Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

مصير اتفاق سد النهضة الإثيوبي ينتظر الصياغة الأميركية للبنود الخلافية

دور واشنطن يتحول من مراقب إلى وسيط... وأديس أبابا تفقد الدعم السوداني

وزراء الري في مصر وإثيوبيا والسودان يشاركون في اجتماع لاستئناف المفاوضات بشأن سد النهضة الإثيوبي   (أ.ف.ب)

وصلت جولات مفاوضات مصر وإثيوبيا والسودان حول سد النهضة الإثيوبي برعاية الولايات المتحدة والبنك الدولي إلى مرحلة مصيرية، تنتظر فيها الدول الثلاث صدور اتفاق "شامل ونهائي" بعد أن أعلن الجانب الأميركي أنه سيقوم بالمشاركة مع البنك الدولي في بلورة الاتفاق في صورته الأخيرة وعرضه على الدول الثلاث، لتوقيعه قبل نهاية شهر فبراير (شباط) الحالي، لكن العديد من البنود الخلافية لا تزال تهدد بعدم التوقيع في هذا الموعد النهائي، إذا لم تتمكن واشنطن من الوصول إلى صياغات مُرضية لأطراف النزاع، بحسب مراقبين.

مرحلة متقدمة من تسوية الأزمة

وعلى الرغم من تجاوز جولات المفاوضات الراهنة حول ملء وتشغيل سد النهضة، الإطار الزمني الذي حددته الإدارة الأميركية بمنتصف يناير (كانون الثاني) الماضي، وإعلان الجانب الإثيوبي أن المفاوضات "توشك أن تفضي إلى طريق مسدود"، فإن الوصول إلى "مسودة اتفاق" تنتظر الصياغة النهائية، وهو أمر ظل صعب المنال طوال السنوات الماضية، قد عزّز التفاؤل حول إمكانية طي صفحة الخلاف بتوقيع الاتفاق النهائي، حتى لو اقتضت الحاجة مزيداً من التفاوض للوصول إلى توافق حول بعض البنود الخلافية.

وقال وزير الخارجية المصري سامح شكري، في تصريحات صحافية، إن أي ملاحظات ستطرح بعد إعلان الاتفاق ستكون ملاحظات شكلية وليست في أساس الاتفاق، موضحاً إمكانية عقد جولة أخيرة لضبط الصياغات النهاية أو تناول الأمور الشكلية، وليس هناك أي حديث عن ملاحظات جوهرية، وأوضح أن الاتفاق ستوضع فيه نصوص خاصة بدخوله حيز التنفيذ والفترة الانتقالية لحين اتخاذ الإجراءات الدستورية اللازمة، حتى لا يكون هناك تأخير في إقدام الجانب الإثيوبي على ملء خزان السد.

 

 

من جانبه، قال السفير محمد حجازي، مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق للشؤون الأفريقية ومياه النيل، لـ"اندبندنت عربية"، إن البيان الصادر عن وزارة الخزانة الأميركية في ختام الاجتماع الأخير في واشنطن يشير إلى أن مسار المفاوضات كان إيجابياً، وجرى الاتفاق على عناصر واضحة تمهد الطريق للتوقيع على صيغة نهائي تضعها واشنطن والبنك الدولي بعد التشاور مع الدول الثلاث، ويتم التوقيع على اتفاقية قانونية وفنية وسياسية جامعة في نهاية الشهر الحالي بحضور رؤساء مصر وإثيوبيا والسودان والرئيس الأميركي دونالد ترمب، معتبراً أن تلك الخطوة ستخلق أفقاً جديداً في منطقة حوض النيل تتحمل فيه القاهرة والخرطوم وأديس أبابا مسؤولية انطلاق مرحلة جديدة من التعاون الناجح في شرقي القارة، يتحوّل فيه التعاون بين الدول الثلاث لمنظومة تعاون إقليمي في منطقة القرن الأفريقي، تكون ركيزة أساسية لانطلاق منطقة التجارة الحرة الأفريقية.

فيما قال خالد أبو زيد، مدير البرامج الفنية بالمجلس العربي للمياه، إن الموقف الراهن للمفاوضات يتلخص في أن الجانب الأميركي والبنك الدولي سيُعِدان الصيغة النهائية للاتفاق لعرضه على الدول الثلاث، بينما لا يمكن الحكم على الاتفاق قبل صدوره، وبدأ الحديث عن هذا الاتفاق أخيراً بعدما تدخل البنك الدولي والولايات المتحدة وتم وضع خريطة طريق لمدة شهرين منذ نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، وقبل هذه المهلة كانت هناك مماطلات والكثير من التسويف والتشدد في المواقف. وجعلت خريطة الطريق المفاوضات أكثر جدية خلال الفترة الأخيرة، ووجود جهة رابعة في المفاوضات أو وسيط، أدى إلى تحريك المفاوضات، أما الموقف من الصيغة النهائية فهو اختبار لمدى جدية الجانب الإثيوبي في التوقيع على اتفاق مُلزّم يحقق مصالح الدول الثلاث.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وتابع، "المفاوضات تنتظر صياغة نهائية لاتفاق ببنود عديدة، تشمل كل النقاط المهمة المتعلقة بالملء والتشغيل في الظروف الطبيعية وظروف الجفاف والجفاف الممتد وآليات فض النزاع والتنسيق وبنود انتقالية وغيرها، كلها أمور محددة، والوصول إلى صياغة يرى جانبٌ رابع أنها تحقق مصالح الدول الثلاث والعدالة والإنصاف، وهذا في حد ذاته نتيجة مهمة ولم يحدث أن جرى الوصول إليها في أي مرحلة سابقة من مراحل الأزمة، أما موافقة الدول عليها من عدمها فهي ستكشف جدية الأطراف المشاركة في الوصول إلى اتفاق، وستظهر أمام المجتمع الدولي وأمام الوسيط حقيقة هذه المواقف".

الخلافات لا تزال قائمة

وعلى الرغم من إعلان الخارجية المصرية "التوصل إلى اتفاق ينتظر الصياغة النهائية" من الجانب الأميركي، فإن الطرف الإثيوبي الذي اعترف على لسان وزير المياه سيليشي بقيلي، بـ"إحراز تقدم"، قال إن المفاوضات "لم تسفر عن اتفاق نهائي" لأن المناقشات كانت تتناول تفاصيل فنية كثيرة يصعب تحويلها إلى اتفاق قانوني في وقت قصير، مشيراً إلى حاجة بلاده لإجراء "مشاورات وطنية" لتحقيق توافق على النتائج وطريقة المضي قدماً.

وقال السفير الإثيوبي لدى الولايات المتحدة، فيتسوم أريغا، في تغريدة على موقع "تويتر"، إن "الجولة الأخيرة من المباحثات التي انعقدت في واشنطن يوم الخميس اختتمت أعمالها من دون التوصل إلى اتفاق".

بدوره، أوضح وزير الخارجية المصري، أن هناك توافقاً على مكونات الاتفاق من حيث ما يتضمنه من عناصر سواء فنية أو قانونية، ولكن لم يتم الانتهاء من عدد من القضايا القانونية، وأشار إلى أنه جرى خلال الجولة الأخيرة للمفاوضات في واشنطن طرح رؤى الدول الثلاث، بالنسبة إلى القضايا القانونية المرتبطة بالاتفاق، مثل حل المنازعات ودخول الاتفاقية حيز التنفيذ أو آلية المراجعة وتبادل المعلومات المرتبطة بتنفيذ الاتفاق، وقال "كانت هناك مجموعة من الصياغات المشتركة التي جرى تقديمها من قِبل مصر والسودان وكانت هناك رؤى مختلفة فيما بين الدول حول هذه العناصر الرئيسة".

وحول ما إذا كانت الدول الثلاث بانتظار صياغة ما جرى الاتفاق عليه، أو تترقب الاتفاق من جديد على ما سيجري صياغته من جانب الولايات المتحدة والبنك الدولي، قال مدير البرامج الفنية بالمجلس العربي للمياه خالد أبو زيد، "هناك بنود جرى الاتفاق عليها وأخرى محل خلاف، ودور واشنطن والبنك الدولي الوصول إلى صياغة يرى أنها يمكن أن تحقق مصالح الدول الثلاث إلى حد ما، وتضمن قبولها"، مشيرا إلى وجود تفاصيل مهمة للغاية مثل دخول الاتفاقية حيز النفاذ ومعايير احتساب الضرر وكيفية التعويض المائي والكهربائي وآلية فض المنازعات وغيرها"، مضيفاً أن "الصياغة أمر دقيق ومهم وليست تحصيل حاصل، لأنها يمكن أن تنطوي على معانٍ مختلفة في أمور جوهرية، ويترتب عليها التزامات على أطراف الاتفاق".

من جانبه، قال أيمن شبانة، أستاذ العلوم السياسية في كلية الدراسات الأفريقية بجامعة القاهرة، إن الاجتماع الأخير صدرت بشأنه تصريحات متضاربة، الأول من واشنطن يتحدث عن الاقتراب من توقيع الاتفاق، والثاني صادر عن وزير الخارجية المصرية يتحدث عن الاتفاق حول الأمور الجوهرية، وأن أي خلافات حول الصياغة ستكون أموراً شكلية، والتصريح الثالث الصادر عن إثيوبيا يتحدث عن عدم الوصول إلى اتفاق، والرابط بين التصريحات الثلاثة أنها سياسية وتطمينات للداخل، لكن لا يمكن حتى الآن الحكم على ما تم الوصول إليه قبل الإعلان عن صيغة الاتفاق، فهناك تصريحات عديدة سابقة منذ سنوات تتحدث عن "الاتفاق" و"انتهاء الأزمة والخلاف"، آخرها الاتفاق على ست نقاط في يناير (كانون الثاني) الماضي، ولا يزال مضمون اتفاق سد النهضة غير معلن وغير معروف، ولم تسفر مفاوضات واشنطن عن توقيع أي بيان أو مسودة من جانب الدول الثلاث.

 

 

اختبار للموقف الإثيوبي والدور الأميركي

واعتبر شبانة أن الولايات المتحدة أصبحت وسيطاً مشاركاً في إعداد الاتفاق مع البنك الدولي، وليست مجرد مراقب أو مُيسّرة وراعية للمفاوضات، مشيراً إلى أن هناك زيارة مرتقبة سيقوم بها وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو إلى أديس أبابا، واعتبر أن ذلك يأتي في إطار ممارسة نوع من الضغوط أو تقديم حوافز، ومصير الاتفاق سيظل بين شد وجذب حتى توافق أديس أبابا على صيغة اتفاق مُرضية للجميع، معتبراً أن الأيام المقبلة ستختبر جدية مشاركة الجانب الإثيوبي في هذه المفاوضات، وفعالية الدور الأميركي في حسم المسألة.

وتابع، "حتى الآن تأخرنا في إنجاز الاتفاق عن المهلة الأميركية التي كانت محددة في منتصف يناير، وأيضاً ليس هناك غير المسار التفاوضي فقط، ولا يوجد مسار قانوني ولا ضغوط اقتصادية ولا استعانة بالحلفاء، ولا اللجوء إلى خطوات استباقية، وراهناً توحي المخرجات بأن إثيوبيا متشددة وتريد الحصول على مكاسب سياسية واقتصادية مقابل التنازل في المفاوضات، وحتى الآن لم تمارس واشنطن عليها أي ضغوط كافية لضمان مرونتها في التفاوض، لكن الولايات المتحدة تبدي جدية تؤشر إلى أنها عازمة على إنهاء الموضوع في نهاية الشهر الحالي، والظهور كصانع سلام قبل الانتخابات الرئاسية المقبلة، فحل هذا النزاع سيمثل نجاحاً لإدارة ترمب".

وأعلنت مصر، عبر بيان في ختام الاجتماعات الأخيرة، تقديرها للدور الذي قامت به الإدارة الأميركية، وبخاصة وزير الخزانة والفريق المعاون له، وثمنت الاهتمام الكبير الذي أولاه الرئيس ترمب "الذي أفضى إلى التوصل لهذا الاتفاق الشامل الذي يحقق مصالح الدول الثلاث ويؤسس لعلاقات تعاون وتكامل بينها، وبما يعود بالنفع على المنطقة برمتها.

وقال وزير الخارجية المصري، إن بلاده على ثقة في أن الجانب الأميركي والبنك الدولي، وفي إطار السعي إلى إخراج اتفاق عادل ومنصف يحقق مصلحة الأطراف الثلاث، يراعي المصالح المائية المصرية وأيضا تحقيق هدف إثيوبيا في التنمية، متوقعاً أن يأتي الجانب الأميركي بصيغة موضوعية ومتكافئة.

إثيوبيا تفقد الدعم السوداني

ولسنوات اُعتُبر السودان قريباً من الموقف الإثيوبي في مفاوضات سد النهضة، حيث اتُهم نظام الرئيس السابق عمر البشير باتخاذ مواقف كيدية من المسألة لا تراعي مخاوف بلاده من السد الذي يمكن أن يؤثر في حصتها ويعرّضها للخطر في حال وجود أي تهديد لأمان السد المقام قرب الحدود السودانية، لكن تناول الاتفاق بنوداً تتعلق بأمان السد ربما يباعد بين موقفي الخرطوم وأديس أبابا، وبخاصة بعد مطالبة قوى الحرية والتغيير بمراعاة جانب الأمان وآثار السد من الناحية البيئية على السودان.

وقال محمد عثمان، مؤسس مجموعة "مخاطر السد الإثيوبي" المعارضة للمشروع، إنه حتى الآن لم يتم التوقيع على مشروع مبادرة البنك الدولي وواشنطن بسبب رفض الوفد الإثيوبي  وتحججه بضرورة العودة إلى بلاده لإجراء مشاورات، معتبراً أن السبب في ذلك يعود إلى إدراك أن مشروع الاتفاق لو طُبق يعني فتح ملف الدراسات الفنية وأمان السد وآثاره البيئية على دول المصب، مشيراً إلى أن "هذه القضايا هي التي جعلتهم يرفضون من قبل التقرير الاستهلالي للمكتب الاستشاري الفرنسي الذي رشحوه هم بأنفسهم كمحكم بين الدول الثلاث".

وتابع "كنا ننتقد لجوء الجانب المصري إلى الوساطة الأميركية والبنك الدولي من حيث المبدأ بحكم تخوفنا أن تنحصر الوساطة في عدد سنوات الملء والتشغيل، وما يهمنا هو السعة الضخمة والخطرة على السودان التي تعادل 200 بحيرة مثل بحيرة سد سنار، لكن تأكد الآن أن المفاوض المصري كان على حق، وواضح أن المعلومات التي لديهم لم تكن طرفنا".

وأشار إلى أن معايير البنك الدولي ترفض تمويل السدود الكبرى لمخاطرها، ما يعني أن النص الذي سيقوم البنك بصياغته سيتناول هذه المخاطر، موضحاً أن أديس أبابا ترى أنها فقدت الدعم السوداني لها، حيث إن التلفزيون الإثيوبي أعلن أن "البنك الدولي وأميركا والسودان ومصر توحدوا ضدها"، ويأتي هذا على الرغم من أن موقف الوفد السوداني لا يزال  ضعيفاً من وجهة نظرنا، ومن المؤسف أن يأتي طلب أمان السد والدراسات الفنية والآثار البيئية من جانب أميركا والبنك الدولي، ولا يأتي من المفاوض السوداني، الذي ظل لسنوات عديدة يدعم الموقف الإثيوبي من دون الاستماع إلى تحذير علماء الري السودانيين لمخاطر السد.

وتابع، "هذه المبادرة الإطارية إن وُقِعت فستعيد التفاوض من جديد حول أمان السد ومدى خطورته على دولتي المصب، وبخاصة السودان الذي سيتعرض للدمار الشامل في حالة  الخطر، والآن السودان يشهد نهوضاً جماهيرياً كبيراً حول مخاطر السد، آخرها بيان تجمع المهنيين الذي طالب بضرورة توافر عنصر الأمان قبل توقيع اتفاق الملء والتشغيل، وكذلك يوجد الآن وعي يتنامى في السودان بضرورة ضمان الري الفيضي أو تعويض الأضرار الناجمة عن فقدانه، خصوصاً أن التقديرات تقول إن ملايين الأفدنة التي كانت تُروى بالفيضان ستفقد هذه الهبة التاريخية.

وتجدر الإشارة إلى أن وزير الري الانتقالي في السودان نفسه قدّر فاقد الري الفيضي بـ50 في المئة من المساحة المزروعة بالفيضان، فيما تقديرات أخرى تقول إن الفقد سيكون كاملاً، وبخاصة أنه حتى الآن لا توجد دراسة فنية للمخاطر.

وقال أحمد المفتي، عضو اللجنة الوطنية السودانية حول سد النهضة سابقاً، إن من بين أسباب تعثر الاجتماع الأخير وعدم وصوله إلى اتفاق نهائي، طلب السودان النص على الحصص المائية، ورفض إثيوبيا ذلك، موضحاً أن الخرطوم لا تدعم بذلك القاهرة ولكنها تطالب بأحد حقوقها المائية، ولم تطالب بعد بحقوقها المائية كاملة، التي تشمل أمان السد، والتعويض عن آثاره السلبية، وما يكفي من المياه لتغطية احتياجاتها المائية، الحالية والمستقبلية.

المزيد من دوليات