العقلانية الإسلامية (الحلقة الثانية)

شكية المعري كانت نفسية أكثر منها عقلية، لكن أبا حامد محمد الغزالي (1058-1111 م) تبنى مبدأ الشك من أجل اليقين

كان أبو العلاء أحمد المعري يمثل الجانب الآخر للفلسفة الإسلامية المميزة (بلوغ رحالة)

المعري

كان أبو العلاء أحمد المعري (973-1057 م) يمثل الجانب الآخر للفلسفة الإسلامية المميزة، منغمساً في التشاؤم المزمن، إذ كانت لديه نظرة مضطربة إلى حد ما تجاه الإنسانية، ووفقا للمعري، ليس لدى الرجل سوى عقله لمساعدته في حَيرته مع عالمه. إن تعبيرات المعري عن تقديس عقل الإنسان بشكل متكرر حتى بالغ فيه كثيراً. بالنسبة للمعري، أن كل "عقل نبي"، وهو قبس "من نور" إلهي. وهنا بعض من تأملاته حول قدسية العقل:

أيّها الغرّ قد خُصصت بعقلٍ

فاسألْنه فكل عقلٍ نبي

- تركت مصباح عقل ما اهتديت به

والله أعطاك من نور الحجا قبساً

ويُبلغُنا المعري على استخدام القياس العقلي في كل شيء قيل لنا من قِبل الرواة أو المحدثين: "فشاور العقل واتركْ غيره هدَراً، فالعقل خير مشير ضمّه النادي". ومع ذلك، فإن العقل غير قادر على البحث في الماورائيات:

سألت عقلي فلم يخبر فقلت له

سل الرجال فما أفتوا ولا عرفوا

قالوا فمالوا فلما أن حدوتهم

إلى القياس أبانوا العجز واعترفوا

على الرغم من أن المعري كان لديه شك في كل موضوع ماورائي، سواء كان فلسفياً أو دينياً، إلا أنه لم يشك في وجود الله الخالق:

والله حق من تدبر أمره

عرف اليقين وآنس الإعجازا

 

الغزالي

إن شكية المعري كانت نفسية أكثر منها عقلية، لكن أبا حامد محمد الغزالي (1058-1111 م) تبنى مبدأ الشك من أجل اليقين. ومع ذلك كانت النتيجة هي نفسها: أن العقل عاجز في البحث بالماورائيات. بالنسبة إلى الغزالي، في كتابه: "معارج القدس" يرى أن: الشرع عقل من خارج، والعقل شرع من داخل. وهما متعاضدان بل متحدان. وقال الله تعالى: "نور على نور". أي نور العقل ونور الشرع.  

ولقد التزم الغزالي بهذا النهج في سعيه الدؤوب في البحث عن الحقيقة، والتحقيق بعد التشكيك، بالرد على مختلف المذاهب والمدارس الإسلامية، مثل: المعتزلة والحشوية والظاهرية. وحسب رأي الغزالي ليس هناك من تناقض بين العقل والشرع، فهما متصلان وليسا منفصلين. فالعقل لضعفه وقصوره يقف عاجزاً تجاه الماورائيات فقط، لأنه ليس فيها أدلة ذات معرفة يقينية تساعد العقل في هذا السياق. فالعقل عاجز عن الخوض في الحقائق الدينية والإلهية. وهذا لا يعني أن موقف الغزالي يريد أن يقلل من قيمة العقل، بل يهدف إلى تبيان أن العقل في مسائل الماورائيات قاصر في هذه المهمة.

في كتابه: "تهافت الفلاسفة" أشار الغزالي إلى أن الإلهام والوحي يسعفان العقل تجاه أي مشكلة لا يستطيع العقل أن يوفر حلاً نهائياً لها. ومن هنا فقد جادل الغزالي بأن العقل يجب أن يكون مترجماً للوحي والإلهام، وكان من الضروري استخدام العقل لفهم الشريعة. ولقد تشارك الغزالي هذا النهج مع المعتزلة، لكنه قيّم العقل أكثر اعتدالاً منهم، رغم أنه أكد على تطبيق المنطق كأداة أساسية في شرح حقائق الإيمان. واعتبر أن العقل المسلح بالمنطق سيكون قادراً على تجنب الوقوع في الخطأ. ومع ذلك فقد حذر الغزالي من التعمق في البحث عن الحقائق المجردة، على أساس أن العقل من غير وحي غير قادر على فهم الحقيقة دوماً، خاصة في القضايا الدينية والإلهية. 

حسب رأي الغزالي في المسائل اللاهوتية، فإن أفلاطون وأرسطو وأفلوطين والفلاسفة المسلمين الذين اتبعوهم، وخصوصاً الفارابي وابن سينا​​، كانوا مشوشين ومتناقضين مع بعضهم البعض. وأكد أن هذا يدل على عدم قدرة العقل في هذا المجال فقط. وكان هدف الغزالي في تحقيق توازن واعتدال يحمي الفكر الديني من أي بدعة أو انحراف لا مبرر له.

هذا وكان الغزالي معارضاً بشكل خاص للعقيدة المبنية على الفكر العقلي وحده، أو تحديد الدين بمبادئ المنطق. فالعقل قادر على التعامل مع الرياضيات والهندسة والمنطق والفيزياء والفلك، ولكن ليس مع الدين أو القضايا الماورائية؛ لأن الدين وحقائق الإيمان يجب أن تتدفق من القلب. إن العقل والقلب مُصمَمَان للتعامل مع المعرفة من مصادر مختلفة، العقل يتعامل مع العلوم النظرية والعملية، في حين أن القلب يتعامل مع الحدس الديني، والذوق الرُّوحي، والوحي الداخلي. وبعد أن حدد الغزالي من قدرات العقل والقلب بهذه الطريقة، وصلت فلسفته إلى بعض الفوارق الحادة.    

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ابن رشد

كان أبو الوليد محمد بن رشد (1126- 1198 م) قاضياً أباً عن جد، لذا كان متمكناً من الرد على الغزالي في الجوانب الدينية التي نقد فيها الفلاسفة اليونانيين والمسلمين. وفي كتابه: "تهافت التهافت" هاجم الغزالي، وأثبت أنه:

1- اعتمد على "أدلة" غير مقنعة.

2- استنكر آراء الفلاسفة بحيث يبدو أنهم يدعمون ما يقوله، وأهمل حججهم غير الملائمة له.

3- كتابه هراء خبيث.

4- عدم كونه فيلسوفاً حقيقياً.

وفقاً لابن رشد، فإن الحكمة والشريعة تُعَبران عن حقيقة واحدة وبطُرق مختلفة، ولذلك فإنهما ليستا متناقضتين، ولا ينبغي أن يدب الخلاف بين طلابها وروادها، على الرغم من تعارض ظاهري في بعض المسائل التي تسببت في أن العلماء كالغزالي يعتقدون بوجود اختلافٍ لا يمكن حله بين الحكمة والشريعة. بالنسبة إلى ابن رشد، الحكمة ليست أكثر من وسيلة للتحقيق في العالم، والكون كدليل على "صانع". وهكذا لم يكن هدف الحكمة مختلفاً عن الشريعة، برغم مناهجها المختلفة.

ويعتقد ابن رشد أن الشرع لم يمنع النظر العقلي، بل على العكس أيده، كما أوضحت آيات معينة في القرآن: "فاعتبِرُوا يا أُولي الأبصار". (2:59). على سبيل المثال، آية حثت على استخدام القياس العقلي: "أولم ينظُرُوا في ملكوتِ السماواتِ والأرضِ وما خلق اللهُ من شيء". (185:7). ونص آخر يوصي بالتأمل والنظر في كل الأشياء الطبيعية والكونية، كما هي: "أَفلا ينظُرُون إِلى الإِبلِ كيف خُلقت. وإِلى السماءِ كيف رُفعت". (88: 17-18). إن الكلمات: "ويتفكرُون في خلقِ السماواتِ والأرضِ". (191:2). تُعبر عن عمق خاص للأشخاص الذين يذكرون الله في التفكير بخلقه. وهناك العديد من الآيات حول هذا الموضوع.

إذاً فإن الشرع أوجب النظر بالعقل في الموجودات واعتبارها، وكان الاعتبار ليس أكثر من استنباط المجهول من المعلوم واستخراجه منه، وهو ما يعرف بالقياس عند المناطقة، فينبغي علينا أن نجعل نظرنا في الموجودات بواسطة القياس العقلي. ولما كان القياسُ أنواعاً شتى، فلا بد أن يكون القياس البرهاني هو الذي دعا إليه الشرع؛ لأنه أتم أنواع الأقيسة وأصحها على الإطلاق. فهو يبدأ من مقدمات أولية يقينية تكون واضحة في ذاتها، لذلك كانت نتائجه يقينية صادقة لا تختلف. ودونه القياس الجدلي، وهو يبدأ من مقدمات ظنية محتملة مأخوذة من بادي الرأي، ومن ثم فإن نتائجه لا تفيد اليقين. ودونه في الرتبة، القياس الخطابي، ويعتمد على مقدمات مشهورة يراد بها السيطرة على عواطف السامع ومشاعره. ودونه أخيراً القياس المغالطي، ويعتمد على مقدمات تبدو صادقة، ولكنه ينتهي إلى نتائج غير مقبولة. والمهم للشريعة ألا نستخدم الطريقة الخاطئة. ينص القرآن: "ادعُ إلى سبيلِ رَبِكَ بالحكمةِ والموعظةِ الحسنةِ وجادلهُم بالتي هي أحسنُ، إِنَّ رَبّكَ هو أعلمُ بمن ضلَّ عن سبيلهِ وهو أعلمُ بالمهتدين". (125:16). 

هذا ويرى ابن رشد كل مَنْ: يريد التصدي للاستدلال على وجود الصانع (الله) وطلب معرفته من طريق مصنوعاته أن يُلمْ بأنوع البراهين ويفرق بينها ويقف على شروطها. ومعنى ذلك أن البحث النظري في أمور الدين لا سبيل إليه إلا بدراسة المنطق، والتمكن فيه، ومعرفة كيف يكون القياس برهانياً أو غير برهاني، للوصول إلى الاستنباط الصحيح. فالمنطق يتنزل من النظر منزلة الآلآت من العمل.

وهكذا لا يجوز أن نرفض القياس العقلي كونه بدعة لم يكن لمسلمي الصدر الأول عهد بها. فالقياس الفقهي أيضاً لم يكن لمسلمي الصدر الأول عهد به، وإنما استنبط فيما بعد، ولم يقل أحد أنه بدعة. وعليه فلا غنى لنا من أن نستعين بما انتهى إليه القدماء حتى لو كانوا على غير ملتنا، لأن من العبث أن ننبذ ما كتبه القدماء، ونستأنف البحث من جديد. فالمنطق لا يعدو أن يكون آلة في أيدينا نتوسل بها في عصمة أذهاننا عن الخطأ في التفكير، ولا شأن لهذه الآلة بملة القوم الذين وضعوها "من القدماء قبل ملة الإسلام".

إن الاطلاع على كتب الفلسفة وعلوم الأوائل واجب بالشرع، فكما أنه لا حرج علينا في استخدام آلة القدماء التي هي المنطق في تصحيح تفكيرنا وعصمة أذهاننا عن الخطأ، فكذلك لا حرج علينا في الرجوع إلى حكمتهم والفحص عما انتهوا إليه في باب النظر في الموجودات. وفي هذا الصدد يقول ابن رشد: أن ننظر في الذي قالوه من ذلك وأثبتوه في كتبهم، فما كان منها موافقاً للحق قبلناه منهم، وسررنا به وشكرناهم عليه، وما كان منها غير موافق للحق نبّهنا عليه وحذّرنا منه وعذَّرناهم.

ومن هنا، لا عبرة بقول مَنْ يُحرم النظر في كتب القدماء من الحشوية وأهل الظاهر ما دام الشرع يحثنا على التفكير في الصنعة لمعرفة الصانع. فالدين نفسه هو الذي يأمر على سبيل الوجوب بالاشتغال بالفلسفة وعلوم الأوائل ضمن الشرائط والأحوال التي ذكرنا. فلا خلاف بين الدين والفلسفة "فإن الحق لا يضاد الحق، بل يوافقه ويشهد له".

وعن ملاحظة الخلاف أو التعارض بين النص ونتيجة البرهان الفلسفي، فيجب أن نحكم أن هذا لا يمكن أن يكون إلا في الظاهر وأن البحث العميق كفيل بازالته. وهذا شبيه بما يجري في الدين نفسه: فقبل أن يظهر بين الدين والفلسفة ما نعرف من خلاف وخصومة ظهر تعارض بين الآيات، وللتوفيق بينها لجأ العلماء إلى التمييز في بعض النصوص بين المعاني الظاهرة والمجازية وبين المعاني الباطنة الحقيقية. فكانت المشاكل التي من هذا الضرب تُحل بكشف المعنى الباطن للنص المتشابه، وطريقة التوفيق هذه التي سموها "التأويل" تكفي لإزالة كل ما يُظن من خلاف وتناقض بين الدين والفلسفة. وبذلك فإن الفقيه يستخدم مبادئ القياس العقلي "باطنياً"، بينما الفيلسوف يستخدمها ذهنياً.

 

ابن خلدون

على الرغم من الميول التجريبية والعلمية فقد رفض أبو زيد ولي الدين بن خلدون (1332-1406) موقف ابن رشد وأيد نهج الغزالي. في كتاب: "المقدمة"، يطرح ابن خلدون فلسفة تعتمد على العقل وعلى القياس المنطقي، وقليل من الفهم المباشر إلى علم الكلام: فالموضوعات اللاهوتية موجودة خارج نطاق الحواس، لذا لا يمكننا الوصول إليها أو إثباتها. أفلاطون نفسه قال: إن الفلسفة لا تؤدي إلى اليقين، بل إلى الافتراض. فماذا كانت فائدة الفلسفة إذا لم يكن هناك يقين فيها؟

اتّبَع ابن خلدون خطى الغزالي في انتقاد الفلاسفة ورفض أفكارهم، لا سيما في الماورائيات. وأن الفكرة الفلسفية القائلة بأن السعادة تتألف من تصور عقلي للخلق، فذلك وهمّ كاذب؛ لأن السعادة في الروح لا تتطلب أي عامل كالإدراك الجسدي لتكون في متعة كبيرة. إذ إن هذه الحالة الرُّوحية لم تصدر عن التأمل أو العلم، بل هي مجهولة لنا، ولا يمكن التوصل إليها ولا البرهان عليها. ونحن لا ندرك الذوات الرُّوحانية حتى نجرد منها ماهيات أخرى، فلا يتأتى لنا برهان عليها. فما لا مادة له لا يمكن البرهان عليه. وكثيراً ما استخدم الصوفيون مثل هذه الوسائل للتوصل إلى سعادة لا يستطيعون التعبير عنها. ادعى الفلاسفة أن أي شخص نجح في الإدراك والتواصل مع "العقل الفعّال" سيكون سعيداً. وفقا لأرسطو وكذلك الفارابي وابن سينا ​​وابن رشد، يجب أن يحدث هذا التصور والارتباط داخل الروح، دون وسيط. وهذا لا يمكن أن يحدث إلا من خلال حقل الحواس.

بالنسبة إلى ابن خلدون، كان نهج الفلاسفة غير كافٍ لهدفهِ الحقيقي، ومخالفاً للشريعة أيضاً. وكل ما فعله الفلاسفة (الفارابي وابن سينا وابن رشد) هو ترتيب حججهم لتحقيق مظهر التفوق الفلسفي، بدلاً من إنشاء أي شيء يسمى البرهان على نحو صحيح. وقد شيدت التحليلات والتوليفات وفقاً للشروط التي استمدت في أعمالهم المنطقية. ولكن على الرغم من أن طُرق إثبات الفلاسفة كانت غير مناسبة في كل سياق، إلا أنها كانت أفضل القوانين النظرية التي يمكن اشتقاقها.

إن هذا القول الأخير يُظهر أن ابن رشد كان له تأثير مثل الغزالي على ابن خلدون الذي لم ينفِ أبداً أهمية العقل، ومهما كان ارتباطه بالدين. ولقد اعتبر ابن خلدون، كالغزالي، أن العقل غير قادر على فهم الماورائيات ما لم يتم اتّباع طريقة الوحي والتصوف أولاً. وفي هذا الخصوص، كتب ابن خلدون: أن العقل هو مقياس الميزان، أحكامه هي يقينية بلا باطل، ولكن لا يمكنك أن تثقل فيه قضايا التوحيد والآخرة وحقيقة النبوة والحقيقة الإلهية وصفاته تعالى، أو أي قضية ماورائية، فكل ذلك من المستحيل.

طبعاً، يوجد هناك تناقض غريب في موقف ابن خلدون، فهو ينتقد الفلاسفة ويرفض أفكارهم، لكنه ينغمس بعمق في الفلسفة بنفسه. ومع ذلك، كان ابن خلدون سابقاً لزمانه، وكانت أعماله ومبادئه "التجريبية" و"المشاهدة" (المقارنة) باعتبارها المقاييس الحقيقية الوحيدة للمعرفة؛ ولقد أثرت أفكاره هذه بشكل كبير في أوروبا مما هو عليه في العالم الإسلامي. كان آخر وهج فلسفي حقيقي في الحضارة الإسلامية.

المزيد من آراء