رتشارد فاغنر... عبقرية موسيقية بلطخة هتلرية

لم يبد نبوغا في تعلم الموسيقى المنوّطة في صغره وكان يعزف سماعياً فقط

رتشارد فاغنر (غيتي)

في مثل هذا اليوم من العام 1883 رحل عن الدنيا رتشارد فاغنر، عملاق الموسيقى الذي بلغ تفرد موهبته وملحمية أعماله أن شيدت لأعماله دار خاصة لعرضها في بايرويت، شمال بافاريا الألمانية، ولا زالت تستضيف حتى اليوم مهرجانا سنويا مخصصا بأكمله لإنجازاته المدهشة.

الإنسان الجامع

يبدأ تفّرد فاغنر عمن سواه في أنه كان شخصا واحدا اجتمع فيه عدد من المبدعين. فقد كان موسيقيا شكلت أعماله منعطفا تاريخيا في مسيرة الكلاسيكيات، وقائدا اوركستراليا، ومخرجا أوبراليا، وشاعرا وكاتبا منظرا. وهو الموسيقي الأوبرالي الوحيد الذي كان يؤلف أيضا أشعار وحوارات أعماله التي مزج فيها رومانسية القرن التاسع عشر الميلودرامية والروايات البطولية الملحمية في الفولكلور الألماني الثري.

ويختلف فاغنر عن معظم بقية المؤلفين الكلاسيكيين في أنه لم يبد نبوغا في تعلم الموسيقى المنوّطة في صغره وكان يعزف "سماعيا" فقط.

كان يحلم بأن يصبح كاتبا مسرحيا (على خطى شكسبير وغوته)، ولكن أيضا على طريقته الخاصة التي تجمع الدراما والموسيقى (على خطى بيتهوفن). ولهذا أقنع أسرته بأهمية تلقيه دروسا موسيقية رسمية، وهو ما حدث بعد عودة العائلة إلى لايبزيغ عام 1827.

إيناع الوردة

شهد العام 1831 إكمال فاغنر دراساته العليا في جامعة لايبزيغ وكان في الوقت نفسه يتلقى دروسا موسيقية على يد كريستيان ثيودور فاينليغ. وبلغ من إعجاب هذا الأخير بمواهبه الموسيقية والفكرية أن تخلى له عن أجره، وضمن له نشر أحد مؤلفاته للبيانو. وبعد عام، ألف فاغنر سيمفونيته في سلم دو الكبير على غرار أعمال ملهمه بيتهوفن ومنحه هذا العمل الفرصة لقيادة الأوركسترا للمرة الأولى. ولاحقا كتب ثلاثة من أعماله الأوبراية هي "لوهينغرين" و"الهولندي الطائر" و"تانهاوزر".

عاشق متمرد

في هذه المرحلة، عندما بدا أن الطريق إلى المجد صار ممهدا أمامه، راح عالمه يتساقط من حوله. فقد كان يعيش حياة ترف بلا موارد ثابتة، واتخذ له سلسلة من العشيقات كان يصرف عليهن يمنة ويسرة. وبلغت حدة انتقاداته السياسية للحكام والنبلاء أن حظر وجوده على أراضي المانيا.

فتوجه أولا إلى فايمار وعاش فترة مع المؤلف فرانتس ليست (ووقع في غرام ابنته كوزيما وتزوجها في وقت لاحق). ثم غادر إلى سويسرا حيث طلب العيش في كنف تاجر ثري يدعى ويزيندوك. وما أن استقر به المقام في داره حتى رد كرم ضيافته بإغوائه زوجته ماتيلدا التي كتب لها في ما بعد الدراما الموسيقية (الأوبرا) "تريستان وإيسولدا".

العمل الفني الشامل

كانت هذه هي الفترة التي بلورت في ذهنه فكرة الدراما الموسيقية (أو الموسيقى السيمفونية التي تتولى "شرح" العمل الدرامي) و"اللايتموتيف" أو الجمل الموسيقية المخصصة لكل شخصية في العمل الدرامي فترتبط بها وتصبح للمستمع دليلا إلى ظهورها. وصارت هذه هي الفكرة التي قامت عليها الموسيقى التصويرية السنيمائية منذ ولادة الفيلم في القرن العشرين. ومع أن السواد الأعظم من موسيقاه أعمال أوبرالية، فهو شخصيا يصر على أنها ليست كذلك ويجب أن تُصنّف "موسيقية درامية".

وانطلاقا من كل هذا توصل إلى مفهومه للعمل الفني الشامل الذي أثمر أعمالا ضخمة يستغرق عرضها ساعات عدة مثل "تريستان وإيسولدا" و"كبار المغنّين النورمبورغيين" (التي يستغرق عرضها أكثر من خمس ساعات). وتوّج كل ذلك بالدراما الموسيقية "خاتم النيبلونغ" المعروفة اختصارا بـ"الخاتم" والمؤلفة من أربعة فصول - كل منها أوبرا قائمة بذاتها - وأشهرها الأخيرة "شفق الآلهة". وفي حال عرضت هذه الفصول الأربعة متتالية، استغرقت ما بين 16 – 18 ساعة.

وقد فتح فاغنر بمفاهيمه تلك آفاقا جديدة في الموسيقى الكلاسيكية بحيث أنه أجبر كبار المؤلفين على أن يسبحوا مع تياره أو ضده ولا خيار ثالثا. وكان الأثر الذي أحدثه على من أتوا بعده ثوريا على أقل تقدير خاصة في ما يتعلق بتطوير الهارموني ودوره في أي عمل درامي موسيقي أو موسيقى بحت.

رباعية "الخاتم"

هذا هو تفسير فاغنر الموسيقي الأوبرالي (أو الموسيقي الدرامي كما يسمّيه) لإحدى أشهر الملاحم في الفولكلور الألماني. وقد حقق حلمه بأن تعرض في دار "تليق بعظمة العمل". ففي العام 1864 التقى في باريس بلودفيغ ملك بافاريا الثاني الذي سحر بعبقرية فاغنر الموسيقية وعذوبة لسانه وشخصيته. فرفع حظر دخوله ألمانيا ودعاه للعودة إلى بلاده لإكمال "الخاتم". بل أنه وافق على تشييد الدار الخاصة لعرضها . فأشرف فاغنر بنفسه على تصميمها وإكمال بنائها في بايرويت، بافاريا. وإلى اليوم تشهد هذه الدار احتفالا سنويا تعرض فيه أعمال هذا الموسيقي المختلف.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

جرح في القلب اليهودي

رغم مكانة فاغنر السامية في التراث الموسيقي الغربي والعالمي، فإن إسرائيل الرسمية تحظر عرض أعماله على المنابر العامة إلى اليوم بسبب آرائه المعلنة في يهود عصره. وهذا رغم أن دائرته الموسيقية الداخلية ضمّت عددا منهم وكان بعضهم بمثابة ساعده اليمنى. وتأتي أسباب هذا الحظر مدعومة أيضا بحقيقة أن أدولف هتلر - الذي وُلد بعد ست سنوات على وفاة فاغنر وصار مستشارا لألمانيا بعد مرور 50 سنة عليها – كان يعتبر أعماله تجسيدا موسيقيا وأوبراليا لفكرة التفوق العرقي الآري واحتفاء لا يرقى إليه شيء آخر بالتاريخ والفولكلور البطولي الألمانيين.

معاداة السامية علنا

بالطبع فإن هتلر لم يتخذ موقفه من فاغنر بناء على فراغ. فقد وجد في آرائه المعلنة عن السامية دافعه الأول إلى اعتباره "صوت ألمانيا ضد أعدائها اليهود". فقد نشر فاغنر مقالة قصيرة في 1850 بعنوان Das Judenthum in der Musik "اليهودية في الموسيقى"، شن فيها هجوما شرسا على اليهود عموما ومؤلفيهم الموسيقيين (أمثال فيليكس مندلسون) خصوصا.

وكان فاغنر قد نشرها في ذلك العام باسم مستعار (خشية ردة الفعل)، لكنه أعاد نشرها مطوّلة باسمه في 1869 عندما أحس بأنه لن يخسر شيئا بعداء مفتوح لليهود في الجو العام الجديد. وفي هذه المقالة الطويلة صب فاغنر جام غضبه على المؤلفين اليهود فاتهمهم بـ"الضحالة الموسيقية والسعي لانتاج أعمال بغرض الربح المالي لا أكثر".

الخاتم "إساءة لا تغتفر"

حتى بدون هذه المقالة التي لا يمكن نكران لغتها ورسالتها، تجد شبه إجماع بين النقاد الموسيقيين اليهود على أن رباعية "الخاتم"، أكبر وأشهر أعماله الأوبرالية على الإطلاق، تتخذ من اليهود أشرارا لحكاياتها الأسطورية وإن لم يرد في أي من القصص تعريف شخصية معيّنة بأنها يهودية.

ويسارع أنصار فاغنر إلى الدفاع عنه بالقول إنه حتى في حال قبول هذا الزعم، فيجب أن يحاكم الرجل على موسيقاه وليس على الحكايات الفوكلورية التي استمد منها عمله. لكن اليهود وأنصارهم يردون على هذا بالقول إن فاغنر نفسه يسد عليهم هذا الطريق. فهو، تبعا لهم، صاحب نظرية "العمل الفني الشامل" الذي "تتوحد فيه الموسيقى مع الشعر والبصريات وفنون الدراما بحيث لا يمكن الفصل بين هذه العناصر أو أخذ أي منها مستقلا عن البقية". ولذا - يمضون في القول – لا يمكن الحكم على موسيقاه منفصلة عما اختاره لها من سياق.

الموسيقى فوق كل اعتبار

رغم كل المحاولات لـ"تنظيف" سمعة فاغنر السياسية والعنصرية، فلا جدال حول أنه كان معاديا للسامية، وباعترافه الصريح. لكن الحقيقة الباقية فوق سائر الاعتبارات الباقية هي أن من المستحيل تجاهل عبقرية هذا الرجل وإلقاء إنجازاته في سلة المهملات لأي سبب كان.

ومصداقا لهذا، ففي يوليو (تموز) 2001 أقدم المايسترو اليهودي الروسي الأصل الأرجنتيني المولد الذي يحمل أيضا الجنسيتين الإسرائيلية والفلسطينية دانييل بارنبويم على تقديم جزء من أوبرا "تريستان وايسولدا" (لفاغنر) في ختام حفل قدم فيه بعض أعمال شوبرت وسترافنسكي. وكان ذلك خلال "احتفال اسرائيل" الذي أقيم في القدس. على أنه تشاور مع الجمهور على مدى نصف ساعة انتهت بالموافقة على اقتراحه لكنها شهدت خروج عدد من الحضور احتجاجا. وقوبل العرض بالتصفيق الحاد في ختامه رغم انه أثار غضب الجماعات اليمينية واحتجاج أرييل شارون رئيس الوزراء نفسه.

لكن فاغنر، الذي عاش حياة حافلة أتت إلى ختام وهو في السبعين، أثبت ان الإبداع الموسيقي العظيم طائر لا يعرف الحدود الجغرافية أوالسياسية أو الآيدلوجية أو أي قيود أخرى.

في سطور

* ولد فيلهيلم رتشاد فاغنر في لايبزيغ الألمانية في 22 مايو (أيار) 1813، الابن التاسع لكارل فريدريش فاغنر الذي كان موظفا مدنيا في شرطة المدينة وتوفي بعد ستة أشهر على ولادة ابنه الأخير. فنشأ في كنف زوج والدته الممثل والكاتب المسرحي لودفيغ غيير.

* لم يبد نبوغا في تعلم الموسيقى المنوّطة في صغره وكان يعزف سماعياً فقط.

* في 1932 ألف سيمفونيته في سلم دو الكبير على غرار أعمال ملهمه بيتهوفن ومنحه هذا العمل الفرصة لقيادة الأوركسترا للمرة الأولى.

* رباعية الخاتم، أكبر وأهم أعماله الأوبرالية، هي تفسيره الموسيقي لإحدى أشهر الملاحم في الفولكلور الألماني.

* توفي في 13 فبراير (شباط) 1883 في البندقية، إيطاليا، ونقل إلى بلاده ليدفن في بايرويت.

 شاهد واستمع:

* شاهد أكبر أعماله "الخاتم" على سبعة فيديوهات (تجدها على يمين الفيديو الأول):

* شاهد اوبرا "تريستان وإيسولدا" كاملة هنا:

* شاهد اوبرا "تَنهويزر"مع المايسترو الروسي - الأرجنتيني – الإسرائيلي - الفلسطيني دانييل بارنبويم:

* استمع لفاتحة "الهولندي الطائر" هنا:

* استمع لفاتحة "بارسيفال"، آخر أعماله الأوبرالية هنا:

 

المزيد من فنون