Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

100 رحّالة... هكذا رأوا معالم السعودية وكتبوا عنها ورسموها

"رؤى من الخارج" كتاب الباحثة منى خزندار اشبه بمتحف بصري يختصر رحلات بدأت منذ القرون الوسطى

حجاج في طريقهم إلى مكة المكرمة 1861... لوحة للرحالة ليون بيللي (الكتاب)   

تؤدي الباحثة السعودية منى خزندار في كتابها الموسوعي "رؤى من الخارج: طروحات تاريخية ومعاصرة للمملكة العربية السعودية" الصادر في لغات ثلاث: الفرنسية (دار سكيرا) والإنكليزية والعربية (دار كاف) دور المؤرخة والموثقة والمحللة في آن واحد، بغية الإحاطة التامة بما يسعى الكتاب إليه، وهو جمع ما كتب عن منطقة شبه الجزيرة العربية في مؤلفات الرحالة العرب والأجانب، وما التقط لها من صور فوتوغرافية وما رسم من لوحات وخرائط وتصاميم، بدءاً من القرن السادس عشر حتى القرن العشرين أي قرن الحداثة. ولعل ما يرسخ فرادة هذا الكتاب الضخم والفريد في نوعه، هو التوفيق بين المادة البصرية والنص المكتوب الذي يلقي عليها ضوءاً ساطعاً من خلال التحليل والعرض التاريخيين والاجتماعيين والأثريين، والشروح الكثيرة التي رافقت الصور واللوحات والخرائط والتصاميم الهندسية والأثرية والتي تضع أمام القارئ معلومات موثقة ودقيقة تساعده على الإلمام بالعناصر الكثيرة التي يحتويها الكتاب. عطفا على سرد بيوغرافي وبيبليوغرافي للرحالة والفنانين الذين أموا الجزيرة في كافة العصور والمراحل، وعلى اختلاف هوياتهم ومشاربهم. فالمواد البصرية تعود إلى أكثر من 100 فنان واختارتها خزندار بروية ودقة، من مجموعات كبيرة من الصور واللوحات ومن الكتب التاريخية وقصص الرحلات التي وضعها كتاب وفنانون، مستوحين عالم شبه الجزيرة التي اعتبرت، كما يقول المستشرق الفرنسي فيليب كاردينال في تقديمه للكتاب "من أكثر مناطق العالم غموضاً". وهؤلاء الكتاب والفنانون كانوا غرباء بغالبيتهم عن المنطقة، ولعل هذا ما يفسر طبيعة عنوان الكتاب نفسه "رؤى من الخارج".

اختارت الباحثة منهج التقديم البانورامي للمادة البصرية الكبيرة التي نشرتها في الكتاب، وعمدت إلى توزيعها وفق بينة النص الذي كتبته عبر اثني عشر فصلاً، كل فصل نص قائم بذاته ويتطرق إلى موضوع معين. والفصول هي بالتدريج: بوابات شبه الجزيرة العربية، محور العالم، نباتات شبه الجزيرة العربية، رجال الرمل، سفينة الكثبان، صحراء الصحارى، مدن الأمس والغد، أيام وحيوات، الخيل العربي، ثروات في الأحافير، حضارات الماضي، خرائط قديمة. وتبدو هذه الفصول أشبه برحلات إلى شبه الجزيرة من وجهات متعددة، حضارية وتراثية وهندسية وتاريخية وجغرافية وأثرية وبشرية... ويبدو الفصل الواحد كأنه كتاب مفتوح على المفاجآت سواء البصرية أم السردية. والمواد البصرية تعود إلى نحو مئة فنان، كما تمت الإشارة، قدموا من بلدان غربية وعربية عدة ، وينتمون إلى مدارس فنية وأثرية مختلفة وكذلك إلى أزمنة متعددة، من الحقبة الاستشراقية الى الفترة الحديثة. ومعروف تاريخياً أن بعض الرحالة العرب والرحالة الذين يجيدون اللغة العربية بدأوا منذ مرحلة القرون الوسطى، يؤلفون كتباً عن رحلاتهم تضم معلومات جغرافية خصوصاً، تلقي الضوء على بعض الحقائق في شبه الجزيرة. لكن هذه المؤلفات لم تترجم إلى الأجنبية إلا بعد فترات طويلة، ومنها على سبيل المثل نصوص ابن حوقل التي دونها في القرن الحادي عشر، ونصوص ابن جبير في القرن الثاني عشر، وابن بطوطة وأبو الفداء في القرن الرابع عشر. ويشير المستشرق كاردينال إلى أن ما كان يتناوله هؤلاء الرحالة هو السياق الذي كانت تجري فيه رحلات الحج إلى مكة المكرمة والزيارات إلى المدينة المنورة. ولهذا كانت تقتصر جزيرة العرب في نظر هؤلاء على منطقة الحجاز. ويرى كادردينال أن منطقة الحجاز كان لها دور رئيسي على مستوى النفوذ، لا سيما في ما يتعلق بمراكز القوى المسلمة التي تجاور الجزيرة، في مختلف العصور ومنها مثلاً: العباسيون في بغداد، الفاطميون في القاهرة، الأيوبيون في القاهرة ودمشق والعثمانيون في مرحلة لاحقة.

أول الرحالة

يبدو واضحاً أن اهتمام الرحالة والمستشرقين الأوروبيين بالجزيرة العربية جاء متاخراً، ويمكن القول إن لودوفيكو دو فارتيما هو أول رحالة من أوروبا قام برحلة إلى المدينة المنورة ومكة المكرمة في بداية القرن السادس عشر، ما يعني أن رحلته جاءت بعد قرنين على رحلة الإيطالي ماركوبولو الشهيرة. ويستحق هذا الرحالة فعلاً التوقف عنده لكونه أول من خاض رحلة إلى الجزيرة، ولم يعرف السبب الذي دفعه إلى مغادرة بولونيا ذات يوم ليتوجه إلى الجزيرة أو نحو الشرق عموماً. وهو قد عمل كضابط مملوكي وانضم إلى موكب يتألف من نحو خمسين رجلاً، مهمتهم حماية القافلة المتوجهة إلى المدن المقدسة، وقد اضطر إلى مواجهة فرق البدو المرابطة هناك. أقام دو فارتيما في المدينة المنورة وخلع عنه بزة المرتزقة ثم راح يواصل رحلته الطويلة، قاصداً اليمن والهند.

غير أن الرحلات الاستشراقية التي توالت بعد رحلة دو فارتيما تطلبت نحو قرن ونيف كي تواصل طريقها. فقام رحالة أوروبيّ آخر برحلة دوّن خلالها أخبار إقامته في مكة المكرمة والمدينة المنوّرة اللتين كانتا محرّمتين على غير المسلمين. وكان التحريم يشمل أحياناً، بحسب المراحل الزمنية المختلفة، منطقة الحجاز كلها، مع بعض استثناءات. وحتى القرن الثامن عشر كان يؤدي بعض النبلاء مناسك الحج بصحبة خدم أو عبيد مسيحيين يرافقونهم علناً، وكانت هذه التسهيلات ممكنة إسلامياً. ويورد كاردينال مثلاً على ذلك حال رحلة الحجّ التي قام بها شاب إنجليزي برفقة سيده المغربيّ في أواخر القرن السابع عشر بعد أن وقع في شباك العبودية. إنه جون بيتس الذي يرِد ذكره أيضاً في صفحات الكتاب، وقد روى هذه المرحلة من حياته في كتاب يدور حول فترة الخمس عشرة سنة التي أمضاها مُستعبداً. وقد كتبت عنه المؤرّخة، جاكلين بيرين في القرن العشرين قائلة: "عندما نقرأ الآن ما كتبه بيتس عن الحج وعن المدينتين المقدّستين، تتملكنا الدهشة لدقة التفاصيل. فقد رسم الأشياء، من دون أي تنميق، وبموضوعية لافتة. وتمكن من التعمّق في فهم عقلية الحجّاج الدينية، فوصفها باحترام كلي".

المكان الجليل

غير أن الاهتمام الفعليّ بمدن الحجاز المقدّسة لم يبرز أو يتبلور حتى نهاية القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر. وقد اصطدم هذا الاهتمام بمسألة منزلة الرحالة الغربيين في الإسلام لكونهم غير مسلمين. وقد أبدى معظمهم الاحترام لدين الإسلام ولطقوس الحج. أما الكتّاب الذين أتوا لاحقاً، أي في القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، وكرّسوا إقاماتهم في المدن المقدّسة لتدوين أعمالهم، مثل علي باي العباسيّ، وليون روش، وريتشارد بورتن، وجون فراير كين، وسنوك هرخرونيه، وجول جرفيه كورتلمون، وإتيان دينيه، فهم تعاملوا كما يرى كاردينال، باحترام كبير مع موضوع تدوينهم لليوميات ووصفهم للمعالم. ومنهم المستكشف البريطاني ريتشارد بورتن، الذي كتب أمام المسجد الحرام قائلاً: "هذا المكان جليل، ويعبّر بشاعرية بليغة عن عظمة الفكرة الإلهية التي وهبت الإسلام الحياة ووهبت معتنقيه التقشّف والثبات". وقد كتب هذه الملاحظة عند زيارته ليلاً للمسجد في ضوء قمر شهر ذي الحجّة. ومعروف أن بورتون الذي ترجم قصص "ألف ليلة وليلة" وكان رائداً في حقل هذه الترجمة، طلب أن يُدفن في قبر على شكل خيمة بدوية.

وإذا كان بعض الكتّاب الأوروبيّين في القرنين التاسع عشر والعشرين، سعوا إلى الكشف عن معالم هذه المنطقة من الجزيرة، التي كثيراً ما ورد وصفها في أعمال الجغرافيّين والرحّالة المسلمين، والتي تعرّف إليها ملايين الحجاج طوال قرون، فإن كتّاباً ورحّالة آخرين ركزوا على علم الآثار الذي كان آنذاك في طور نشوئه في أوروبا، وبرز اهتمامهم بالحجارة القديمة العائدة إلى قرون قديمة، خصوصاً أن جزيرة العرب تقع في جوار أراضٍ تبيّن لاحقاً أنها غنية جداً على المستوى الحضاري القديم. وقد سعى هؤلاء الرحالة إلى القيام باكتشافات أثرية مهمة. ومن الكتّاب الذين اهتمّوا بهذا المجال: يوهان لودفيغ بوركهارت، وأولريش ياسبر زيستن، وشارل مونتاغو داوتي، وتشارل هوبر، وأنتونين جوسين، ورافايل سافينياك وسواهم. وقد واجه بعض هؤلاء ظروفاً قاسية جداً في أحيان، وبعضها نجم عن الحذر والاحتياط اللذين كان يبديهما أهل المنطقة حيال المستكشفين أو علماء الآثار. وكان لا بد من أن يواجه الرحالة وعلماء الآثار عداوة البدو الذين كانوا يعتقدون أن هؤلاء الاغراب يحاولون سرقة كنوزهم، فكانوا يُسجنون أحياناً أو يتعرضون للمضايقات.

السعي وراء الخيل

ولكن ثمة رحالة آخرون وضعوا هدفاً مختلفاً لرحلتهم وهو التقاء القبائل سعياً وراء الخيول الأصيلة، ومنهم: فاتسواف سيفيرين جفوسكي، وكارلو غوارماني، والزوجان آن وويلفريد بْلنْت وغيرهم. وربما كان من البديهي أن يتفاهم بعض الرحالة الأرستقراطيّو الأصل والعريقو السّلالة مع البدو المولعين بعلم السّلالات. فالاهتمام الذي أولاه هؤلاء الزوّار للخيول العربية كان يستوقف البدو، أكثر من الفضول المريب إزاء الكتابات شبه الممحوّة والمنقوشة في حجارة الأطلال.

يستحضر الكتاب في هذا السياق الكونت فاتسواف سيفيرين جفوسكي، أحد هؤلاء الرحّالة. فهذا الفارس البارز والمستعرب المتميز والمعروف بسعة معرفته وشهامته ، كان يوجد في شبه الجزيرة العربية من أجل الحصول على خيول أصيلة لإسطبلات الملكة كاثرين دو فورتيمبرغ وقيصر روسيا ألكسندر الأول. ونظراً لاعتبار البدو إياه "الأمير الكبير لقبائل الشمال في مملكة إسكندر"، نسبةً إلى قيصر روسيا وملك بولندا ألكسندر الأول، فهو حظي بجاه كبير جداً وسط القبائل. وقد كتب جفوسكي ما يأتي: "قُورِنْتُ ببطل العرب المفضّل، بعنترة المشهور، ونُظمت لي بين القبائل أبيات شعر المديح. وهكذا ذاع اسمي في الصحراء وما لبث، حسبما عرفتُ لاحقاً، أن وصل إلى عمق جزيرة العرب، حيث يشكّل كل خبر جديد مادة للأحاديث، وحيث ينجرف كل شخص بسحر الكلام، فيضفي على الحقيقة كل الروعة التي يمكن أن يأتي بها خياله الجامح".

ولم تخل أهداف بعض الرحالة من التركيز على الجانب الإنساني للبدو، ومنهم علماء أنثروبولوجيا، ودبلوماسيّون مميّزون، إضافة إلى بعض الجواسيس المهرة، ومنهم: لوران دارفيو، وجورج فورستر سادلير، موريس تاميزييه، جورج أوغست فالين، ويليام غيفورد بلغريف، هاري سانت جون بريدجر فيلبي وسواهم.

الربع غير الخالي

وثمة رحالة، ومنهم برترام توماس وويلفريد ثيسيجر وسواهما، قصدوا جزيرة العرب لمواجهة الصّحارى، أو بالأحرى لمواجهة كبرى الصحارى وصحراء الصحارى، الربع الخالي، الذي كما يقول كاردينال "هو ليس خالياً كما يعكس اسمه، إنما هو "خواء جليل" على حد تعبير فيلبي، ويشكّل رحماً لثقافة بدويّة عمرها آلاف السنين". وقد اختار ثيسيجر بدافع الشغف، أن يقضي نحو خمس سنوات من حياته في هذه الصحراء من 1946 إلى 1950، فاجتاز رمالها وجاب أرجاءها من ناحية إلى أخرى. وكان يُدرك أنّه يشهد على نمط حياة هو في طريق الزوال، على حد تعبيره: "إن أفضل ما أوتي العرب نابع من الصحراء".

أما الفنانون الجدد الذين ينتمون الى القرن العشرين، سواء كانوا اجانب او عرباً، فهم راحوا يستوحون في صورهم الفوتوغرافية ولوحاتهم التشكيلية، المعالم الحضارية والدينية للجزيرة، وكذلك المشاهد الطبيعية الحياتية البديعة والفريدة، وتمكنوا من إنجاز اعمال فنية راقية قدموها في معارض جماعية وفردية في مدن عالمية. وحسنا فعلت خزندار في التركيز أيضا على رحلات هؤلاء الفنانين والرحالة المحدثين والجدد ومنهم بعض الشباب، لتتيح المجال أمام قارئ كتابها للمقارنة بين الأجيال السابقة والقديمة والأجيال الجديدة وطرائق تعاملهم الفني مع المشهدية البديعة.

بذلت الباحثة منى خزندار جهداً كبيراً في جمع نصوص الرحالة الأجانب ودراستها واختارت منها ما يلائم سياق الكتاب الضخم الذي وضعته، وكان عليها أيضاً أن تبذل جهداً آخر في اختيار الصور واللوحات والوثائق والخرائط والتصاميم الكثيرة التي أنجزها هؤلاء الرحالة. وقد اعتمدت في مثل هذا العمل الموسوعي ثقافتها العميقة والشاملة أولاً ثم منهجيتها الأكاديمية وخبرتها الطويلة في معهد العالم العربي – باريس الذي أمضت فيه نحو 25 عاماً بلغت خلالها منصب الأمانة العامة. وهذه المسيرة المميزة والمكرّسة بكاملها للفن وثقافة العالم العربي، كما يقول فيليب كاردينال، جعلت منها الشخص المثالي المؤهل لتأليف هذا الكتاب وطرح هذا الموضوع الذي لم يعالج سابقاً بهذه الشمولية والعمق. والكتاب فعلاً رحلة بديعة إلى عوالم الجزيرة العربية، بالصورة والنص، على ضوء ما كتب عنها الرحالة الغربيون وما صوروا من معالمها أو رسموه، وماعاشوا من مغامرات معرفية ملؤها الحماسة والفضول الثقافي والجمال.