Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الموسيقى الكلاسيكية... من أحضان النخبة إلى رحاب العامة

صارت ضحية سعيها إلى الكمال بتركيباتها الهارمونية الطويلة المعقدة وكونها تفتقر إلى المرونة

لوحة تظهر بيتهوفن يعزف على البيانو بينما موتسارت يتابعه (غيتي)

ظلت العلاقة بين الموسيقى الكلاسيكية الغربية والناس عموما – بغض النظر عن ثقافاتهم – تتسم يقدر من العسر يتفاوت بين متلق وآخر، سواء كان هذا المتلقي فردا أو مجتمعا. وينطبق هذا الأمر حتى على أهل الثقافات الغربية المفترض أن أحد ثمارها دانية القطوف وهذا الفن نفسه.

ولدى أغلبية الناس اعتقاد أن الموسيقى الكلاسيكية هي ضرب من الفنون إما مال اليه تماما أو نفر منه تماما، وأن اولئك الذين يميلون اليه إنما هم فئة بعينها تتميز في الأغلب برخاء العيش والتعليم الأكاديمي العالي وغير ذلك من سمات الفئات الصفوية.

هذا غير صحيح، وخذ أولئك الذين يقولون إنهم لا يستمعون لهذه الموسيقى. هؤلاء فقط لا يدركون أنهم يستمعون اليها في أحيان تزيد كثيرا عما يعتقدون. فبمشاهدته فيلما سينمائيا - وإن كان عربيا - أو وثائقيا أو برنامجا إخباريا على التلفزيون، على سبيل المثال وليس الحصر، يكون المشاهد قد استمع الى النغم الكلاسيكي بدون إدراك واع منه بذلك. وهذا لأن الموسيقى المصاحبة لهذا الأفلام عادة ما تكون كلاسيكية، بمعني أنها من تأليف أحد عمالقة هذا الفن القدماء، أو أُلّفت حديثا ولكن على النمط نفسه. بل ان الكلاسيكية صارت جزءا من تيارات رئيسية لدينا ربما بغير إدراك واع منا، واليك المثال في أغنية فيروز الشهيرة "يا انا يا انا وياك". هذه الأغنية هي تأويل الأخوين رحباني لمدخل الحركة الأولى في السيمفونية الأربعين تأليف العبقرى الموسيقي موتسارت.

* استمع الى سيمفونية موتسارت الأربعين...

https://www.youtube.com/watch?v=l45DAuXYSIs

 ... ثم استمع الى تأويل الاخوين رحباني وفيروز للحركة الأولى نفسها:

https://www.youtube.com/watch?v=noOOerb1skU

 

ما هي؟

ما هي الموسيقى الكلاسيكية الغربية إذن؟ التعريف السريع لا يتأتى في جملة أو اثنتين بسبب التنوع الهائل في طرازات هذه الموسيقى وأشكالها وأساليبها وتطورها وأدوارها التاريخية. لكن ثمة عناصر تسهل المهمة شيئا ما وأولها الحقبة التاريخية.

هذه الحقبة تبدأ بالقرن السادس عشر وتنتهي مع إسدال الستار على القرن التاسع عشر. وسبب تحديد هذه المساحة الزمنية هو إن الفترة التي سبقت القرن السادس عشر غير واضحة المعالم في ما يتعلق بأشكال الموسيقى نفسها (مثل السيمفونية والكونشيرتو) وأن القرن العشرين شهد انصراف الجماهير العريضة عن هذا النوع من التأليف الموسيقي الى أنواع أخرى أكثر مرونة وأقل تعقيدا وبالتالي أكثر شعبية مثل البلوز وتفريعاتها الداعية للرقص على إيقاعاتها.  

والواقع أن مصطلح "الموسيقى الكلاسيكية" نفسه لم يظهر إلا في أوائل القرن التاسع عشر محددا حقبتها الذهبية بين اثنين من كبار عباقرتها وهما يوهان سباستيان باخ ولودفيغ فان بيتهوفن. وتخبرنا المصادر بأن قاموس أوكسفورد الانجليزي أشار الى هذا المصطلح للمرة الأولى عام 1836.

* استمع الى الموسيقى الرئيسية لفيلم "حرب النجوم" كمثال على توظيف السينما الحديثة للاوركسترا السيمفونية:

https://www.youtube.com/watch?v=5p8eE5G798o

 

مميزات واضحة

ميزت الموسيقى الكلاسيكية الغربية نفسها في تلك الفترة عن أشكال الموسيقى الكلاسيكية العالمية الأخرى - مثل الهندية واليابانية والصينية - بعدة أشياء. فقد جمعت الغربية ما يمكن أن يسمى "الموسيقى الدنيوية" إضافة الى الدينية بينما كانت الهندية واليابانية والصينية "مرآة موسيقية" للتعاليم والقصص الدينية الهندوسية والبوذية.

العنصر الثاني - الأكثر أهمية على الإطلاق في حفظ تراث الأمم موسيقيا - هو إن الموسيقى الكلاسيكية الغربية تميزت عما عداها بنظام النوطة الموسيقية. هذا يعني تدوين الموسيقى على الورق بما يحدد سلم العمل على لوحة مفاتيح البيانو ومواقع النغمات على تلك اللوحة والفترة الزمنية بين كل نغمة وتاليتها إضافة الى الإيقاع الذي يجب أن يتبعه العمل الموسيقي أو سرعته إذا كان الإيقاع المنتظم ليس مطلوبا. وهكذا صار تدوين الموسيقى على هذا النحو – في تلك الحقبة على الأقل – حكرا على الحضارات الغربية دون الأخريات.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

منتجات معلّبة؟

على إن هذا التدوين أتى للموسيقى الكلاسيكية الغربية بأثر سلبي تمثل في "تعليبها". بعبارة أخرى، صار العمل الموسيقي – بسبب تدوينه على الورق – غير قابل لتقديمه إلا بالصورة التي كتب بها. فلم تعد ثمة مساحة لتأويله على صور أخرى أو تلوينه تبعا لمزاج العازف أو قائد الاوركسترا. وهو بهذا يقف على طرف نقيض مع - على سبيل المثال - موسيقى الجاز التي تعتمد على الارتجال بشكل رئيسي.

أغنية فيروز الشهيرة "يا انا يا انا وياك" هي تأويل الأخوين رحباني لمدخل الحركة الأولى في السيمفونية لموتسارت

وإضافة إلى اتخاذها من الهارموني (تناغم الأصوات على اختلاف درجاتها) سلسلة فقرية لها، تجد الكلاسيكية الغربية في آلاتها الموسيقية إحدى سماتها الرئيسية. فمثلا، بينما تتألف فرقة البوب أو الروك عادة من غيتارين كهربائيين أو ثلاثة والطبول إضافة، في وقت لاحق، الى الكيبورد الإلكتروني، فلا آلات كهربائية أو إلكترونية عندما يتعلق الأمر بالموسيقى الكلاسيكية لسبب جلي وهو وقوع عصرها خارج حقبة هذه الآلات.

* استمع الى كونشيرتو براندنبرغ الثالث (باخ) ولاحظ الأبعاد الهائلة التي تخلقها التراكيب الهارمونية:

https://www.youtube.com/watch?v=EFRfcWKYZWc

أشكال رئيسية

الموسيقى الكلاسيكية تعزفها، في السواد الأعظم من الأحوال، أوركسترا مؤلفة من الآلات الوترية وآلات النفخ النحاسية والخشبية (إضافة الى الطبل الكبير وآلات الإيقاع والنقر إذا استدعاها الأمر). وقد اتخذت لها أشكالا معينة أهمها:

السيمفونية

هذه مقطوعة مطولة لأوركسترا كاملة تقع في أربعة أجزاء، أو مقاطع، تسمى "حركات". وفي أغلب الأحوال يكون أول هذه الحركات سريعا ويتألف هو نفسه من ثلاثة أقسام (تسمى سوناتا فورم) يحدد أولها "النَفَس العام" للسيمفونية، ويخرج الثاني منه تماما قبل ان يعود اليه الجزء الثالث. وتكون الحركة الثانية بطيئة على عكس الثالثة الخفيفة الأقرب الى الراقصة. أما الحركة الرابعة فتكون مثل الأولى في سرعتها وأجزائها التي يأتي الجزء الثالث والأخير منها بالسيمفونية ككل الى ختام يتسم عادة بالصخب والقوة.

* من أكثر المتتابعات السيمفونية العذبة المعبرة "شهرزاد" للروسي ريمسكي كورساكوف الذي ألفها "تأكيدا على انتماء التراث الروسي الى الشرق". استمع اليها هنا:

https://www.youtube.com/watch?v=jR_Q7NbLzyU

الكونشيرتو

يشابه السيمفونية في أنه يقع في أربع حركات (أو ثلاث في أحوال عدة)، لكنه يختلف عنها في أنه مؤلف لآلة موسيقية معينة، على الأغلب الكمان أو البيانو وإن لم يكن حكرا عليهما. وبينما تكون السيمفونية مؤلفة للأوركسترا عامة، تصبح مهمة هذه الأخيرة في حالة الكونشيرتو هي مصاحبة الآلة المختارة في حلها وترحالها.

* استمع الى "الفصول الأربعة" لمؤلفها الإيطالي أنتونيو فيفالدي، وهي أربعة كونشيرتات للكمان تشكل مجتمعة عملا واحدا يمثل كل منها أحد فصول السنة ويعتبر من أعذب الأعمال الكلاسيكية:

https://www.youtube.com/watch?v=g1hEszuZ4lo

السوناتا

مقطوعة لآلة واحدة (البيانو في الأغلب) أو لأوركسترا صغيرة. سادت بشكل أساسي في عصر الباروك في أوروبا (القرن السابع عشر). وكانت في ذلك الوقت تعني "الموسيقى الصرف" تمييزا لها عن "الأغنية".

* استمع الى سوناتا البيانو (2) من تأليف الروسي سيرغي رحمانينوف:

https://www.youtube.com/watch?v=C_lOOYSzoBc

موسيقى الصالونات

مؤلفة لأوركسترا صغيرة بحيث يحتويها صالون المنزل من أصحابه إلى ضيوفهم. وهكذا لم تكن في ذلك الزمان للعامة وإنما لعلية القوم في حفلاتهم الخاصة. وهي تتخذ من هذه "الحميمية" أهمية اجتماعية أكثر من كونها خروجا على المألوف في ما يمكن ان يقال عن الموسيقى الكلاسيكية بشكل عام.

* استمع الى "سَنة الحج" لمؤلفها المجري فرانتس ليست هنا:

https://www.youtube.com/watch?v=Aj2gFk0FoKo

الرباعي الوتري

هو الرباعي المكون من كمان رئيسي وآخر ثانوي مصاحب وفيولا (الكمان الكبير) وتشيلو. وهو تشكيل وجد له مكانة خاصة في موسيقى الصالونات بفضل أنه العدد الأقل من أفراد الأوركسترا الذي يمكن أن يحتويه صالون في منزل خاص. وأهم ما يمكن ذكره هنا هو أن باستطاعة هذا الرباعي "تقليد" أعمال أوركسترالية كبيره بتوفيره أربعة أصوات من الهارموني المطلوب في الموسيقى الكلاسيكية.

* استمع الى الرباعي الوتري رقم 62 للمؤلف النمساوي جوزيف هايدن:

https://www.youtube.com/watch?v=mBmCcSz6HWw

الأوبرا

الاوبرا، في المقام الأول، أحد أشكال المسرح. لكنها ليست "مسرحية" أو حتى "مسرحية موسيقية". وهذا لأنها تتميز عن المسرحية والمسرحية الموسيقية فى أن أحداثها لا تتم بدون موسيقى وحوارها بأكمله غناء ولا شيء سواه. وعلى هذا الأساس فلها في العادة مؤلفان: موسيقي وشاعر. كما انها لا تكتمل إلا ببعض العناصر الأساسية مثل المناظر والأزياء وبالطبع التمثيل إضافة في بعض الأحيان الى الرقص وخاصة الباليه. ورغم كل ذلك فهي تصنف جزءا لا يتجزأ من الموسيقى الغربية الكلاسيكية لأنها في آخر المطاف موسيقى وغناء وإن اتخذت من الدراما معطفا لها. ولتبيان هذا فإننا نقول - عندما نتحدث عن أوبرا "عايدة" مثلا - إنها لجوسيبي فيردي (مؤلف موسيقاها) ولا نقول إنها لأنتونيو غيسلانسوني (كاتب أغانيها). من أفرعها "الأوبريتا" وهي أوبرا مصغّرة، و"الآريا" وهي الأغنية الأوبرالية القائمة بذاتها.

* شاهد اوبرا "عايدة" بطولة المغني الاوبرالي الشهير لوتشانو بافاروتي:

https://www.youtube.com/watch?v=p97ym1HeCNI

وأخيرا...

في ختام هذه العجالة يبقى القول إن الموسيقى الكلاسيكية عانت من وصمها قديما بأنها للبلاط الملكي والنبلاء، وحديثا بأنها للميسورين والمثقفين. ومع أن من الصحيح أنها لم تكن موسيقى الطبقات العاملة حتى في الغرب، يظل في ذلك الحكم شيئا من التجني، بدليل أن موتسارت فشل في سعيه إلى الوصول إلى البلاط لكنه حقق شعبية كبيرة وسط العامة.

ومع ذلك يتعين الإقرار بأن الموسيقى الكلاسيكية صارت ضحية سعيها إلى الكمال بتركيباتها الهارمونية الطويلة المعقدة وكونها أيضا معلّبة وتفتقر إلى المرونة. وفي مواجهة الأنماط الشعبية الأخرى القادرة على التطور وتغيير جلودها كما شاءت، أصبحت الكلاسيكية، من حيث لا تريد، موسيقى النخبة. لكن هذا يجب ألا يحجب عنا جمالها الذي يقف في أحايين كثيرة على عتبة الإعجاز.

المزيد من ثقافة