Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الأهداف السياسية للإصلاح المالي في لبنان تسقط الـ "هيركات"

بداية مواقف معارضة لحكومة دياب لكن بديلها غير متوفر في المعادلة الراهنة

تشير الأوساط المراقبة لتطورات الأوضاع السياسية في لبنان إلى أن هناك بداية لتبلور مواقف معارضة (غيتي)

كشف الخلاف اللبناني الداخلي على فكرة الاقتطاع من الودائع في المصارف، والتي سحبت من التداول فور ظهور معارضة واسعة وحادة لها، هشاشة التركيبة السياسية التي ستتولى الحلول للمعضلة الاقتصادية المالية التي يتخبط بها لبنان، والتي زادها وباء كورونا صعوبة بفعل آثار إجراءات الإقفال العام منذ 14 مارس (آذار) الماضي، لتفادي تفشي الوباء القاتل.

وقبل أن يعلن رئيس البرلمان نبيه بري "قراءة الفاتحة والترحم على "الهيركات" كما تم الترحم على "الكابيتال كونترول" (مشروع قانون تقييد وتقنين السحوبات على الودائع بالدولار الأميركي)، كانت المداولات البعيدة من الأضواء أفضت إلى هذه النتيجة، خصوصاً أن بري كان محور الاتصالات التي أدت إلى التخلي عن فكرة الاقتطاع من الودائع لتغطية فجوة الخسائر المالية التي بلغت نحو 83 مليار دولار، بعدما كشفت مسودة البرنامج الإصلاحي لحكومة الرئيس حسان دياب التي تسربت إلى الأوساط الاقتصادية والخبراء الماليين قبل أسبوع، أرقام الفجوة المالية في المصارف ومصرف لبنان بسبب إقراضهما الدولة اللبنانية بلا ضوابط، وجود توجه نحو الـ"هيركات".

فمعارضة الفكرة لم تقتصر على الجانب التقني فقط، بل تعدتها إلى الجانب السياسي أيضاً، وهذا ما أعطى بعداً أكثر جدية لمعارضة الفكرة، ما أدى إلى التراجع عنها من قبل دياب.

على الصعيد التقني، فإن عدداً من الاختصاصيين والاقتصاديين أيّد فكرة الـ "هيركات" كإجراء لا بد منه، لأن الودائع تقلصت قيمتها أصلاً بسبب ارتفاع سعر صرف الليرة اللبنانية بنسبة الضعف، بالتالي من الطبيعي أن يخسر المودعون نصف قيمة أموالهم.

لكن آخرين من الاختصاصيين رأوا أن هذه الفكرة "كارثية" على مستقبل الاقتصاد اللبناني، لأنها تؤدي إلى سقوط القطاع المصرفي الذي على كاهله سيكون تمويل الاقتصاد لاحقاً.

فالاقتطاع من الودائع على الشكل المقترح (ما فوق وديعة 100 ألف دولار أو ما فوق 200 ألف دولار) سيؤدي إلى هروب الرساميل العربية والأجنبية حين ينفتح الاقتصاد، بعد الأزمة ويقضي على فرص جذب الاستثمارات الخارجية.

وبرر بعض أهل الحكم اقتراح طرح فكرة الاقتطاع من الودائع في برنامج الحكومة الإصلاحي بالقول إنها أتت في تقرير الشركة المالية الاستشارية "لازارد" التي تعاقدت معها الحكومة اللبنانية للتفاوض مع دائني لبنان بسندات يوروبوندز التي قررت الحكومة التخلف عن دفعها (31 مليار دولار) لإعادة هيكلة الدين وخفض فوائده.

فالشركة الاستشارية اعتبرت أن الاقتطاع من ودائع اللبنانيين يسهّل إقناع دائني لبنان بأن يقبلوا خفض قيمة الدين وأن يثقوا بأن معالجة الخسائر في موجودات المصارف التي تبخرت عبر المودعين يعيد الثقة بالقطاع المصرفي والمالي اللبناني، حيث يأمل الدائنون بعودة أموالهم استناداً إلى خطة مالية تشمل الـ "الهيركات لتصحيح المالية العامة والقطاع المصرفي اللبناني.

أبرز الاعتراضات التقنية

وأبرز الجهات التي كان لها اعتراض بالمعنى التقني على هذا الخيار، الشركة العالمية الثانية التي عينتها الحكومة كاستشاري قانوني مالي للتفاوض مع الدائنين على إعادة هيكلة الدين إضافة إلى "لازارد" وهي "هوليهان لوكي" (وهي استشاري لجمعية المصارف للدفاع عن المصارف حاملة سندات يوروبوندز أيضاً).

وأصدرت بياناً أعربت فيه عن خيبة أملها من مقاربة الحكومة للإصلاحات المطلوبة.

وأضاف البيان "اختارت الحكومة ‏استراتيجية إلقاء اللوم في ما يخص الأزمة المالية على القطاع المصرفي وفرض العبء المالي لحل المشكلة على الجمهور (أي المودعين). بدلاً من ذلك، كان ينبغي على الحكومة إعداد تحليل شامل ومستقل للوضع المالي الحالي ليكون جزءاً من ‏جهد بناء وحسن نية للعمل مع أصحاب المصلحة الرئيسيين باتجاه خطة شاملة وعادلة لمعالجة ‏جذور الأسباب الأساسية".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وفي وقت استسهلت "لازارد" خيار الاقتطاع من الودائع لمعالجة الخسارة، لتسهيل دورها التفاوضي، عبّرت "هوليهان لوكي" عن "قلق واضح من احتمال تدمير القطاع المصرفي الذي لا غنى عنه في ‏‏تمويل ‏الاقتصاد الحقيقي بعد الإصلاح".

ونبّهت إلى "وجوب أن يقوم البرنامج الإصلاحي على قاعدة مشاركة جميع ‏أصحاب ‏الحقوق، باعتبارها الطريق المثلى لصياغة وتنفيذ برنامج إصلاحي عادل، قبل اللجوء ‏إلى الـ "هيركات".

وأجمع معارضو الفكرة من الاقتصاديين اللبنانيين على أن مسودة البرنامج الإصلاحي تركز على إعادة هيكلة الدين والمصارف (من أجل تقليص عددها) وكذلك مصرف لبنان وعلى الوضع النقدي، فيما اقتصر مخطط النهوض الاقتصادي والاستثماري على العناوين.

فقدان الغطاء السياسي للحكومة

وسأل مقرر لجنة المال والموازنة النيابية وزير الاقتصاد السابق نقولا نحاس، الذي أقر بأن المسودة تتضمن الأرقام الدقيقة للخسائر المالية للمرة الأولى "كيف نُدفّع ثمن الأزمة للمودعين بينما هؤلاء هم الذين سنتكل عليهم في المستقبل، من أجل النهوض بالاقتصاد؟".

وأضاف "الحل المقترح ليس ناضجاً والمقاربة جزئية. ورئيس الحكومة حين يقول إن 90 في المئة من المودعين حقوقهم ستكون محفوظة، فإنه لا يعرف ماذا يقول. فالمليون و700 ألف مودع أموالهم هي رواتبهم من أجل إنفاقهم. أما العشرة في المئة الآخرين فهم 250 ألف عائلة، يمثلون 92 في المئة من الطاقة الاقتصادية، بينهم المغتربون الذين هم ذهب لبنان الأبيض".

ورأى أن مقاربة الاقتطاع من الودائع غير موفقة وخطيرة جداً، وأن المطلوب نظرة جديدة لم نرها في مسودة البرنامج الإصلاحي، وهذه النظرة الجديدة تحتاج توافقاً سياسياً تخرج معها الطبقة السياسية من أساليبها القديمة. لكن الحكومة لا تتمتع بالغطاء السياسي الكافي لأن غطاءها جزئي".

أموال المغتربين والأهداف السياسية وراء "هيركات"

طرح سحب فكرة الـ "هيركات" الموقف السياسي من الحكومة، فالفكرة رُميت في سوق التداول الإعلامي بالتزامن مع استمرار حملة رئيس الجمهورية العماد ميشال عون وفريقه أي المستشارين و"التيار الوطني الحر" على إرث السنوات الثلاثين الماضية التي تعني باختصار "الحريرية السياسية" وحلفاءها.

وأخذ رئيس الحكومة حسان دياب يردّد اللازمة نفسها بصيغة "الإرث الثقيل"، وسط معلومات قوى سياسية بقيت خارج الحكومة عن أن رجالات العهد وبعض من يتكل عليهم الرئيس دياب من المستشارين الذين يتولون التنسيق بينه وبين رئيس "التيار الحر" جبران باسيل، عن توجه لتحميل رئيس الحكومة السابق سعد الحريري، ورئيس "الحزب التقدمي الاشتراكي" وليد جنبلاط وحلفائهما من قوى 14 آذار السابقة، مسؤولية اضطرار الحكومة إلى اعتماد خيار الـ "هيركات" أمام المودعين المتضررين من اللجوء إلى هذا الحل الإسهل لسد الفجوة المالية، جراء سياسات العقود الماضية.

وهو ما دفع الحريري إلى رفض المس بأموال المودعين ملوحاً بأنه سيكون له كلام آخر إذا لم تتراجع الحكومة عن هذا الخيار، فيما ربط جنبلاط رفضه له بتحذيراته الدائمة من رغبة الفريق الحاكم بالسيطرة على مقدرات البلاد، ومنها القطاع المصرفي ومصرف لبنان، فهاجم دياب لاقتناعه بأنه يقبل بأن يشكل غطاءً لسياسة العهد، بالرغبة في السيطرة على القطاع المصرفي ومصرف لبنان، واتهمه بأنه موظف عند أحد ضباط المخابرات السابقين (قاصداً النائب الحالي جميل السيد) وعند باسيل.

دارت الاتصالات بين فريقي جنبلاط والحريري على أساس هذه المقاربة، وكذلك مع رئيس حزب "القوات اللبنانية" سمير جعجع الذي عاد وأعطى بعداً سياسياً لرفضه الاقتطاع من الودائع، مكرراً إشارته إلى "الثلاثي المرح" الحاكم بأنه يقف حائلاً دون الإصلاح الحقيقي للمالية العامة على كل الصعد. وهو يقصد بذلك عون والثنائي الشيعي، كسيبة تدعم حكومة دياب، وتمسك بقراراتها.

فالزعماء الثلاثة يكررون في مواقفهم التشديد على مسؤولية "التيار الحر" عن الهدر خلال الـ15 سنة الماضية في قطاعي الكهرباء والاتصالات وغيرهما.

 قناعة بري وبقاء الحكومة

في هذا الوقت، كانت تولدت قناعة لدى بري بأن هناك توجهاً لدى فريق الرئاسة ودياب لاعتماد خيار الـ "هيركات" على الرغم من أن وزير المال الذي سماه هو للمنصب غازي وزني لم يكن مع هذا التوجه.

فالمغتربون الشيعة الذين جمعوا أموالهم من أفريقيا ودول أخرى على مدى عقود وأودعوها المصارف اللبنانية، ووظفوا جزءاً منها في لبنان وتقدر بعشرات مليارات الدولارات، هم على اتصال مع بري الذي أدرك أنهم سيكونون أكبر الخاسرين.

كما أن اتصالات فريق جنبلاط  مع بري تناولت البعد السياسي لهذا الخيار، ما دفع رئيس البرلمان إلى إيفاد معاونه وزير المال السابق علي حسن خليل للقاء دياب مرتين وإبلاغه بملاحظاته على خيار الـ"هيركات" ورفضه له، ما اضطر رئيس الحكومة إلى التأكيد له: "لست متمسكاً به".

ومع أن مصادر الرئيس عون سرّبت إلى وسائل الإعلام أنه لن يقبل بصيغة الاقتطاع من ودائع الناس في المصارف، قالت مصادر القوى المعارضة لهذا الخيار إن فريق الرئاسة بدأ يأخذ مسافة عن هذا الخيار بعدما اتسعت رقعة معارضته.

ولكن، هل يؤسس الاعتراض الذي ظهر من قوى سياسية خارج الحكومة على الـ "هيركات" لمعارضة جديدة بعدما كانت هذه القوى أعلنت أنها ستعطي فرصة للحكومة لتجد حلولاً للأزمة الاقتصادية؟

في المقابل، تشير الأوساط المراقبة لتطورات الأوضاع السياسية في لبنان إلى أن هناك بداية لتبلور مواقف معارضة، من دون القفز إلى استنتاج بأن هناك معارضة موحدة أخذت تنشأ، إذ لا مجال الآن لتغيير في المعادلة السياسية، لا سيما في ظل استمرار الإجراءات الضرورية في مواجهة وباء كورونا، هذا فضلاً عن أن لا بدائل عند أي من الفرقاء لتركيبة حكومية جديدة.

وتلفت المصادر إلى ما قاله رئيس المجلس السياسي في حزب الله هاشم صفي الدين عن أن "الحكومة الحالية خشبة الخلاص الوحيدة وأنه ليس أمام اللبنانيين إلا الالتفاف حولها وإذا عمل بعض اللبنانيين على إسقاطها فسنكون أمام واقع أصعب بكثير مما نحن عليه الآن مالياً واقتصادياً واجتماعياً ومعيشياً".

وفي كل الأحوال لم يطرح أي من المعارضين المفترضين تغيير الحكومة، فضلاً عن أن بري عبر عن واقع الحال بالتأكيد أن علاقته برئيس الحكومة جيدة على الرغم من التباينات العديدة التي ظهرت بينهما في مواضيع عدة خلال الشهرين الماضيين، من التعيينات المالية إلى الـ "كابيتال كونترول" وغيرها.

المزيد من العالم العربي