Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

قلب لندن في "الويست إند" يخفق بعدما أوقفه كورونا

يستقبل الحي قرابة 20 مليون زائر سنوياً ينفقون 12 مليار جنيه في المتوسط ويوفّر وظائف لنحو 300 ألف شخص

حي "ويست إند" اللندني رقعة لا تزيد إلّا قليلاً على كيلومترين مربعين (غيتي)

ربما صحّ القول إنه لا توجد دولة في العالم اليوم ينطبق عليها القول "ارحموا عزيز قوم ذُلّ" مثل بريطانيا في تاريخها الحديث. فحتى وقت لا يزال محفوراً في الذاكرة الحية، كانت إمبراطورية أحكمت قبضتها على معظم رقاع العالم وصارت القوة العسكرية والاقتصادية العظمى الوحيدة فيه. وحتى بعد إسدال الستار على الإمبراطورية في منتصف القرن الماضي، ظلت المملكة المتحدة تعيش على فتات مائدتها الذي لا يستهان به لأنه جعل منها القوة الاقتصادية السادسة في العالم بإجمالي ناتج محلي يبلغ فوق 3 ترليونات دولار. إلّا أن ثلاثة أحداث على مدى ما يزيد بكثير على عقد واحد من الزمن، تكفّلت بتغيّر الصورة: الأول الانهيار المالي العالمي في 2008، والثاني (من صنع يديها) "بريكسيت" (الطلاق مع الاتحاد الأوروبي) والثالث الآن، كورونا.

من حال إلى حال

ليس على مَن يريد الدليل على "الموات البريطاني" إلّا أن ينظر إلى رقعة لا تزيد إلّا قليلاً على كيلومترين مربعين هي حي "ويست إند" اللندني. فقد كان، حتى قبل ثلاثة أشهر، أقرب شيء إلى خليّة نحل مهتاجة، وإذا بالجائحة تحوّله بين عشية وضحاها إلى مدينة أشباح.

وربما كان غنياً عن القول إن زيارة العاصمة البريطانية كانت لا تكتمل إلّا بزيارة هذا الحي لأنه يعجّ بمعالم سياحية صارت رموزاً لإنجلترا ذاتها، مثل ساعة "بيغ بين" وميدانَيْ ترافالغر (الطرف الأغر) وبيكاديلّي وكوفنت غاردن، إضافةً إلى سلسلة تكاد تكون لا نهائية من أكبر المسارح والغاليريهات والمتاحف والمكتبات والمتاجر في البلاد. وكل هذا يستدعي بالضرورة وجود الفنادق والمطاعم والمقاهي والخدمات على مختلف أنواعها وأحجامها ومستوياتها.

القلب النابض

لكل هذا صار الـ"ويست إند" هو المنطقة المدينية الجاذبة لأكبر عدد من السياح في العالم، إذ يستقبل قرابة 20 مليون زائر سنوياً، ينفقون 12 مليار جنيه في المتوسط، ولذا فهو يوفّر وظائف لنحو 300 ألف شخص. ولك أن تتصوّر مدى الأهمية الاقتصادية لهذين الكيلومترين المربّعين إذا علمت أن إجمالي فائض القيمة الذي يدرّانه على الخزانة العامة، يزيد على مساهمة حي السيتي (حي المصارف والمال) ويعادل ما تعود به ويلز (أحد "الأقطار" الأربعة التي تشكّل المملكة المتحدة مع إنجلترا واسكتلندا وأيرلندا الشمالية). لذا فليس ثمة مبالغة في القول إنّ هذه البقعة الصغيرة هي النبض البريطاني وما على الباحث عن قوة الحياة في البلاد إلّا أن يضع أصبعه عليه.

الطرف الغربي ليس غربياً

على الرغم مِمّا يوحي به اسم الـ"ويست إند" الذي يعني "الطرف الغربي"، فإنّ هذه المنطقة الرئيسة في لندن لا تقع في غربها وإنّما تشكّل مركزها وقلبها النابض. وفي التعريف الرسمي بهذا الحي المركزي يرد أنه المنطقة الواقعة بين أوكسفورد ستريت إلى الشمال وستراند إلى الجنوب وكينغزواي إلى الشرق وريجنت ستريت إلى الغرب، على الرغم من أن هذا التحديد صار مطّاطاً إلى حدّ ما. فثمة معالم سياحية في لندن، اشتهرت على مستوى العالم لكنها – بسبب التحديد الجغرافي – لا تقع – رسمياً - في الـ"ويست إند" مع أنها على مرمى حجر منه. ومن هذه المعالم، "عجلة لندن" المعروفة أيضا باسم "عين لندن" ولندن تاور (برج لندن) وتاور بريدج وهو الجسر المسمى على هذا البرج وكاتدرائية سانت بول القريبة.

لماذا وُصف إذاً بالـ"ويست إند" على الرغم من أنه لم يكن في أي يوم كذلك؟ ثمة خلاف على هذه التسمية التي تعود إلى بدايات القرن التاسع عشر. لكن الأرجح – والسبب المقبول أكثر من غيره الآن لدى المؤرخين وغيرهم - أنها استُخدمت للإشارة إلى المنطقة الواقعة غرب حي السيتي (المال) الأقدم عمراً، إذ يعود تاريخ مبانيه إلى العهد الروماني والعصور الوسطى.

المسرح... النبض في القلب

لا يُذكر الـ"ويست إند" إلّا وذُكرت مسارحه، لأنها هي التي تميّزه عن بقية الرقاع السياحية في عموم بريطانيا. ولو أنك أزحت عنه دور العرض الحيّ هذه، أزحت معها هويّته وتفرّده بين الأحياء اللندنية خصوصاً والبريطانية عموماً. بل أن اسم الـ"ويست إند" نفسه صار إشارة إلى تلك المسارح. فمثلاً، عندما تتحدث وسائل الإعلام عمّا يدور في الـ"ويست إند"، فهي تستغني عن كلمة "مسارح" بينما هي تشير إليها بالتحديد.

و"مسرح الويست إند" (West End Theatre) هو الاسم الذي توصف به مجموعة المسارح في هذه المنطقة وأيضاً المناطق المتاخمة لها. وهي تُعتبر - مع نظيرها الأميركي "برودواي" في نيويورك - أعلى المستويات التجارية الاحترافية للمسرح الناطق بالإنجليزية في سائر أنحاء العالم. وتتألف مجموعة الـ"ويست إند" هذه من 39 مسرحاً، أقدمها الـ"ثييتر رويال دروري لين" الذي تأسس عام 1663 (احتفل في مايو/ أيار من هذا العام بعيد ميلاده الـ357). وجاء في التقرير السنوي لـ"جمعية المسرح اللندني" أن 2018 شهد العدد الأعلى لروّاد مسارح الـ"ويست إند" إذ بلغ 15.5 مليون متفرج دفعوا 800 مليون جنيه إسترليني في شباك التذاكر.

ولذا فعندما أعلنت بريطانيا في مارس (آذار) الماضي إغلاق المطاعم والمتاجر ودور الترفيه والرياضة وأمرت المواطنين بالبقاء في بيوتهم ودعت الوافدين عبر منافذ البلاد إلى الحجر الصحي بسبب كورونا، كانت عملياً تشلّ الحركة في جسد الـ"ويست إند". واليوم – حتى مع إرخاء هذه الإجراءات قبل أيام قليلة – يظلّ هذا المقصد السياحي الأعظم مشلولاً، لأنّ أهم صناعاته (المسرح) إنما هي إنتاج العروض الحية أمام أعين الجمهور مباشرة.

لهذا السبب وجّه 98 من مشاهير العاملين في هذا المجال – من كتّاب ومخرجين وممثلين وغيرهم – خطاباً مفتوحاً إلى وزيرَيْ الخزانة والثقافة يناشدونهما نجدة الـ"ويست إند" من الهلاك التام. ويأتي هذا الخطاب في أعقاب تقرير من هيئة "أوكسفورد إيكونوميكس" يقول إن الخسائر التي مُنيت بها الساحة الثقافية البريطانية عموماً في 2020 بسبب كورونا بلغت 74 مليار جنيه وأن 400 ألف من العاملين فيها مهدّدون بفقد وظائفهم بشكل دائم. ويَخلُص الخطاب إلى أن مسارح الحي اللندني تقف على حافة الموت ولا شيء يمكن أن ينقذها إلّا إذا ضخّت الحكومة تعويضات بعشرات مليارات الدولارات من أجل تلافي هذه الكارثة، وهذا في الوقت الحالي فقط. ولكن، حتى في حال استجابة الحكومة لطلب الإغاثة هذا، فإنّ الحقيقة الماثلة للعيان هي أن كوفيد-19 سيشلّ الحياة بلا شيء يردعه غير لقاح و/أو دواء قد يأتي يوماً أو لا يأتي على الإطلاق. فما العمل إذاً؟ هذا هو السؤال الكبير المخيف. 

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

في التاريخ

أصبح الـ"ويست إند" في بدايات القرن التاسع عشر المكان المفضّل لسكن النبلاء والعائلات الثرية لسبَبَيْن، أحدهما الطقس. فهو يقع في منطقة تأتيها الرياح قبل بلوغها حي السيتي، بالتالي لم تتأثر بالدخان المتصاعد من مصانع السيتي وأبنيته. أما السبب الآخر المهم، فهو قربه من كرسي السلطة الملكي (قصر بكنغهام والبرلمان) في ويستمنستر. ولأنه كان سكن عليّة القوم، فقد تألف من قصور ومنازل راقية ومتاجر ومطاعم وأماكن ترفيه تليق بسكانه. وقد اكتمل نموه في تلك الفترة حوالى عام 1815 مع نهاية الحرب النابليونية. لهذا كان محتماً للـ"ويست إند" أن يصبح أشهر بقعة في العاصمة البريطانية إذ صار مركزها. ولأنه توسّع كثيراً عَمّا كان الأمر عليه في بداياته، فقد صار يضمّ أكبر عدد من المعالم السياحية التي يمكن أن يجدها الزائر في المدينة بأكملها.

أسماء لامعة

الأحياء الرئيسة التي شكّلت منطقة الـ"ويست إند" عند اتّخاذه شكله الأساسي في العقد الثاني من القرن التاسع عشر وتظلّ كما هي حتى اليوم:

- ويستمنستر: يضمّ العرش في قصر بكنغهام ومباني البرلمان ومسكن رئيس الوزراء ومعظم الوزارات والدوائر الحكومية ومقر "سكوتلاند يارد" وهو مقرّ القيادة العامة لشرطة لندن (عدا حي السيتي الذي يتمتّع بقيادة عامة خاصة به).

- كوفنت غاردن: أبرز معالمه دار الأوبرا والبوتيكات السياحية الراقية. وتتوسّط هذه سوق الزهور التي صارت الآن باحة يُعرض في هوائها الطلق من يُسمّون "فنانو الشوارع"، مثل الموسيقيين والهواة والرسامين وغيرهم، فنونهم على تنوّعها للبيع بأسعار (طوعية في غالبية الأحوال).

- ماي فير: يطلّ على متنزه هايد بارك الشهير. هنا تجد بعض أغلى المطاعم في العالم وماربل آرتش الذي يشكّل الطرف الغربي لشارع أوكسفورد ستريت ويبدأ منه إدجوار ستريت (شارع العرب) الشهير.

- هولبورن: تتّخذ مؤسسات تعليمية ومالية وقانونية عدّة مقارها فيه. أهم شوارعه كينغز واي المؤدي إلى بوش هاوس. وكان هذا الأخير يضمّ إذاعات البي بي سي الموجّهة إلى العالم (من 1941 حتى 2012 عندما نقلت إلى مقر بي بي سي الجديد برودكاستينغ هاوس، بالقرب من أوكسفورد سيركاس).

سوهو: يُعرف أيضاً باسم الحي الصيني لأنه يتألّف بشكل رئيس من المتاجر والمطاعم الصينية. بل أن عدداً من لافتاته لا يحوي حرفاً إنجليزياً واحداً.

بلومزبري: مقرّ الكنيسة التاريخية بالاسم ذاته، وأهم معالمه السياحية المتحف البريطاني.

مارليبون: أشهر معالمه متحف الشمع مدام توسو وصار مقرّاً للمكتبة البريطانية وهي كبرى المكتبات العامة في البلاد.

- ريجنتس بارك: يشتهر بالمتنزه الذي يحمل اسمه وهو أحد المتنزهات الملكية ويضمّ حديقة الحيوان وهي الأقدم في العالم، إذ يعود تاريخها إلى عام 1828، إضافةً إلى أكبر مساجد لندن وكان يحمل اسم المتنزه لكنه صار يُعرف باسم "لندن سنترال موسك".

وتبعاً لتعريفات جغرافية أخرى، يضمّ الـ"ويست إند" أيضاً أحياء نايتسبريدج وساوث كينزنغتون وبلغرافيا وتشيلسي وبيمليكو وبيزووتر ووبادينغتون ونوتينغ هيل وهولاند بارك.

شوارع وساحات شهيرة

بين أشهر الشوارع في "ويست إند" - وربما في العالم – داونينغ ستريت وأوكسفورد ستريت (متاجر لعامة السياح) وبوند ستريت (متاجر عليّة القوم) وتشارينغ كروس رود (شارع المكتبات ومتاجر الآلات الموسيقية) وهارلي ستريت (شارع الأطباء للأثرياء خصوصاً) وبارك لاين الممتدّ بطول متنزه هايد بارك وشافتسبري أفينيو (يعرف تجاوزاً بـ"شارع المسارح" على الرغم من أن المسارح نفسها مشتّتة هنا وهناك في قلب الحي) وتوتنهام كورت رود (شارع متاجر الإلكترونيات) وعددٍ كبيرٍ غيرها. أما أشهر ساحات المنطقة، فهي أوكسفورد سيركاس وهايد بارك كورنر وماربل آرتش وبيكاديلي سيركاس وترافلغار سكوير وراسل سكوير وكامبريدج سيركاس وليستر سكوير، على سبيل المثال.

المزيد من منوعات