Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الأخطاء الطبية في السودان تبقى طي الكتمان

الأسباب عدّة منها زهد المجتمع واحتكامه لعاداته وتقاليده التي ترفض التعويض المادي لمثل هذه الحوادث

مرضى في مستشفى بمدينة أم درمان غرب ولاية الخرطوم (أ ف ب)

يبقى هاجس الأخطاء الطبية في السودان حاضراً كلّما يُقدِم مريض على إجراء عملية بسيطة كانت أو كبيرة، بعد تداول قصص عدّة لحالات مرضية بسيطة، انتهت بفقدان المريض حياته لأسباب مختلفة لا تعدو في الغالب عن الإهمال، أو سوء التشخيص، لكن على الرغم من تكرار وتزايد هذه الأخطاء باستمرار، إلّا أنّها تظل طي الكتمان من دون اللجوء بها إلى ساحة المحاكم، نظراً إلى زهد المجتمع السوداني واحتكامه لعاداته وتقاليده التي ترفض التعويض المادي لمثل هذه الحوادث.

وفي وقت عزا أطباء وقانونيون سودانيون لـ"اندبندنت عربية" تزايد حالات الأخطاء الطبية في البلاد إلى تدني بيئة العمل، خصوصاً لجانب التجهيزات الفنية (المعامل ومعدات التشخيص)، التي تشكّل 90 في المئة من مجمل هذه الأخطاء، وقلّة الخبرة والتدريب، ما يتطلّب إيجاد سياسات صحية فاعلة ونظام صحي نافذ، فضلاً عن تأهيل وترقية المستشفيات إلى مستويات متقدمة.

بيئة العمل

واعتبر عضو لجنة أطباء السودان المركزية الدكتور رماح حسن محمد، "الأخطاء الطبية بأنها مسألة نسبية تحدّدها عوامل عدّة أهمها بيئة العمل، فكلّما توافرت الإمكانيات داخل المستشفى لا سيما التجهيزات الطبية من معمل بكامل معداته، ونظام إداري وطبي يحترمه الجميع، فضلاً عن تهيئة العامل النفسي للطاقم الطبي، قلّت هذه الأخطاء بنسبة كبيرة. ولهذه الأسباب سبق أن نفّذ أطباء السودان إضراباً في فترة العهد السابق عام 2016 للمطالبة بتحسين بيئة العمل، فمن المؤسف أن معظم المستشفيات في البلاد تعاني من نقص واضح في المعينات الأساسية للعمل، لا سيما في تجهيزات غرف العمليات، لذلك إنّ 90 في المئة من الأخطاء الطبية تكون في مجال العمليات، نتيجة نقص وقصور لجهة التجهيزات وليس بسبب إهمال أو قصور في أداء الطبيب، وهذا لا يعني عدم وجود خطأ أو إهمال من الطبيب، لكنها حالات نادرة جداً".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وشرح محمد أن "بيئة العمل تحسم كل شيء، فهي يمكن أن تمنع الأخطاء بنسبة 99 في المئة، لأن الطبيب في النهاية تهمّه سمعته، لكن عندما يعمل في ظروف قاهرة يصعب عليه تدارك التحدّيات التي تواجهه، فأحياناً كثيرة يلجأ إلى الاجتهاد في التشخيص لعدم توفّر التاريخ المرضي للمريض، والكشف اللازم من فحوصات شاملة، وغيرها. صحيح أن الطب فيه نسبة خطأ، والقانون يتيح للمريض تقديم شكوى إلى المجلس الطبي السوداني إذا شعر بأن هناك خطأ تضرّر منه، ويُنظر في الشكوى بواسطة لجنة تحقيق مستقلة، وفي الغالب يتحمّل الخطأ في حالة إثباته إما المستشفى بسبب عدم جاهزيته من المتطلّبات الطبية أو الطبيب"، لافتاً إلى أنهم كأطباء كانوا يأملون في تحسن الوضع الصحي بشكل عام بعد ثورة ديسمبر (كانون الأول) الشعبية التي أطاحت بالنظام السابق، لكن ما زال الموقف متأزماً ويتطلّب تدخلاً سريعاً لتهيئة المناخ الصحي الملائم داخل القطاع، حتى يجد المريض الرعاية الفائقة، وكذلك الطبيب كي يحصل على المعينات اللازمة لأداء مهنته بالقدر المطلوب.

ضغوط نفسية

في السياق ذاته، اعترف اختصاصي زراعة الكبد في المستشفيات السودانية الدكتور علاء نقد بأن "هناك أخطاء طبية كثيرة تحدث من حين إلى آخر في معظم المستشفيات الحكومية والخاصة من دون استثناء، لها مسبّبات عدّة تصبّ غالبيتها في عدم تهيئة المناخ الملائم للعمل داخل المستشفيات، منها القصور الواضح في عدم مواكبة القطاع الصحي للتطورات العالمية المتقدمة من ناحية جلب المعدات الحديثة ذات التقنيات العالية للمساعدة في التشخيص، وطول ساعات عمل الطبيب مع تدنّي الحافز المادي، فضلاً عن الضغوط النفسية التي يواجهها من المراجِعين ومرافقيهم لعدم وجود نظام متّبع يحمي الطبيب من الاعتداءات اللفظية والجسدية في بعض الأحيان من قبل قاصدي الخدمات الطبية"، مبيناً أن بيئة العمل تتطلّب فهماً متقدماً من الجهات الصحية المتخصّصة، لكن في العهد السابق كان يتم التعامل مع هذا الجانب من دون معايير دقيقة وخطط مدروسة، خصوصاً في ما يتعلّق بالبنى التحتية للمشاريع الصحية، إذ لا تخضع معظم المشاريع قبل التنفيذ لقانون الشراء والتعاقد، بسبب انتشار الفساد الممنهج، ما أدّى إلى كثرة الأخطاء الإنشائية. بالتالي فإن 90 في المئة من الأخطاء الطبية تتسبّب فيها بيئة العمل، و10 في المئة يتحمّلها الطبيب.

الخدمة من دون مقابل

وأضاف الدكتور نقد "كذلك من أسباب الأخطاء الطبية، غياب التأهيل والتدريب الكافي للطبيب، فنجد أن 70 في المئة من نواب الاختصاصيين الذين يخضعون للتدريب، يمارسون الخدمة من دون مقابل، في الوقت الذي لا يلتزم الاختصاصيون ساعات عملهم داخل المستشفيات الحكومية لتدنّي العائد المادي، كما نلاحظ أن 70 في المئة من المستشفيات مهلكة من ناحية الكادر الطبي، فغالبيتهم غير متفرغين للعمل لعدم توفّر الوظائف، إضافةً إلى غياب أقسام كافية ومجهّزة للحوادث والعناية المركزة".

وأكد أن إصلاح هذا الوضع يتطلّب إيجاد سياسات صحية فاعلة لوزارة الصحة الاتحادية بغية معالجة المشكلات التي تعترض هذا القطاع من خلال وضع نظام صحي نافذ، فضلاً عن وضع خريطة طريق لإصلاح المستشفيات التي تفتقر إلى أبسط المقومات، وذلك بتفعيل المراكز الصحية الأولية وتوفّرها في الأحياء والقرى والمحليات المختلفة لتخفيف العبء على المستشفيات. وبيّن أن الدراسات تشير إلى أنه مقابل 3175 من سكان البلاد يوجد طبيب واحد، وهي نسبة متدنّية جداً، لذلك لا بدّ من سياسات بديلة تؤثّر في أرض الواقع.

زهد المجتمع

وبالنظر إلى الجوانب القانونية في التعامل مع الأخطاء الطبية في السودان، أوضح المحامي المعز حضرة، أن قضايا الأخطاء الطبية المتداولة في المحاكم، تُعتبر قليلة جداً، إذ تقلّ نسبتها عن واحد في المئة من إجمالي القضايا التي تنظر فيها المحاكم، على الرغم من تزايدها سنوياً، مرجعاً السبب إلى تربية المجتمع السوداني الصوفية التي تجعله زاهداً بحكم العادات والتقاليد، فيعتبر أن ما حدث  قضاء وقدراً، وينصبّ جلّ تفكيره في لملمة أحزانه والتفرّغ لمصيبته بدلاً من السير في طريق المحاكم الشاق حتى في حوادث القتل التي تكون عقوبتها الدية، في وقت تمثّل هذه القضايا في كثير من دول العالم رقماً مهماً، نظراً إلى ضخامة مبلغ التعويض.

وأوضح حضرة أن القانون السوداني يتعامل مع الأخطاء الطبية كقضايا تعويضات من منطلق المسؤولية التقصيرية، لكن القوانين تشجّع محاكمة أي طبيب أو مستشفى تسبّب في خطأ طبي لمريض إذا أثبت ذلك، وعادة تُقدّم الشكوى إلى المجلس الطبي السوداني، الذي يشكّل بدوره لجنة للتحقيق في هذا الأمر، ومن ثم يُرفع تقريره إلى المحكمة، منوّهاً إلى أن عقوبة المجلس الطبي تكون إدارية بمنع الطبيب من ممارسة المهنة، وتصل عقوبة المحاكم إلى السجن إذا ثَبُت أن الخطأ نتيجة إهمال فاحش، لكن دائماً ما تكون العقوبة عبارة عن تعويض مادي لجبر الضرر، خصوصاً أن هذه الأخطاء تكون غير متعمَّدة.

ورأى حضرة أن الأسباب الرئيسة لهذه الأخطاء تعود إلى قلة الخبرة والتدريب وهجرة معظم الأطباء الأكفاء إلى الخارج وانعدام الرقابة من جانب الجهات المختصة للمستشفيات للتأكد من جاهزيتها وتوفّر الحاجات الطبية المطلوبة، إضافةً إلى عدم مواكبة المستشفيات والمعامل الطبية للتطورات في مجالَيْ التقنية والمعدات التشخيصية، فضلاً عن اتّخاذ الطب كتجارة أكثر من كونه مهنة إنسانية، خصوصاً في فترة النظام السابق الذي سيطرت عناصره في مجال الاستثمار على القطاع الطبي.