Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

جيوش المرتزقة وقود حروب القوى الإقليمية والدولية في ليبيا

باحث أميركي: "يعتقد أردوغان خطأ أنه يستطيع السيطرة على وكلائه المتطرفين"

يقاتل المرتزقة مقابل نحو ألفي دولار شهرياً جنباً إلى جنب مع حكومة الوفاق (أ.ف.ب)

في أوائل الثمانينيات من القرن الماضي، دعا الرئيس الليبي معمر القذافي قوات الطوارق المتمردة في مالي للانضمام إلى فيلقه الإسلامي، الذي وصفه بأنه حجر الزاوية العسكري لحلمه في بناء دولة إسلامية موحدة في شمال أفريقيا، لكن بعد مغامرات عسكرية فاشلة في لبنان وتشاد والسودان، قام بحل الفيلق ودعا الطوارق للانضمام إلى ألوية خاصة داخل الجيش الليبي وقدّم المساعدة والمأوى للعديد من جماعات التمرد في القارة السوداء مقابل حمايته وعائلته. هذا النهج الذي سار عليه القذافي رافقه إهمال للمؤسسة العسكرية التي شهدت انشقاقات كبرى في عام 2011 عندما اشتعلت الانتفاضة ضد حكمه، وفي الوقت نفسه أسفرت عن تسيُد الجماعات المسلحة المشهد في البلاد عندما سقط النظام، حيث لم تكن هناك مؤسسة أمنية قوية للسيطرة على الأوضاع مثلما كان الحال في مصر وتونس.

دور تاريخي للمرتزقة في ليبيا

وبحسب دراسة أعدها "مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية" الأميركي، صدرت في يونيو 2011، فإنه مع اشتعال الانتفاضة قدرت مصادر أن الجيش الليبي المؤلف من نحو 70 ألف جندي، يشمل 25 ألف من المجندين غير المدربين بشكل جيد، وكانت الميليشيات الشعبية القوية البالغ قوامها 40 ألفاً، وهي منظمة شبه عسكرية، تُدرج أحياناً كجزءٍ من الجيش، لكنها كانت في الواقع منظمة إضافية ومستقله للدفاع. وبدا أن الجيش الليبي يفتقر إلى أي شيء يقترب من مؤسسة فعّالة ومدربة جيداً، وقد أضعفه القذافي عمداً، لأنه لم يثق في ولائه، خصوصاً بعد محاولة انقلاب عسكري ضده في عام 1969.

وهذا الاعتماد التاريخي للقذافي على جماعات المرتزقة المسلحة ينعكس على المشهد الحالي، حيث تقاتل جيوش المرتزقة في حروب القوى الإقيليمية والدولية التي تتنازع النفوذ في المنطقة والمصالح النفطية والاقتصادية في ليبيا من خلال دعم حلفائها المتصارعين في الداخل. لكن عادة تشكل هذه الجماعات خطراً كبيراً وتهديداً دولياً عندما تحمل أيديولوجية تقاتل من أجلها جنباً إلى جنب مع المال، وهو ما ينطبق على جماعات المرتزقة السوريين الذين ينتمون إلى تنظمات إسلاموية متطرفة تعمل مع "الإخوان" المسيطرين على العاصمة طرابلس بدعم من الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الذي يتنمي للأيديولوجية نفسها.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

مرتزقة الجماعات الإرهابية السورية

منذ يناير (كانون الثاني) الماضي، بدأت تركيا في إرسال آلاف المتمردين السوريين الذين استخدمتهم في غزوها لشمال شرق سوريا في أكتوبر (تشرين الأول) 2019، والذين بحسب منظمة العفو الدولية، ارتكبوا جرائم حرب بحق الأكراد وغيرهم من سكان المنطقة. وبحسب مجلة "فورين بوليسي" الأميركية، يقاتل أولئك المرتزقة، مقابل نحو ألفي دولار شهرياً، جنباً إلى جنب مع حكومة الوفاق الوطني، التي يرأسها فايز السراج، المدعوم من جماعة "الإخوان" في ليبيا.

وتقول مجلة "لوموند" الفرنسية، وفقاً لمعلومات أمنية، إن المرتزقة العرب والتركمان الذين جندهم أردوغان وأرسلهم إلى ليبيا، يقدر عددهم اليوم بسبعة آلاف، وهم يأتون من مختلف الميليشيات السورية الموالية لتركيا، بما في ذلك فرقة السلطان مراد، وجبهة الشام، ولواء سليمان شاه. وتتفق شهادات مختلفة على مشاركتهم على أساس عقد قابل للتجديد يتراوح بين ألفين وثلاثة آلاف دولار في الشهر.

ويقول "المرصد السوري لحقوق الإنسان" إنه يتم تدريب ثلاثة آلاف مجند سوري في تركيا استعداداً لنقلهم إلى ليبيا. وقدر للتو عدد هؤلاء المرتزقة الذين قتلوا بالفعل في ليبيا بـ339 فرداً، وهو معدل خسارة مرتفع للغاية. وبحسب ما ورد من معلومات، فإنه عُرضت الجنسية الليبية على بعض هؤلاء المرتزقة السوريين، أما بالنسبة إلى عائلات المقاتلين القتلى، فهم يأملون في الحصول على الجنسية التركية كتعويض.

ويقول مايكل روبين، الباحث لدى مؤسسة "إنتربرايز أميركان" البحثية الأميركية، إن التواجد التركي في ليبيا يجب أن يرفع الأعلام الحمراء لدى الغرب عموماً والإدارة الأميركية والكونغرس خصوصاً. فبحسب المعلومات الأمنية، فإن أولئك المرتزقة بينهم عناصر من تنظيم "داعش"، وسيكون هذا سيئاً بما يكفي خصوصاً مع ما تقدمه أنقرة من عتاد عسكري لحكومة السراج، يشمل طائرات مسيّرة وأنظمة دفاع جوي حديثة، ما يعني أن أردوغان يسلح المتطرفين، الذين قاتلوا من قبل في صفوف "داعش" و"القاعدة" في سوريا.

"فاغنر" الروسية

وبينما غمرت تركيا ليبيا بوكلائها السوريين، فعلى الطرف الآخر من الصراع، تدعم روسيا حليفها المشير خليفة حفتر، قائد الجيش الوطني الليبي، بمرتزقة شركات الأمن الخاصة الذين على الأغلب هم محاربين سابقين في الجيش الروسي. ففي مطلع مايو (أيار) الماضي، أشار تقرير أممي إلى وجود مرتزقة من شركة "فاغنر" الروسية للأمن، التي يعتقد أنها ترتبط بعلاقات وثيقة بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين. وكشف الخبراء أن المجموعة التي يتراوح قوامها في ليبيا بين 800 و1200 مقاتل، لم توفر فقط الدعم اللوجيستي لحفتر بل اشتركت معه أيضاً في أنشطة قتالية منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2018.

وبحسب جرنال أوروبا للأمن، فإن التدخل العسكري الروسي المباشر غير محتمل إلى حد كبير لأنه سيكون تحدياً لوجستياً، والأهم من ذلك يمكن أن يكون له تأثير ضار على محاولة الكرملين إبعاد نفسه عن تصور العديد من معارضيه بأن روسيا دولة منبوذة. بدلاً عن ذلك، تعتمد موسكو على المقاولين العسكريين الخاصين الذين يمثلون أداة روسية لا غنى عنها في السياسة الخارجية وتسترشد بتطلعات موسكو الجيوسياسية والمصالح الاقتصادية الشخصية. ومع ذلك، تجدر الإشارة إلى أن أنشطة الشركات العسكرية الخاصة الروسية ظلت دائماً تعمل وفقاً للسياسة الخارجية الروسية وليس المصلحة الذاتية فقط.

لكن الخسائر التي منيت بها صفوف حفتر في الأسابيع الأخيرة الماضية ومقتل نحو 30 من قوات "فاغنر"، بحسب وسائل إعلام غربية، ربما أدت إلى تعجيل فك ارتباط هذه المجموعة، حيث خسر الجيش الوطني الليبي السيطرة على قاعدة الواطية الجوية، غرب ليبيا، التي كان يحتفظ بالسيطرة عليها منذ 2014. وبحسب صحف أميركية، فإنه منذ بداية مارس (آذار) الماضي، بدأت روسيا تسترشد بنهج أردوغان من خلال الاستعانة بمرتزقة سوريين.

 

بوتين يستخدم سلاح أردوغان

وبحسب ما أوردته مجلة "فورين بوليسي" في تقرير نُشر في مايو الماضي، فإن العقيد ألكسندر زورين، الذي عمل عام 2016 مبعوثاً لوزارة الدفاع الروسية في فرقة عمل، تتخذ من جينيف مقراً لها، لوقف الأعمال العدائية في سوريا، يقود عملية تجنيد عناصر للقتال في صفوف حفتر، الذي يسيطر على الشرق الليبي. ويُعرف زورين في سوريا بأنه "عرّاب" صفقات المصالحة بين النظام والمتمردين في الغوطة ودرعا والقنيطرة.

وأكد مصدر روسي أنه في أوائل أبريل (نيسان) الماضي، قام زورين بزيارة جنوب سوريا، وهي منطقة يعتقد أنها أرض خصبة بشكل خاص للتجنيد الروسي، ليس فقط بسبب تفشي الفقر لكن أيضاً بسبب غياب الدعم من أي قوة إقليمية أو عالمية أخرى. وكان العديد من المتمردين في المنطقة قد حولوا ولاءهم بالفعل إلى الرئيس السوري بشار الأسد في يوليو (تموز) 2018 بعد أن رفضت الولايات المتحدة مساعدتهم.

التدخل الروسي الذي يثير القلق في المعسكر الغربي من صعود نفوذ الكرملين في المنطقة، دفعهم للصمت أو الرضا الصامت على نقل الإرهابيين من سوريا إلى ليبيا، الأمر الذي بدأه أردوغان، ما يهدد بانفجار تحدٍ أمني أكثر صعوبة من تحدي ظهور "داعش" في العراق وسوريا. ومع استيلاء تركيا وروسيا على خيوط المعركة في ليبيا، عبر مرتزقة من جنسيات عديدة أغلبهم سوريين، يتم تحويل ليبيا إلى سوريا جديدة أو ربما أفغانستان أخرى.

ويحذر روبين من أن ما يجري في ليبيا هو النمط ذاته الذي سارت عليه أفغانستان عندما سعت وكالة الاستخبارات الأميركية إلى دعم حركة "طالبان" لطرد السوفيات. ويقول إن تركيا لا تغذي وتمول هذه الجماعات فقط، بل تسلحها أيضاً. قد يعتقد أردوغان أنه يستطيع السيطرة على وكلائه المتطرفين، لكن التاريخ يشير إلى أنه مخطئ.

المزيد من دوليات