتأثيرها على حقوق مصر المائية، وهو بالمناسبة نفس فريق التفاوض الحالي، رفضنا اتفاق عنتيبي وكذلك الدراسة حول المشاريع الإثيوبية، ومنعنا مؤسسات التمويل الدولية من تمويلها. أنا وعمر سليمان (رئيس المخابرات العامة المصرية الراحل) كانت حكومة أديس أبابا تعتبرنا أشد أعداء إثيوبيا في ذلك الوقت، ولكن بدأ تفعيل اتفاق عنتيبي على الأرض رغم عدم توقيعه أو دخوله حيز التنفيذ القانوني، من خلال المشروعات المائية عن النيل الأزرق".

ويعتبر رسلان أن مصر بدأت التعاون المائي مع دول حوض النيل مبكراً، منذ إنشاء السد العالي وتوقيع اتفاق 1959 مع السودان "حيث تم استحداث الهيئة الفنية المشتركة لمياه النيل، لاتخاذ موقف موحد حول مياه النيل، والسودان يتجاوز هذا الاتفاق الذي يحتم اتخاذ موقف موحد بالتشاور داخل الهيئة بما يراعي مصالح الطرفين، والاتفاق كان ينص على تقاسم مصر والسودان أي نقص يحدث في الإيراد المائي نتيجة حصول دولة أخرى على كمية من المياه، بمعنى أنه يعالج أيضاً ما يمكن أن ينشأ في المستقبل من مشروعات تؤثر على حصة المياه". بينما يرى ناصر أن دول حوض النيل الغربي تريد الاستفادة من حقوقها المائية وتحتاج من السودان ومصر الدخول في مفاوضات جديدة للتوصل إلى اتفاق شامل حول النهر يراعي حقوق الطرفين ويتجاوز الخلافات المستعصية حول عنتيبي، مضيفاً "إثيوبيا من خلال ماراثون التفاوض حول سد النهضة تريد أن تقحم اتفاقية عنتيبي أو تفرض عنتيبي جديدة على مصر والسودان، لأن اتفاق 2015 أو إعلان المبادئ به نقاط عدم الإضرار والتقاسم المشترك وغيرها من النقاط المضمنة في عنتيبي، وإثيوبيا تريد فرض صياغة جديدة لاتفاقية عنتيبي استناداً إلى الإعلان، ولذلك هي قبلت بكل البنود وترفض الحقوق التاريخية التي تتمسك بها القاهرة والخرطوم".

 

هل يتحول النيل الأزرق إلى بحيرة إثيوبية؟

يجد النيل طريقه إلى العاصمة السودانية الخرطوم، حينما يلتقي "النيل الأزرق" مع توأمه الآخر "النيل الأبيض" قبل أن يستكملا رحلتهما معاً إلى مصر، لكن يظل النيل الأزرق هو المساهم الأكبر في تكوين النهر الخالد الذي يبلغ عمره قرابة 30 مليون سنة، بحسب أحدث دراسة جيولوجية عنه صادرة عن جامعة روما الثالثة، ولذا كان النيل الأزرق هو المستهدف بالسدود والخزانات في كل من إثيوبيا والسودان خلال العقود الماضية، وأبرزها بعد سد النهضة، سدا سنار والروصيرص السودانيان.

وخلال العام الماضي، وفور إعلان انتهاء إثيوبيا من الملء المقرر للعام الأول، قال وزير الخارجية الإثيوبي، إن النيل الأزرق تحول إلى بحيرة إثيوبية، وغرّد غيدو أندارجاشو قائلا: "النيل لنا"، مهنئاً مواطنيه بنجاح بلاده في بدء تخزين المياه، وقال في تغريدة باللغة الأمهرية على حسابه بموقع "تويتر"، "تهانينا، سابقاً كان النيل يتدفق، والآن أصبحت هناك بحيرة، ولن تتدفق مياهها نحو النهر، ومنها ستحصل إثيوبيا على تنميتها المنشودة. في الحقيقة.. النيل لنا".

وبدوره، أوضح بعقاي أن "النيل الأزرق ينبع من إثيوبيا وتحديداً من بحيرة تانا، ويوفر 85 بالمئة من مياه النيل، ومعظم البقية أي نحو 15 بالمئة من بحيرة فيكتوريا في أوغندا، وهناك أنهر مختلفة في إثيوبيا تصب في النيل الأزرق الذي يذهب عن طريق إقليم بني شنقول إلى السودان، حيث يلتقي مع النيل الأبيض في الخرطوم ثم إلى مصر، وبالتالي تكون إثيوبيا هي المنبع الأول للنيل".

وقال نادر نور الدين أستاذ الأراضي والمياه بجامعة القاهرة، إن إثيوبيا ليست في حاجة إلى الهيمنة المائية أو تحويل النيل الأزرق إلى بحيرة، كما زعم الوزير الإثيوبي، مؤكدا أن إثيوبيا تعد "نافورة العالم" بالفعل، حيث يسقط على إثيوبيا 936 مليار متر مكعب من الأمطار سنوياً، ولا حاجة لديها للمياه إلا إذا كان الغرض هو منعها عن الآخرين.

وتابع نور الدين "نصيب الفرد من المياه في إثيوبيا ثلاثة أضعافه في مصر، والأراضي المزروعة فعلاً في إثيوبيا عشرة أضعاف الأراضي الزراعية في مصر، وعدد رءوس الماشية في إثيوبيا 13 ضعف عددها في مصر، وتستهلك أكثر مما يستهلكه 100 مليون نسمة، وعدد أحواض الأنهار في إثيوبيا تسعة أحواض بكل حوض عشرات الأنهار، مقابل نهر يتيم بلا روافد أو فروع في مصر، أما بحيرة تانا في إثيوبيا التي ينبع منها النيل الأزرق بها مياه تستأثر بها إثيوبيا وحدها تزيد على كامل حصة مصر من المياه، إثيوبيا بها خزان سد تيكيزي على عطبرة أحد روافد النيل يضم 10 مليارات متر مكعبة تستفيد منها إثيوبيا، عدد السدود المقامة على الأنهار والبحيرات في إثيوبيا 12 سداً، إضافة إلى سدها الأخير أي 13 سداً مقابل سد وحيد في دولة صحراوية جافة في مصر".

يرى مسيلي أن مصر يمكن أن تحصل من إثيوبيا على ما يزيد على حصتها المائية بثمن نقدي في يوم من الأيام، مضيفاً "إذا أجرينا حسابات دقيقة، يمكن أن تستنفد مصر حصتها من نهر النيل، فاستخداماتها الحصرية لآلاف السنين لا تضاهي استخدام المشاطئين الآخرين القادمين، مؤخراً، لاستغلال المياه، لكن لن تبقى الأمور كما هي، في نهاية المطاف، سيحين الوقت الذي تستخدم فيه مصر مياه النيل مقابل ثمن".

ويعتبر وزير المياه المصري الأسبق، أن المشروعات الإثيوبية الأخرى على النيل الأزرق لا تقل خطورة عن سد النهضة، ولكن في كل الأحوال لا يمكن أن يتحول نهر إلى بحيرة، هذا كلام لا يعتمد على أي أساس علمي، وكان يجب أن يكون هناك رد قوي من السودان ومصر على هذه المزاعم والتصريحات الاستفزازية من جانب وزير الخارجية الإثيوبي، فقد بدؤوا أول خطوة في الهيمنة المائية، ولديهم نقطة ارتكاز هي سعة تخزين بحيرة سد النهضة التي تضم 74 مليار متر مكعب من مياه النيل الأزرق بما يعني حجب إيراد النيل الأزرق بالكامل عن مصر لمدة سنة، أما مخطط السدود الأربعة فهدفه مواصلة الهيمنة المائية، علماً أنه لا يمكن نقل المياه خارج حوض النهر، كما يروج البعض لوجود مشروعات إقليمية ودولية تستهدف نقل المياه إلى إسرائيل مثلاً، فالمياه لا تكفي مصر لكي ننقلها خارج حدودنا، أما إثيوبيا فتهدف إلى الهيمنة المائية لتغيير ميزان القوى الاستراتيجي في شرق أفريقيا ويصبح لديهم المياه والكهرباء تحت تصرفهم".

 

النيل وسدوده في حلبة الصراع الدولي

يقر وزير الموارد المائية المصري سابقاً بوجود صراع دولي حول مياه النيل منذ القدم، أو على الأقل ظل النيل عنصراً حاضراً ضمن مصفوفة الصراعات الدولية القائمة، معتبراً أن "ظروف الحرب الباردة بين المعسكرين الشرقي والغربي انعكست على إنشاء مشروع السد العالي الذي حاولت الولايات المتحدة عرقلته، في مقابل دعم الولايات المتحدة لاحقاً لمصر بعد توقيع اتفاق السلام مع إسرائيل، في ظل مواجهة واشنطن للنظام الشيوعي الماركسي الحليف للاتحاد السوفياتي السابق الذي كان يحكم إثيوبيا في ذلك الوقت"، في إشارة للنخبة العسكرية الشيوعية التي حكمت إثيوبيا من 1974 إلى 1987 بقيادة منغستو هيلا مريام الذي أصبح رئيس جمهورية إثيوبيا الشعبية الديمقراطية من 1987 حتى 1991 بسقوط الاتحاد السوفياتي وفراره إلى زيمبابوي في نهاية تمرد ممتد ضد حكومته الشيوعية.

وفي سياق ما يلوح في الأفق من إرهاصات ما يصفه المراقبون بـ"حرب باردة جديدة" بين الصين والولايات المتحدة، اعتبر الباحث السوداني وائل محمود، أن الولايات المتحدة لا تزال غير راضية عن "السد الصيني" الذي تم تنفيذه بدعم من الحكومة الصينية سواء من خلال الشركات الصينية العاملة في المشروع أو من خلال الخطط ذات الصلة بنقل مصانع صينية إلى إثيوبيا تعمل من خلال الطاقة المولدة عن طريق المشروع، فلا يزال النيل ورقة في الصراع بين القوى العظمى على الموارد الأفريقية، و"واشنطن لن تسمح بتحول سد النهضة إلى ميزة استراتيجية من أجل الهيمنة على شرق القارة الأفريقية"، وفي مقابل ذلك أكدت مصادر دبلوماسية صينية بالقاهرة لـ"اندبندنت عربية" أن "بكين لا تموّل السد الإثيوبي، ومصر تعلم أن السد ليس ممولاً من جانبنا، وكذلك المقاولون الأساسيون بالمشروع من الشركات الأوروبية، والعالم كله يعلم كيف تنظر تلك القوى العظمى الغربية إلى أفريقيا وتهددها، وليس من المناسب الرد على شائعاتهم رسمياً".

وقال علام، إن "هناك العديد من الدول التي حاولت نقل المياه إليها، وكان هناك أطروحات ودراسات لمشروعات نقل المياه من الفرات إلى شبه الجزيرة العربية التي تعاني من فقر مائي شديد، وكذلك مبادرات نقل جبال الجليد والاستفادة من التغير المناخي، وكذا مشروع نقل نهر الكونغو ليصب في نهر النيل، لكن الشيء الوحيد الذي تحقق كان ترعة السلام في عهد الرئيس المصري الراحل أنور السادات توقفت القناة عند مدينة بئر العبد بشمال سيناء، وظلت المياه في إطار الحدود المصرية مثل ترعة الإسماعيلية التي أنشئت في عهد الخديوي إسماعيل دون اعتراض إثيوبيا أو غيرها، أما نقل المياه خارج الحدود سواء كان إلى إسرائيل أو إلى ليبيا كما حاول القذافي في الماضي، أصبح أمراً غير واقعي، ولا يمكن أن يتحقق، فحاجة مصر من المياه تضاعفت، ولم يعد ممكناً تنفيذ مثل هذا المشروع".

 

 

هل الحل في زيادة مياه النيل؟

نصت اتفاقية 1993 بين مصر وإثيوبيا على "التشاور والتعاون بين الدولتين بغرض إقامة مشروعات تزيد من حجم تدفق المياه وتقليل الفاقد"، لكن هذا النص لم يدخل حيز التنفيذ، بينما سعت مصر والسودان بالفعل من خلال مشروع قناة جونجلي إلى زيادة مياه النهر عبر حفر قناة تستوعب المياه الزائدة من المستنقعات وكميات المياه التي كانت تتبخر سنوياً دون الاستفادة منها، فضلاً عن تجفيف مليون ونصف المليون فدان من أراضي تلك المستنقعات الصالحة للزراعة، لكن توقف المشروع رغم حفر الجزء الأكبر من القناة نتيجة نشوب الحرب الأهلية السودانية عام 1983. ورغم انتهاء الحرب الأهلية رسمياً منذ 2005، اليوم تقع المنطقة الخاصة بمشروع القناة العملاقة المرتبطة بالنيل الأبيض في دولة ثالثة، وهي جنوب السودان التي استقلت عن شماله في 2011، الدولة الأحدث في العالم والغارقة منذ استقلالها في دوامة من الحروب الأهلية والنزاعات الداخلية واتفاقيات السلام غير المطبقة بالكامل.

ويعتقد على نطاق واسع في الدوائر الأكاديمية المرتبطة بالملف، أن مشروع القناة عفى عليه الزمن أو لم يعد يحظى بأولوية ضمن المشروعات المائية للبلدان الثلاث، لكن نقص المياه المترتب على المشروعات المائية قد يعيد إحياء قناة جونجلي، وخاصة في ظل ما شهده السودان عملياً من تأثر مؤقت لمآخذ محطات المياه خلال حجز إثيوبيا للكمية المقررة للعام الأول من ملء خزان سد النهضة.

وقال رسلان في تصريحات خاصة، "رغم أن القناة ستزيد إيراد النهر نحو 8 مليارات متر من المياه باكتمال المشروع بمرحلتيه، فإن هناك العديد من المعوقات أمام تنفيذ قناة جونجلي التي كانت مشروعاً مشتركاً بين مصر والسودان ولكن قامت الحركات المسلحة بعرقلة المشروع خلال الحرب الأهلية في السودان وأعطبت الحفار بهجوم مسلح بعد أن تم تنفيذ معظم المشروع، وتطورت الأحداث وحصل جنوب السودان على الاستقلال، ولو أن هذه القناة ستنفذ فيجب أن يحدث تنسيق مشترك بين مصر والسودان وجنوب السودان، علماً أن القناة عندما تتم ستؤثر على الظروف الاجتماعية والبيئية في المنطقة، وستؤثر على الرعي والري، وهناك خلافات محلية بين القبائل في تلك المنطقة، فضلاً عن ظروف الحرب الأهلية والفوضى في الجنوب وعدم الاستقرار السياسي، علاوة على ذلك حكومة جوبا غير متحمسة للمشروع".