Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

إبراهيم البليهي: القادة الحاسمون يفرضون التغيير... و"إسلام" سيد قطب صادَم العالم

المفكر السعودي: منابع الإرهاب والتطرف قابلة للتفجر مجددا... والأفكار تنتصر بالقوة لا بالإقناع... والبشرية مرتهنة إلى المتوارث

المفكر السعودي إبراهيم البليهي (اندبندنت عربية)

يضعك الحوار مع المفكر السعودي إبراهيم البليهي في مواجهة شخصيّة تحمل معها تساؤلات متعددة وهمّاً عميقاً حول الثقافة والموروث والانعتاق، من البرمجة التقليدية للعقل. هو الناقد والباحث في أبجديات العلم وأسباب التقدم، فمن أي زاوية تتحاور معه، وهو المفكر الذي تتحكم في مفرداته الفلسفة والدعوة إلى حرية العقل.

يؤكد في حديثه أن مشاكلنا تبدأ ولا تنتهي برفض الآخر، حيث إن الرفض العميق لحضارة العصر يأتي أحياناً من أعلى المستويات التعليمية، وهي ظاهرة واسعة في بلادنا.

ومع جدليّة الأسئلة، كانت لنا وقفات حول ولادته، وهو ابن البيئة النجديّة التقليديّة، كيف أمكنه الانعتاق مما هو سائد؟ يجيب بأن ضغط الأسئلة هو ما يولّد الفكر، وهو ما يطلق صيحة التغيير داخل الإنسان.

البليهي المنشغل بالفكر، والذي شغل مناصب إدارية عدة واختير عضواً في مجلس الشورى السعودي لثلاث دورات متتالية، هو اليوم متفرغ لمشروعه الفكري التنويري.

إنه المثقف الجادّ الذي لا يملّ من تكرار الأسئلة الصعبة، وأكثرها صراحة حول النهضة والتخلف، والفلسفة، والعقل النقدي. في كتبه يروي قصة الحضارات، وكيف اتصلت بالتقدم، وارتباطها بالاستثناء في التاريخ. البليهي يعيد لنا رؤيته مكرراً أنه يتبع منهج النقد بلا تحطيم للشخصية العربية.

يرى أن الأفكار والنُّظُم والمؤسسات والعلوم والفنون والتقنيات، والتقدم الحضاري في شكل عام، لم تتحقق إلا بالانفصال ولو نسبيّاً عن الأنساق المتوارثة، وهو ما يسلّط الضوء عليه في جانب آخر من الحوار.

أما عن سر انبهاره بالغرب ومسؤولية العرب عن تخلفهم، فيجيب مباشرةً بأن هذا تصورٌ شاع عنه، على الرغم من أن كتبه لا تتضمن ذلك، يقول "أنطلق من رؤية إنسانية محضة، ولا أوجه نقدي إلى شعب بعينه".

التساؤلات الحادة للبحث عن الانعتاق

بسؤاله حول فكرته بأن الإنسان لا يُولد بعقلٍ جاهز، وإنما بقابلياتٍ مفتوحة، كيف يرى تشكل هذه القابليات وهو مفكرٌ وُلِد في بيئة تقليدية، ولم يتعلّم في جامعات أجنبية، كيف أمكنه الانعتاق من البرمجة الثقافية؟ يجيب بأن العقل لا يكون عقلاً معرفياً إلا إذا أصبح ذا فاعلية نقدية، وهو في هذه الحالة سيكون حتماً خارج النسق الثقافي السائد الذي تطبّع به في طفولته، وهذه حال كل الذين تجتاحهم تساؤلات حادة وكثيفة حول النسق ذاته، وحول الأنساق الثقافية المتوارثة لكل الأمم بشكل عام.

يوضح أن "هذه الظاهرة تناولتها بالتفصيل في كتابي (الإنسان كائن تلقائي)، لكن ينبغي أن ندرك أن الانعتاق من البرمجة التلقائية لا يأتي بتخطيط، وإنما يكون بفاعلية التساؤلات التلقائية، حيث تنكسر البداهة التلقائية بفاعلية ضغط التساؤلات، فتحلّ بداهة اليقظة محل بداهة الغفلة".

الحضارات تنتصر بالقوة لا الإقناع

وفي مسار الحوار، فإنه من الصعب أن لا يكون هناك سؤال حول الحداثة ولماذا تأخرنا في الوصول إليها، وكيف يرى ذلك المفكر البليهي الذي أيقظ فينا رغبة التساؤل الدائم حول العقل وجدليّة الحضارة.

كيف يمكن تجاوز كوابح اللحاق بالحداثة؟ يقول "كنتُ سابقاً أتصور أن أوروبا انعتقت من أغلال الكنيسة وانطلقت إلى آفاق التقدم بالاستجابة للفلاسفة ورواد العلم ومفكري التنوير، ولكنني حين تعمّقت في دراسة  التاريخ الأوروبي في كل مراحله، ابتداءً بتكوُّن المجتمع الروماني، أو المجتمع اليوناني، ثم التوسع في أوروبا بالقوة بقيادة يوليوس قيصر، وكذلك دراسة تاريخ الهند والصين واليابان، وكل التاريخ الإنساني، لم أجد أي دين ولا أي مذهب ولا أي رؤية فلسفية انتصر وشاع عن طريق الإقناع، لم أجد أمةً تخلت طوعاً واقتناعاً عن نسقها الثقافي واعتنقت نسقاً ثقافياً مغايراً".

الفكرة العزلاء يحاربها كل الناس

ويرى البليهي أن "الأديان والمذاهب انتشرت بالقوة، فالفكرة العزلاء يحاربها كل الناس، حتى سقراط أعدمه أهل أثينا بدعوى أنه يسبّ الآلهة ويُفسد الشباب، وكذلك الهندوسية وطّدها الحكام البراهمة، أما البوذية فبقيت مرفوضةً حتى تبناها حكامٌ في الصين واليابان وكوريا وغيرها. ومارتن لوثر يعترف بوضوح بأنه لولا وقوف بعض الأمراء الألمان معه ضد الكنيسة وضد الإمبراطورية المقدسة لكان نصيبه الحرق حياً. لكن بعض الأمراء الألمان كانوا متلهفين للاستقلال عن تحكُّم الإمبراطورية المقدسة وتحكُّم الكنيسة، فجاء انشقاق مارتن لوثر فرصة لتحقق رغبتهم. ومثل ذلك يُقال عن دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، فهو لم يذهب لإلقاء مواعظ في المساجد، وإنما حرص على أن يتحالف مع صاحب سلطة، وبذلك نجحت دعوته، بل قبل ذلك الرسول - عليه السلام- بقي في مكة سنوات طويلة لم يستجب له سوى عدد قليل من الأفراد، فلما تحالف مع الأنصار وصار يملك قوة انتشر الإسلام بسرعة، حتى جاء عام الوفود فكانت تأتي القبائل لتبايع وتنضمّ. فالحقيقة مهما بلغت من الكمال والنصاعة لن تستطيع بمجرد الإقناع تحويل مجتمع عن نسقه".

ظاهرة الرفض العربية

وفي حديثه عن التجربة اليابانية، يشير إلى أنه حتى في العصر الحديث نجد أن اليابان هي البلد الشرقي الوحيد الذي أدخل علوم العصر ونظمه وأفكاره من دون تلكؤ، لأن التغيير جاء بواسطة الإمبراطور المؤلَّه نفسه، فكان تحولها سريعاً وفاعلاً. أما نحن المسلمين في هذا العصر فإن الهجاء المستمر للغرب والخوف منه قد خلق ردّ فعل قويّ ضد كل عوامل الانعتاق، لذلك ظهر مفكرون عرب كثيرون ولم يجدوا سوى الصدّ والرفض وربما التكفير، بينما رجل دين واحد، مثل حسن البنا، استطاع أن يخلق تنظيماً عالمياً يضمّ الملايين في كل العالم وتجد فيهم آلاف الأطباء والمهندسين والمحامين ومن مختلف التخصصات. وهذا يؤكد انسداد قابلية الاستجابة لحضارةِ العصر، حتى مِنْ الذين نالوا تعليماً عصرياً وتخصصاً عالياً، وهذه معضلة معقدة غاية التعقيد والصلابة والقوة. إن الرفض العميق لحضارة العصر، حتى من الأعلى تعليماً في المجتمعات العربية، ظاهرة واسعة وعميقة وذات فاعلية هائلة في الرفض والمقاومة.

حارب العصر بأدوات عصرية

بالعودة إلى بحث التخرج الذي كتبه المفكر إبراهيم البليهي في كلية الشريعة عن تراث سيد قطب، ما الذي ارتأه في تراث هذه الشخصية الأكثر تأثيراً في حركة الإخوان، وكيف يرى تأثير هذا التراث وأثره في تكريس التخلف؟ يوضح المفكر السعودي "سيد قطب استخدم ثقافته العصرية الواسعة وأسلوبه الأدبي ليؤصل الاقتناع بأنه يقول الحق، فتأثر به الكثيرون، إنه لم يأتِ بجديد، فهو عرض أفكاراً وتعاليم قال بها كثيرون، لكنه عرض ما فهمه عن الدين بأسلوبٍ متدفق مؤثر، بل بالِغ التأثير،  لمَنْ لا يتعمق وللغريب عن أفكاره، إنه استبعد تماماً إمكانية أن يتطور العرب والمسلمون عن طريق الأخذ بمعطيات الحضارة المعاصرة بمستوى يزاحمون به الغرب، الذي يراه عدواً، فكان يرى التركيز المطلق على تطبيق الشريعة وأن يواجه المسلمون العالم بالإسلام وحده، وليس بدخول حضارة العصر".

 

عزل الأمة عن أفكار قطب

ويشير إلى أن قطب كان يريد من المسلمين مصادمة كل العالم، ففي رأيه أن في تطبيق الشريعة زاد الطريق وعُدَّة الحاضر وأمل المستقبل. إن تحوُّل سيد قطب ذلك التحول الجذري من أديب منفتح على معطيات العصر، إلى ذلك الإنسان الذي يريد عزل الأمة عن العالم باقتناع تامٍّ بأن العالم سينعطف ليأخذ بما يقترحه، هو كشكل وأسلوب لحياة كل الشعوب وكل العالم. إنه حلم عجيب، موغل في الخيال. لكنه بقدراته الكتابيّة سلب الملايين قدرة التروي فانقادوا ملبّين النداء، فكان انضمامهم لجماعة الإخوان أحد أسباب هذا الانتشار الواسع للأتباع.

بين التراث وجمود العقل والنهضة

وحول عموم التراث الديني ودوره في النهضة، يحتلّ هذا الموضوع مساحة من اهتمام البليهي، بخاصة في ما يتعلق منه بالعقل النقدي، حيث يوضح أن "كل التقدم الذي تحقق في مجالات الأفكار والنُّظُم والمؤسسات والعلوم والفنون والتقنيات، والتقدم الحضاري في شكل عام، لم يتحقق إلا بالانفصال ولو نسبيّاً عن الأنساق المتوارثة، فالتكرار لا يضيف شيئاً، ثم إن كل مجتمع يكون مغتبطاً بنسقه الثقافي الذي تطبّع به بشكل تلقائي، فكل جيل يتطبّع تلقائياً وبشكل حتمي بما تطبّع به الجيل الذي قبله، ويظل مرتهَناً إلى هذا التطبّع، يغتبط به ويلتزم تلقائياً مقتضاه، ويدعو إليه ويستميت في الدفاع عنه، ويحصل هذا التتابع على مرّ الأجيال بحتمية لا تقل عن حتمية التناسل البيولوجي، فالإنسان كائن ثقافي وكل نسق يخطف كل مولود فيتملّكه قبل بزوغ وعيه، فالأنساق تَملِك ولا تُملَك وتَحكُم ولا تُحكَم. وهذه هي المعضلة البشريّة الكبرى الأشد عمقاً والأقوى بنيةً والأعمق ضرراً، فالعقل يُكَوِّنه ويحتله ويتحكم به الأسبق إليه. وكل نسق ثقافي محكومٌ بنقطة البداية كما تُحكم الأنهار بمجاريها. إن محاولة التغيير الاجتماعي تشبه محاولة صرف نهر عن مجراه، ولن يكون ذلك إلا بعملٍ جبّار، تسمح به تضاريس الطبيعية التي تحيط بمجرى النهر".

مسؤولية التخلف من يتحملها؟

وبعد فترة استراحة، سنحت فرصة للعديد من الأسئلة التي تدور حول عناوين متعددة، أبرزها مواقفه النقدية من الحضارة العربية.

في الحوار، قلت له "أنت شديد المراس في نقدك للحضارة العربية والإسلامية، وتحميلهما مسؤولية التخلف، ألا ترى أنك تعيد آراء مفكرين في الغرب يحمّلون الأيديولوجيا المسؤولية عن التخلف ومعاداة العلم والفلسفة؟".

المفكر البليهي يدافع عن رؤيته بأن ذلك تصورٌ شاع عنه على الرغم من أن كتبه لا تتضمن ذلك، يقول "أنا أنطلق من رؤية إنسانية محضة ولا أوجه نقدي للعرب ولا لشعب بعينه، فعنوان مشروعي الفكري (تأسيس علم الجهل لتحرير العقل)، فالذين يتحدثون عن موقفي من الحضارة العربية لم يقرؤوا كتبي، بل اكتفوا بما قلته جواباً على أسئلة شفهية، لكنني تجنبت في مشروعي نقد الثقافة العربية، أو العقل العربي، ليس عن إعجاب به، وإنما لأنني أدرك عدم جدواه، لأن كل مشاريع نقد العقل العربي بقي تداولها محصوراً بين المثقفين، أما عموم الناس فلم تصلهم، ولو وصلت إليهم سيقاوموها بعنف، فقد مضى أكثر من قرنين، وخلال هذا الزمن الطويل تتابع المفكرون وكتبوا وتعبوا، لكن النتيجة أن العرب يزدادون انغلاقاً وتنافراً، لذلك فإنني ركزت على إبراز عوائق الانعتاق من بنية التخلف عموماً، وعلى حصون التخلف التي تنطبق على كل المجتمعات المتخلفة بأنساقها الثقافية المغلقة".

حين يُسأل عن إسهام العرب في الحضارة الإنسانية، يضيف "أقف موقفاً موضوعيّاً فأنفي الدعاوى العريضة التي جرى ويُجرى إيهام الأجيال بها. في لقاءاتي الصحافية القديمة أجبتُ ناقداً للتراث، أما الكتب التي تندرج ضمن مشروعي الفكري فهي تتحدث عن الإنسان بشكل مطلق، وعن الإنسانية التي باتت تملك إمكانات عظيمة وقدرات هائلة، لكن هذه القدرات في كل العالم ما زالت تدار بحكمة هزيلة، لذلك فالعالم يعاني خللاً فظيعاً".

محاكم تفتيش العقول

وحول المفكر الفرنسي إرنست رينان ورؤيته حول أسباب تخلف المسلمين بسبب معاداتهم للعلم والفلسفة، يعتبر البليهي أن "معاداة الفلسفة والعلم الموضوعي ليست حصراً على نسق ثقافي من دون غيره، بل كل الأنساق الثقافية المتوارثة تعادي الفلسفة وترفض الكشوف العلمية وقت ظهورها، ولم تكن أوروبا استثناءً من هذه العداوة العميقة والتلقائية، حتى أثينا في عصر سقراط، وهو عصرٌ يُجرى تمجيده بشكل مطلق، وهذا من أخطاء التاريخ، فالأثينيون حكموا على سقراط بالإعدام ونفّذوا فيه الحكم كما طاردوا فلاسفة آخرين، ولولا هروبهم لكان لهم نفس المصير. وفي بداية عصر الانبعاث الأوروبي تم إحراق الفيلسوف الإيطالي جوردانوا برونو، وقبله وبعده لقي مفكرون نفس المصير، كما تمت محاكمة جاليليو وأمضى بقية حياته في الإقامة الجبرية".

 

ويشير إلى أن "أوروبا هي التي أنشأت محاكم التفتيش وطاردت الفلاسفة والمفكرين والعلماء، ولم تهدأ الأوضاع في أوروبا حتى تم تحييد الكنيسة وجُرِّدَت من سلطاتها على أوروبا، فلم يعد من حقها التدخل في الأمور الشخصية للأفراد، ولا التدخل في السياسة، ولا في الشأن العام، وقد شرحتُ ذلك بوضوح شديد وتفصيل في كتابي (الريادة والاستجابة)، إن الكثيرين يتوهمون أن الاستجابة للتنوير هي التي أنقذت أوروبا، أما الحقائق التاريخية فتؤكد أن رد الفعل التلقائي في كل مكان هو رفْض المغاير".

ويتابع "محاربة الفكر الوافد وإسكات مَنْ يخرجون على التيارات السائدة قائم حتى في العلم، فقد أثبت توماس كون في كتابه (بنية الثورات العلمية) وغيره، أن العلماء يقاومون النظريات المضادة لما ألفوه واطمأنوا إليه، وأكد العالم ماكسويل وغيره أنه لا يمكن قبول نظرية علمية جديدة حتى يموت جيل العلماء الذين نشؤوا على النظرية المعدَّلة، ويأتي جيل ما زال خالي الذهن فيتلقى النظرية الجديدة".

تصحيح الأوهام

ويؤكد البليهي أن "غياب هذه الحقائق عن أذهان أكثر الناس يمثل خللاً معرفيّاً شديداً له نتائج بالغة الضرر،  لذلك فإنه من الأخطاء الكبرى أن التعليم في معظم بلدان العالم لا يتناول هذه الحقائق التاريخية ليعرف الناس أن الرفض التلقائي للأفكار المغايرة هو الاستجابة التلقائية دائماً، لكنها حقيقة رغم وضوحها تاريخيّاً فإن تصورات الناس مغايرة لذلك، إنني في مشروعي الفكري (تأسيس علم الجهل لتحرير العقل) أحاول تصحيح أوهام كثيرة عن العقل البشري وعن تَوَهُّم المعرفة وعن الأنساق الثقافية المتوارثة، وعن عوامل التغيير الاجتماعي والإعاقات الثقافية".

رؤية الحضارة الغربية

وعند الحديث عن جدليات الفكر والتخلف لا بد من سؤال للمفكر البليهي حول رؤيته للحضارة الغربية المتميزة في نظره عن كل الحضارات السابقة لها، فما الذي يجعلها مغايرة؟ يوضح قائلا "المعروف أن الحضارة الغربية الحديثة امتدادٌ وإحياءٌ للحضارة اليونانية، أما الحضارة الرومانية فهي امتداد للحضارة اليونانية، فالأصل الذي تقوم عليه حضارة الغرب هو الفكر الفلسفي، وليست العلوم سوى بعض نتائج هذا الفكر المحوري في الغرب، وهو يمثل انفصالاً وقطيعة مع كل الأنساق الثقافية".

في الوقت ذاته يذكر أن "الحضارة اليونانية كانت بفكرها الفلسفي طفرةً هائلةً في ذلك العصر الموغل في القدم، بل إنها ما زالت تمثل طفرةً نوعيةً بالقياس إلى الأنساق الثقافية، فالنهضة الأوروبية في نهاية العصور الوسطى تمثل الميلاد الجديد لأوروبا، لذلك فإنه لا يوجد جامعٌ بين الحضارات القديمة والحضارة الغربية بصيغتها اليونانية أو الرومانية أو الحديثة، فهي على مستوى الفكر والعلم والنِّظام الاجتماعي والسياسي تمثل انفصالاً تاماً عن الحضارات الأخرى، لذلك خصَّصتُ كتاباً كاملاً بعنوان (التغيرات النوعية في الحضارة الإنسانية)، لتتبع التغيرات النوعية".

 

الالتباس بين العلوم الحديثة وتقدم الغرب

يشير البليهي إلى أنه يوجد التباسٌ شديد، فالكثيرون يعتقدون أن ظهور العلوم الحديثة عند الغرب هو الذي يميز الحضارة الغربية، بينما العلم هو أحد العوامل التي مكّنت أوروبا، لكنه حتى مطلع القرن العشرين لم يكن العلم سوى عامل ثانوي، فالتميُّز الأوروبي هو تميٌّز اجتماعي تنظيمي سياسي، أما العلم فهو متاحٌ منذ زمن طويل لأممٍ أخرى ما زالت متخلفة، فالعلم أداة ولكن الأداة تتطلب من يستخدمها بكفاية وفاعلية، وقد فصَّلتُ ذلك في كتابي (الريادة والاستجابة). إن تصحيح هذا الالتباس في غاية الأهمية، لذلك فإنه يمثل إحدى النقاط المحورية في مشروعي الفكري، ففي هذا الكتاب رؤية تقلب فلسفة التاريخ والفلسفة الاجتماعية، وتربط التغيير بالأحداث وبالتفاعل التلقائي، وما يسميه هيغل مكر التاريخ والقيادات الحاسمة. أما العلوم والأفكار فهي أدوات تنتظر أحداثاً وقادة حاسمين يحيلونها إلى واقع، حتى ولو من دون قصدٍ منهم، فأوضاع البشر تتحكم بها  التلقائية والصيرورة.

العقل والتوارث والاختراق

في النقاش حول العقل البشري وأنه ما يزال تتحكم فيه الأنساق الثقافية وأن الفلسلفة والعلوم لم يستطيعا اختراق هذا المتوارث، فهل هذه الرؤية مغايرة لما هو سائد رغم أننا في عصر العلم؟

المفكر البليهي يقول "كنتُ في مرحلة مبكرة أعتقد أن الفلسفة والعلوم غيّرا النسق الثقافي الأوروبي، ولكنني بعد أن تعمقت في دراسة التاريخ الأوروبي وتاريخ الفلسفة والعلوم وأمعنت النظر في أوضاع الأمم المزدهرة والأمم المتخلفة، تبيَّن لي أن الأمم لا تتخلى عن أنساقها الثقافية أبداً لا للعلم ولا لغيره، فالأوروبيون  المعاصرون كأفراد لا يختلفون عن العرب أو غيرهم. إن الفرق بين المجتمعات الحديثة والتقليدية أن الناس في المجتمعات الحديثة محمولون في مركبة الازدهار، لذلك فإن الذين يهاجرون من العرب أو غيرهم من أفراد المجتمعات التقليدية ويحصلون على الجنسيات في الغرب، يصيرون من جملة ركّاب مركبة الازدهار ولا يقلُّون عن غيرهم في الإسهام في استمرارية ازدهار هذه المركبة في نفس الاتجاه المزدهر".

التعليم في المجتمعات التقليدية

ويشير إلى أن الناس في المجتمعات المتخلفة هم أيضاً محمولون بمركبة التخلف، فهم يسهمون في استدامة التخلف، لذلك فإن تعميم التعليم في المجتمعات التقليدية لم ينقلها لتكون مجتمعات حديثة، وإنما بقيتْ مجتمعات تقليدية متخلفة، فالعلم أداة وهو لا يؤثر في الأنساق الثقافية، ولكن التغيير يحصل بالمؤسسات الفاعلة التي تكوّنت بتأثير الفكر الفلسفي والعلوم، فالفارق بين المجتمعات المزدهرة والمتخلفة فارقٌ في نوع المؤسسات التي تدير الأوضاع وليس في الأفراد، وإذا حصل في بعض المجتمعات المزدهرة ارتقاء في التهذيب، فهو ليس نتيجة التعليم ولكنه ثمرة التطبّع ببيئة متسامحة ومنضبطة، وليس نتيجة البحث والدراسة والوعي والإدراك، فعموم الناس في كل المجتمعات لا يختلف تفكيرهم وسلوكهم إلا بمقدار اختلاف أسلوب الحياة السائد في كل منها، ولا علاقة له بالفكر ولا بالعلم ولا بالتعليم، إن الأنساق الثقافية ما تزال تتحكم بالعقل البشري في كل مكان، لذلك فإن الحضارة هشّة، بل ممعنة في الهشاشة، لأنها لا تقوم على إدراك عام لدى جميع المزدهرين، وإنما هي مرهونة باستمرار سلامة وانتظام المؤسسات التي حققت لهم هذا المستوى من التحضّر والازدهار.

بين التفكير الخرافي والتقدم

التفكير الخرافي لا زال يتحكم في العقل البشري، والأفكار العلمية نتاج ومضات فردية من عباقرة استثنائيين، إذاً كيف يفسر المفكر إبراهيم البليهي المخزون من التقاليد القديمة في دول متقدمة ولم تكن عائقاً أمام التطور؟ يجيب "العقل البشري بشكل عام ما يزال محكوماً بالأنساق الثقافية التي تتوارثها الأمم، وهي أنساق متنافرة ومتناحرة وغير قابلة للتزاوج في ما بينها، إن البشر يجمعهم العلم والعمل على مستوى الأفراد الآحاد، فالطبيب في اليابان يفكر في مجال الطب بنفس الطريقة التي يفكر بها الطبيب الأميركي، وكذلك العالم والمهندس والقاضي والمحامي والمحاسب والمدير، يجمع بينهم العلم والمجالات المهنية والعملية، وتُفَرِّقهم الأنساق الثقافية، فالأمم ما تزال تتوارث أنساقها التي تنساب إليها عبر الأجيال خلال القرون، لأنه توارُثٌ تلقائي حتمي، ولم يحصل في أي فترة تاريخية أنْ توقفت أي أمة عن هذه الاستمرارية الحتمية للتخلي عن نسقها لتعتنق نسقاً مغايراً. هذا التلبُّس هو تلبُّس تلقائي حتمي، ولن يكون غريباً أن تجد عالم ذرة يقف خاشعاً أمام تمثال بوذا، فمجال الأنساق هو مجال قِيَم وليس مجالاً معرفياً، لذلك لا تتأثر الأنساق لا بالفكر ولا بالعلوم ولا بالتعليم، لكن أكثر الناس لا يدركون هذا الفارق النوعي ويتوقعون من خريج الجامعة أو الأستاذ الجامعي أنه واعٍ، وأن كل تفكيره وسلوكه العام حتى خارج مجال تخصصه، يَصدر عن علمٍ، بينما لكل فرد أنماطٌ ذهنية متنوعة غير متداخلة، فتجده طبيباً ماهراً ويؤدي مهنته بكفاءة عالية، لكنه في المجال النسقي لا يختلف عن عموم الناس، وهذا الالتباس لا يكاد ينتبه إليه أحد، مع أن إدراكه مطلبٌ أساسي لكل البشر".

ضرورة الصدمة من أجل التغيير

في الحديث عن حاجة المجتمعات إلى صدمة لإحداث التغيير، ما هي ضرورتها وهل يمكن أن ينجم التغيير عن حركة وعي متدرج؟ سؤال ربما مرّ على الكثيرين، ومع المفكر البليهي فإن له رأياً حول الصدمة التي توقظ بعض الأفراد المُهَيَّأين فطرياً لليقظة، ويؤكد أن الصدمة تستفز وتثير العقل والوجدان وتستنفر طاقات الفرد من أجل تجاوز الصدمة، وقد يصبح مثل هذا الفرد مُوقظاً لأمة وقد يمتد تأثيره عبر الأزمنة والأمكنة، ومن نماذج مثل هذه الصدمة ديكارت الذي اجتاحته تساؤلات حادة نزعتْه من بداهة الغفلة إلى حرقة اليقظة، ثم انتهى من ذلك إلى أن أصبح مؤسس الفلسفة في العصر الحديث، وقريبٌ من ذلك قصة كانط الذي هزّته من أعماقه فلسفة ديفيد هيوم، فأصبح بعد ذلك الزلزال الفكري؛ صاحب الفلسفة النقدية التي امتد تأثيرها إلى كل مجالات الفكر والعلم والمعرفة، ففي حالات نادرة غاية الندرة يتعرض فردٌ  لمثل هذه الصدمة وتثمر مثل هذه الثمار العظيمة، حيث يقدّم للبشرية رؤى تُسهم في التقدم على كل المستويات، ليس بشكل مباشر، وإنما بنتائجها غير المباشرة، أما بشكل مباشر فإن الأفكار الكبرى تكون منفصلة كلياً عن الحس العام. إن مَنْ يقرأ حركات التغيير على امتداد التاريخ البشري يجد أن التغيير يحصل عن طريق الأحداث والقيادات السياسية الحاسمة  حيث يحصل تحولات عاصفة؛ فالتغيير لا يحصل بالتدريج ولا بالوعي العام، بل بالتحولات الحاسمة.

 

المشروع الفكري

مع كل ما يثيره المفكر البليهي من آراء فكرية ونقدية وانشغاله بالبحث في العقل وأسباب التطور، كان لا بد من سؤاله هل سنرى مشروعاً فكرياً خاصاً به في سياق بعض نظرائه العرب، أمثال محمد أركون ومحمد عابد الجابري؟ يجيب "خلال قرنين ظهر مفكرون عرب حاولوا استنهاض الأمة من أجل أن تتجاوز حالة العطالة الحضارية، واتجهوا لإبراز إيجابيات التراث ونقد السلبيات، لكن الأمم لا تتقبل نقد تراثها، لذلك ذهب المفكرون من دون أن يُستجاب لهم، بل كانت النتائج عكسية، حيث يكون رد الفعل الرافض للأفكار المغايرة قوياً، فتزداد الحصون وتتضاعف القلاع وتتعمق الخنادق، وبذلك ظلّ المفكرون لا يقرؤوهم سوى عدد قليل من المثقفين".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويستطرد "محدودية النسخ التي تصدر من كتبهم تعطي دلالة على قلة عدد المقروء، أما الاستجابة للأفكار المغايرة فإن الأصل في الأمم أنها لا تتقبل نقد أنساقها الثقافية لأنها تمثل هويتها، وهي لن تتخلى عن هويتها ولن تتقبل طوعاً أي مساس بهذه الهوية، بل تقاوم بعنف لمنع المساس بأي شيء يتعلق بالنسق الثقافي، والتاريخ البشري يقدّم أمثلة واضحة، ليس في تاريخنا فقط، بل في تاريخ كل الأمم، فالرفض للمغاير هو رفضٌ تلقائي حتمي، أما مشروعي فينطلق من رؤية إنسانية محضة، يتحدث عن عوامل التقدم وعوائق الانعتاق من الانغلاق، إنه يحاول تقديم رؤية عامة، وهو محاولة غير مرتبطة بمجتمع بعينه ولا يتعرض للتراث العربي لا بالنقد ولا بالتمجيد، ومَنْ يقرأ كتبي سيجد ذلك واضحاً، فجهدي يعتمد على التراث الإنساني بكل روافده ويتجه للإنسان أينما كان، إنه يعتمد على دراسة تاريخ الحضارة عموماً، والفكر الإنساني وتاريخ العلوم ودراسة الطبيعة البشرية وكيفية التعامل مع هذه الطبيعة بما يستنفر الإيجابيات ويُقلص السلبيات بعد معرفة الإعاقات وعوامل الانعتاق.

تيارات التطرف السياسي والانتقام

وحول تيار الإسلام السياسي والتطرف والإرهاب والتشدد وغيرها من المسميات التي انتعشت في العقود الماضية، فهل هي إلى أفول أم إلى عودة؟ وكيف يرى رد فعل هذه الاتجاهات الأصولية إزاء الحضارة، هل هو انتقام بسبب العجز عن المواكبة أم له تفسير آخر؟

يرد المفكر البليهي بأن "المنبع الذي أنتج القاعدة وبوكوحرام وداعش وكل الجماعات المتشددة التي ترفض حضارة العصر، هو نبعٌ ما زال قادراً على التدفق بكل غزارة، فالقضاء على أشخاص لا يُنهي التصورات التي أنتجت هؤلاء الأشخاص، وليست المعضلة محصورة بهذا المنبع، بل المعضلة بقابليات العقل البشري كأساس لكل ألوان البلاء، فالبيئات البشرية مهيأة للتفجر في أي وقت، حتى الفكر الفاشستي والنازي والماركسي بصيغته الستالينية أو الماوية، ما زال بإمكانه الظهور مجدداً، فالأوضاع البشرية تشبه السدود الترابية من السهل أن تنجرف فتُغرق كل شيء. إن البشر قد امتلكوا قدرات التمكين وابتكروا طوفاناً من الوسائل، لكن كل ذلك يُدار من دون حكمة، فالعقل البشري ما يزال قابلاً لأن يستجيب لأغرب العقائد وأن يُصَدِّق أبعد التصورات عن الحقيقة والمنطق الموضوعي، فكل طفل يولد الآن في أي مكان من العالم لا تختلف قابلياته عن إنسان العصر الحجري الأقدم، فهو قابلٌ بأن يتبرمج تلقائياً قبل بزوغ وعيه بأغرب نماذج التطبع التلقائي، لذلك فإنه رغم عظمة الأفكار التي ومضت بها عقول القلة المفكرة خلال القرون، ورغم وفرة العلوم وإمكانات التحقُّق من أي شيء، فإن البشرية كلها ما تزال بأوضاع هشّة قابلة لأي تفجر، وحين تحتل الخرافاتُ العقول فإن كل الحقائق لا تُجْدي نفعاً، فالخرافات تمتلك منطقاً أوثق وأقوى وأبعد عن الشك من أي منطق علمي، إنها تملك حماية ذاتية تلقائية الفاعلية، حيث يستحيل اختراقها. إن أوضاع البشر في كل مكان شاهدٌ على هذا المأزق البشري المرعب".

يقول البليهي "في كتبي (الإنسان كائن تلقائي)، و(الريادة والاستجابة)، و(عبقرية الاهتمام التلقائي)، حاولت إبراز هشاشة الأوضاع البشرية، كما أبرزت قابليات الإنسان لأن يتبرمج ويتطبّع وينقاد لأي اتجاه، فالأمر كله مرهونٌ بالتطبع الأساسي الذي يخطف كل طفل قبل بزوغ وعيه ليجعله ذرة في تيار جارف يمتلك مجرى يحفظ استمراره بشكل تلقائي حتمي، إنه المأزق البشري الذي لم ينل الاهتمام الذي يستحقه. فالإنسان الحالي، كما قال نتشه (حبل ممدودٌ فوق الهاوية)، إنه مجرد بروفة أو مسودة أو مقدمة لما يجب أن يكون عليه الإنسان بعد أن يفيق من الأسبق الذي كان وما يزال يحتل عقله ويتحكم به. وبانتظار هذه الوثبة الهائلة التي تجتاز الهاوية فتنتقل من ضفة الإنسان الذي تحكمت به التلقائية إلى إنسان الوعي اليقظ الذي يملك من الأخلاق والحكمة ما يرفعه عن هذا الوحل التي تَغرق فيها البشرية رغم كل الأضواء الخادعة".

المزيد من حوارات