Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"جولات في لندن" لفلورا تريستان: إنسانية تحت الشمس عنصرية في الضباب

جدة غوغان مناضلة مغامرة وكاتبة تعود إلى الواجهة كلما دعت الحاجة

البؤس اللندني كما رسمه غوستاف دومييه (غيتي)

على الرغم من أن فلورا تريستان رحلت عن عالمنا عام 1844 وهي في شرخ صباها قبل أربعة أعوام من ولادة بول غوغان، ذاك الذي سيصبح واحداً من كبار الرسامين الفرنسيين أواخر القرن التاسع عشر، وبالتالي كان مستحيلاً عليهما أن يلتقيا، عرف الكاتب البيروفي ماريو بارغاس يوسا كيف يجمعهما معاً في واحدة من أجمل رواياته، "الجنة... أبعد بعض الشيء" والمبرر؟ كانت جدته لأمه ووجد الكاتب أموراً مصيرية كثيرة تجمع بينهما، بل بخاصة وجد أن البيرو، وطنه هو، يجمع بينهما، ناهيك بحس المغامرة والنزعة الإنسانية والمذاق الفني والدراما العائلية. ومن هنا جعل من روايتها نوعاً من سيرة مزدوجة مبنيّة في نوع من التوازي بين حياة الجدة وحياة الحفيد.

امرأة مدهشة إلى الواجهة

مهما يكن فإن الأهم من ذلك هو أن صدور رواية بارغاس يوسا في عام 2003، وتحديداً يوم الذكرى المئوية الثانية لولادة فلورا في باريس والمئوية الأولى لرحيل غوغان في جزر الماركيز، أعاد إلى الواجهة تلك المرأة المدهشة التي كانت قبل ذلك قد غابت طيّ النسيان... من دون أن تستحق نسياناً. فهي بعد كل شيء، على الرغم من رحيلها المبكر برصاصات قاتلة أطلقها عليها زوج سريع الغضب، كانت كاتبة فذّة ومناضلة اشتراكية حقيقية جعلت من كتاباتها وسيلة لمساعدة الشعوب المستعمَرة على وعي حقوقها، لكنها كانت أكثر من ذلك رحّالة لا تهدأ ومدافعة عن حقوق المرأة والعمال ومناهضة للحكم بالإعدام. ولقد كُشف في مناسبات أخرى عن العديد من كتب لها تنبض بالنزعة الإنسانية والوقوف إلى جانب المضطَهَدين، بخاصة المضطهَدات. ومن هنا السؤال الحائر المحيّر حول كل تلك الصفحات التي تنضح بالعنصرية في واحد من أشهر كتبها وأكثرها شعبية: "جولات في لندن، أو الأرستقراطية والبروليتاريا الإنجليزية"، الذي كما حال بقية كتبها تخاطفه القراء حال صدوره؟

في أواسط القرن التاسع عشر اعتاد كثر من المبدعين والمفكرين الفرنسيين زيارة لندن والاختلاط بمثقفيها وذلك على خطى الرسام غوستاف دوريه، الذي حقّق العديد من رسوم رائعة للأحياء البائسة في لندن ومعاناة طبقاتها المسحوقة، وغالباً انطلاقاً من روايات تشارلز ديكنز، وكذلك فعل دي توكفيل وغيزو وتين وغيرهم من كبار مثقفي المرحلة الفرنسيين الذين كان "الحج إلى لندن" يشكّل طقوساً لديهم ناهيك بتعبيرهم عن انبهارهم بتلك الثورة الصناعية التي كانت إنجلترا مركزها، واعدةً بأنها ستنشر الاشتراكية في العالم، ورغبتهم في سبرها من كثب.

فلورا على خطى الكبار

وهكذا فعلت فلورا بدورها، هي التي راحت في فصول كتابها هذا الذي نُشر مسلسلاً في الصحافة أولاً تسهب في حديثها عن جولاتها اللندنية تحت عناوين قد تكفي وحدها لتوضيح شكل زيارتها: "المدينة المتوحشة"، و"عمال المصانع"، و"الحي اليهودي"، و"الفتيات العموميات"... ويبدو واضحاً هنا أن فلورا لم تتجوّل كسائحة في لندن، بل كمناضلة تسعى إلى الكشف عن حقائق الوضع وإلى الحضّ على ما راحت تسميه صراع الطبقات، بشكل مبكر في ذلك الحين. ومن هنا يمكن للكتاب أن يبدو أشبه ببيان "أممي" لولا.... لولا أن الكاتبة لم تكتفِ في فصول كتابها بمهاجمة الطبقات الحاكمة والرأسماليين، بل وجدت نفسها توسّع هجومها ليشمل كل فئات المجتمع الإنجليزي وطبقاته، من "العمال الكسالى الثملين من دون انقطاع" إلى"فتيات المتعة المذنبات اللواتي ليس ثمة أي دواعٍ اجتماعية لسلوكهن تلك السبل غير الأخلاقية" إلى "اليهود المرابين والبوهيميين الرذلاء والإيرلنديين القبيحين"، مع تأكيدها على أن الحي الذي تقطن فيه بنات الهوى اليهوديات هو الوحيد الذي لم تجازف بالتجوال فيه "لقذارته ومخاطر عبوره"، من دون أن يفوتها أن تصف بأبشع الكلمات كل "الرجال والأطفال والنساء الذين لا تحمل أمارات سحناتهم سوى ملامح الجشع التي لا تمحى أبداً". من الواضح أن كل هذا الوصف والتأكيد الذي يعتبر في أيامنا هذه عنصرياً، بل تحاسب عليه القوانين، لاقى ارتياحاً في حينه لدى قراء فلورا، بخاصة أنها راحت تجري نوعاً من المقارنة بين لذائذ العيش في بلدها فرنسا ورذائل العيش في إنجلترا. ولنتذكر هنا أن تلك الحقب كانت تشهد قدراً كبيراً من المقت يكنّه الفرنسيون العاديون لجيرانهم عبر المانش الإنجليز. فهل كانت تلك المشاعر الشعبية ما أنسى فلورا تريستان نضالاتها ومشاعرها الأممية وحتى ما يراه غيرها من المثقفين الفرنسيين من نضاليّة الطبقة العاملة الإنجليزية؟

كلّ تلك العدوانية!

من هنا يبقى السؤال محيّراً حول ما الخطب الذي جعل تلك المرأة الشابة تبدي قدراً كبيراً من الإنصاف في نظرتها إلى بلدان وطبقات عدة، ولا سيما في مناطق من جنوب أميركا زارتها وكتبت عنها، من دون أن يخالجها أي شعور بالتعاطف تجاه الإنجليز.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

مهما يكن لا بد من الإشارة إلى أنه إذا كانت الحلقات الاشتراكية الفرنسية، ناهيك عن حلقات أوين الاشتراكية بدورها في إنجلترا، قد رحّبت بالكتاب حين نشر للمرة الأولى عام 1840، وكل منها لأسباب خاصة بها، فإن الرأي العام الإنجليزي صُدم به لكنه عبّر عن صدمته بصمت بليغ، هو الذي كان اعتاد قراءة ما تكتبه حول القضايا العادلة والشعوب المظلومة في مناطق نائية!

مهما يكن لا بد أن نترك السؤال معلقاً ونعود إلى مسيرة حياة تلك الحسناء التي ماتت في شرخ شبابها بعدما شغلت الأوساط الثقافية والاجتماعية الفرنسية سنوات طويلة، واعتُبرت واحدة من أبرز النساء المتحررات في فرنسا، كما في البيرو، في آن معاً، حتى وإن كنا سنرى كيف أغضبت أهل البيرو أيضاً.

نضالات تحت الشمس الساطعة

عام 1833، كانت فلورا تريستان في الثلاثين من عمرها حين تركت باريس، إثر هجرانها زوجها المعروف بعنفه، الذي كانت تزوجته عن حاجة مادية، لتقوم وحيدة برحلة طويلة قادتها إلى البيرو. لماذا البيرو؟ لأن جذورها العائلية كانت هناك، وبالتالي كانت تتوخى من رحلتها أن تساعدها على الوصول إلى تلك الجذور، وبالتحديد إلى عم ثري ومعروف في ذلك البلد البعيد من بلدان أميركا اللاتينية.

 لكنها في البيرو بدلاً عن أن تعثر على أصولها، وجدت نفسها في مهب عاصفة حرب أهلية طاحنة فيما كانت تتجول في مدينة نائية تدعى آراكويبا، فلجأت إلى دير تاريخي شهير، هو دير سانتا كاتالينا الذي كان يعتبر في حينها فردوساً حقيقياً. في الدير آوتها الراهبات، ليعلّمنها عن الحياة الروحية أشياء كثيرة. أما هي، فعلّمت الراهبات أموراً كثيرة حول الاشتراكية والأفكار الإنسانية. وكان من نتيجة تلك المغامرة كتاب رحلات بديع أصدرته فلورا في باريس في ما كانت قد عادت لتستأنف نضالاتها من أجل قضية المرأة والطبقة العاملة.

بدا الكتاب في النهاية أنشودة للحرية والعدالة، ومن هنا كان استقبال الصحافة الرجعية الفرنسية - السائدة في ذلك الحين- للكتاب استقبالاً سيئاً. ولم يكن هذا كل شيء: الأسوأ منه أن الكتاب وصل بسمعته "السيئة" إلى البيرو، حيث ما إن اكتشف الناس أنها تنتقد فيه عادات القوم وسلوكهم، حتى انطلقوا ينظّمون التظاهرات ويحرقون في الساحات العامة نسخاً منه.

ولقد أتاح هذا الغضب لعم فلورا البيروفي، دون بيو تريستان إي موسكوزا، أن يعلن تبرؤه من الصبيّة وحرمانها من ميراث عائلي من الواضح أنها كانت تعوّل عليه، وكذلك من مرتب شهري كان يرسله إليها. ومع هذا، لم تهتم فلورا كثيراً بهذا الحرمان، بل تابعت معركتها كوجه بارز من وجوه الحركة الاشتراكية ورائدة من رائدات تحرّر المرأة. غير أن حياتها لم تكن سهلة، حيث نجدها عام 1838 تخوض شجاراً مع زوجها ينتهي بإفراغ هذا الأخير رصاصات مسدسه في جسدها. صحيح أنها لم تمت فوراً، لكنها عانت من جراحها طوال سنوات انتهت بموتها متأثرة بها.

المزيد من ثقافة