Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

بكم تريليونا يدين العالم للصين؟

بكين تقرض الدول المتقدمة الغنية مثلما تقرض الدول النامية

بلغ ما قدمته الصين للعالم من قروض نحو 2.17 تريليون دولار  حتى 2023 (رويترز)

ملخص

تأتي المفاجأة في ما نشرته مجلة "إيكونوميست" أخيراً عن دراسة قام بها اقتصاديون من الولايات المتحدة تكشف أن قروض الصين إلى دول العالم المختلفة البالغة أكثر من تريليوني دولار (هذا ما هو معلن وأمكن حسابه فحسب وليس كل الديون الصينية على العالم) ليست كلها للدول النامية والفقيرة.

 

لا تتوقف منذ سنوات التقارير والتحقيقات في الإعلام الأميركي والغربي عن "حرب الديون" التي تشنها الصين في قارات آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية لبسط نفوذها من خلال تقديم المنح والمساعدات والقروض الميسرة لحكومات الدول النامية والفقيرة.

وتخلص أغلب تلك الحملات الإعلامية إلى أن الصين لا تربط قروضها للدول النامية بأي شروط مثلما يفعل الغرب والمؤسسات المالية التابعة له من قبيل الديمقراطية وحقوق الانسان وغيرها.

وبالتالي فهي تكسب "صراع الإقراض" هذا بسهولة وتغرق تلك الدول في الديون لتحصل على ما تريد من مواد أولية أو فتح أسواق لصادراتها.

مع أن دول الغرب ومؤسساته المالية لا تفعل سوى ذلك على مر العقود: الإقراض للحصول على منافع من مواد أولية وغيرها وفتح أسواق لصادراتها، إلا أن الحملة على الصين على مدى سنوات صورت بكين وكأنها تشن "حرب إقراض".

تأتي المفاجأة في ما نشرته مجلة "إيكونوميست" أخيراً عن دراسة قام بها اقتصاديون من الولايات المتحدة تكشف أن قروض الصين إلى دول العالم المختلفة البالغة أكثر من تريليوني دولار (هذا ما هو معلن وأمكن حسابه فحسب وليس كل الديون الصينية على العالم) ليست كلها للدول النامية والفقيرة.

الأهم أن نصفها تقريباً ديون على دول كبرى غنية في مقدمتها الولايات المتحدة صاحبة أكبر اقتصاد في العالم.

ومن المهم الإشارة إلى أن نمو الاقتصاد الصيني (ثاني أكبر اقتصاد في العالم بعد أميركا)، وزيادة الإنتاج الصناعي والتصدير يراكم أموالاً طائلة قد لا تستوعبها كلها السوق المحلية، لذا فمن المنطقي أن يذهب قدر من تلك الأموال للاستثمار في الخارج إما عبر مشروعات أو قروض ومنح ومساعدات.

حساب القروض الصينية للعالم

هناك مشكلة تقليدية تتعلق بالبيانات والأرقام من الصين وهي أنها ليست متاحة بصورة علنية دائماً، قبل سنوات حاول مركز الأبحاث "أيد داتا" في كلية "ويليام أند ماري" بولاية فيرجينيا الأميركية تتبع حجم الائتمان الصيني حول العالم.

وكما يقول براد باركس أنه حاول هو وزملاؤه في المركز إقناع وزارة التجارة الصينية عام 2009 بالكشف عما تقدمه الصين للعالم من مساعدات وقروض، وكانت حجتهم للصينيين، "ألا تريدون أن يعرف العالم كم أنتم كرماء؟"، لكن رد المسؤولين كان حاسماً "كل من يريد أن يعرف كم نحن كرماء يعرف ذلك بالفعل".

ولجأ الباحثون في المركز إلى طريقة أخرى غير الحصول على البيانات والأرقام الرسمية من السلطات الصينية، فبدأوا يحصون أخبار القروض والمنح التي تقدمها الحكومة الصينية والمؤسات المالية التابعة لها إلى دول العالم من الأخبار والتقارير الإعلامية.

كذلك عملوا على استقاء المعلومات من المصادر الرسمية للدول المقترضة كلما أمكن ومن المؤسسات المالية العالمية مثل البنك الدولي.

وفي النصف الثاني من نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي نشر الباحثون في مركز "أيد داتا" تقريراً عن المنح والقروض التي قدمتها الصين للعالم في الفترة من عام 2000 الى عام 2023، وغطى التقرير أكثر من 30 ألف مشروع في الدول الفقيرة والغنية على السواء ومقترضين حكوميين ومن القطاع الخاص.

وبحلول 2023، بحسب تقرير المركز، الذي نشرت مجلة "إيكونوميست" بعض الجداول والرسوم البيانية التي تضمنها، بلغ ما قدمته الصين للعالم نحو 2.17 تريليون دولار، ولا تمثل المساعدات والمنح سوى 6 في المئة فحسب من ذلك المبلغ الهائل، وأيضاً هناك 3 في المئة لم يتمكن الباحثون من تحديد ماهيتها إذا كانت منحاً أو قروضاً بفائدة بسيطة أم لا بسبب عدم دقة البيانات التي جمعوها.

ديون على الدول الغنية

المثير في البيانات والأرقام التي تضمنها تقرير "أيد داتا" أن نصيب الدول الفقيرة من تلك القروض والمنح الصينية لا يتجاوز 47 في المئة، أي نحو 1 تريليون دولار، أما البقية، والتي تقدر بنسبة 43 في المئة فكانت للدول الغنية المتقدمة، وأكبر مدين للصين من تلك القروض التي تقدمها للعالم هي الولايات المتحدة بما يصل إلى 202 مليار دولار.

من المهم الإشارة إلى أن تقرير مركز الأبحاث لا يتضمن حيازات الصين من الأسهم والسندات، فعلى سبيل المثال تعد الصين من أكبر المشترين لسندات الدين السيادي الأميركي (سندات الخزانة) وبحوزتها ما يقدر بنحو تريليون دولار من سندات الدين تلك، إنما جمع الباحثون فحسب القروض الصينية، سواء الحكومية أو من البنوك الرسمية الصينية، للدول والكيانات في العالم، وذلك أيضاً بحسب ما توافر للباحثين من بيانات ومعلومات، وبالتالي فليست تلك الأرقام هي كل قروض الصين للعالم التي قد تكون أكبر من ذلك بكثير.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

مما يعزز خلاصة أن الدول المتقدمة والغنية تحصل على قدر كبير من القروض الصينية، ما يظهر من البيانات والجداول في تقرير المركز من أن القروض الصينية لدول "الحزام والطريق" ومشروعاته لا تتجاوز 6 في المئة من إجمالي ما تم حصره من قروض ومنح.

مع أن المشروع الذي طرح عام 2013 يعد أهم مبادرات الرئيس الصيني تشي جينبينغ، وتولى الإقراض لدول المشروع منذ إطلاقه من بنكي التنمية الصيني والصادرات والواردات.

لكن المصرفين أصبحا أقل بروزاً ضمن مصادر الإقراض الصيني للعالم في السنوات الأخيرة، مما أفسح المجال أمام البنوك التجارية الكبرى مثل "آي سي بي سي" و"بنك أوف تشاينا"، وهي أيضاً مملوكة للحكومة لكنها تعمل على أساس تجاري مستهدفة تحقيق الأرباح.

وأصبحت تلك البنوك تشكل 60 في المئة من حجم الائتمان الصيني في العالم وتستحوذ الدول الغنية والمتقدمة على 80 في المئة من إقراض تلك البنوك الصينية الكبرى.

آليات الإقراض الصيني

وتعمل البنوك التجارية الصينية الكبرى بطريقة "حميدة جداً" حول العالم، فهي تنشئ فروعاً تابعة لها في أسواق الدول المتقدمة لتتمكن من إقراض عملائها هناك، كذلك تشارك في قروض مجمعة إلى جانب بنوك غربية كبرى، فعلى سبيل المثال، دخل "بنك أوف تشاينا" مع مصرف "جيه بي مورغان" وغيره لتقديم أول القروض المجمعة لشركة "ديزني" عام 2012.

وقد تبدو تلك البنوك الصينية التجارية الكبرى، وإن كانت كلها مملوكة للدول، وكأنها تعمل مثل بقية البنوك في استثمار ما لديها من أموال لتحقيق عائدات وأرباح، إلا أن التقرير يكشف على سبيل المثال زيادة الائتمان لعمليات الاستحواذ في نحو 17 قطاعاً صناعياً تعتبرها الحكومة الصينية قطاعات "حساسة"، مثل البنية التحتية للاتصالات والصناعات الدقيقة والشركات التي تعمل في مجال جمع البيانات.

على سبيل المثال، في عام 2015 قدمت 4 بنوك تجارية صينية قرضاً لشركة "فوصن"، وهي شركة صينية متعددة الجنسية، كي تشتري شركة "أيرون شور" والتي تبيع عبر فرعها في الولايات المتحدة سياسات التأمين للعاملين في الاستخبارات المركزية (سي آي أي) والمباحث الفيدرالية (أف بي آي).

في النهاية، يشير واضعو التقرير إلى أن مشكلة الحصول على بيانات كاملة وأرقام دقيقة ليست تخص الباحثين الغربيين أو من خارج الصين فقط، بل إن المسؤولين الصينيين أنفسهم قد لا يحيطون علماً بكثير من المنح والقروض وخطوط الائتمان التي تقدمها 1100 جهة مقرضة ومانحة صينية، حتى أن باركس يقول إن المسؤولين الصينيين أحياناً ما يلجأون لبيانات "أيد داتا" لمعرفة ما تقدمه بلادهم من منح وقروض حول العالم.

اقرأ المزيد