مئة يوم على انتفاضة لبنان

ثورة مختلفة عن 52 و58 و1975... وشعب يرفض ثنائيات الصراعات السابقة

جمعت التحرّكات للمرة الأولى في تاريخ لبنان فئات وجماعات وشرائح من مختلف الطوائف والمناطق (أ.ف.ب)

لم يتم إحداث تغيير، ولو جزئي، في مسار السياسات اللبنانية، وفِي تركيب السلطة السياسية الحاكمة، إلا في ظروفٍ محددةٍ، التقت خلالها نخبٌ محددةٌ حاضرةٌ في السلطة، ضد نخبٍ أخرى شريكة في السلطة نفسها .

ينطبق ذلك على الانتفاضة ضد الرئيس الاستقلالي الأول بشارة الخوري في نهاية عام 1952. فكًر الخوري في تمديد ولايته، أو هكذا قيل، فقام تحالف ضد التمديد مزجَ بين الاشتراكية والوطنية (كمال جنبلاط كان من أركانه) هدفه إسقاط الخوري، وانتهى إلى المجيء بكميل شمعون رئيساً للجمهورية، وينطبق أيضاً على "الثورة" ضد شمعون ذاته بعد ست سنوات، وللأسباب الرسمية نفسها: الرغبة في التمديد .

اختلفت الأمور خلال الحروب المندلعة بعد 1975، لكن جوهر التحالفات بقي قائماً، والتحولات الحاصلة في طبيعة السلطة والنظام بنتيجة تلك الحروب اعتمدت الارتكاز على قاعدة الانقسام التقليدي بين أطراف سلطة جرى تعديل مراكز القوى فيها بفعل التدخل الخارجي (الفلسطيني، ثم الإسرائيلي، فالسوري)، وتركيبة النظام كما هي الآن ليست سوى امتدادٍ لما أُرسي خلال سنوات التحوّلات الداخلية في مواقع السلطة، اعتماداً على خلفية التدخل تلك .

مئة يوم
قبل مئة يوم اندلعت في لبنان انتفاضة مختلفة، لم يقف في قيادتها زعيمٌ حزبيٌّ أو مناطقيٌّ أو طائفيٌّ، كما حصل في 1952 أو في 1958 أو 1975.

انطلقت التظاهرات المعارضة سياسات السلطة في بيروت، ثم شملت مناطق عدة في توقيت مخالف لتوقيت القوى التقليدية، ولأهداف غير أهدافها، وجمعت التحرّكات للمرة الأولى في تاريخ لبنان فئات وجماعات وشرائح من مختلف الطوائف والمناطق، ما أعطاها صفات مغايرة لتلك التي أطلقت على تحركات أخرى، فئوية ومناطقية، وأكسبها مناعة وحدت جمهوراً لبنانياً في الوطن والمغتربات، لم تسنح له سابقاً فرصة النطق بلسان تغييري واحد .

كانت كل الظروف تدفع باتجاه الانتفاضة: التراجع الاقتصادي والمعيشي، والبطالة، والنهب والفساد في مختلف القطاعات، غير أن بعضاً ممن في السلطة كان يعتقد أن بإمكانه الاستثمار في النقمة الشعبية لإطاحة شركاء آخرين له في السلطة نفسها .

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

قبل أسبوع من اندلاع الانتفاضة اجتمع أمين عام حزب الله حسن نصر الله مع رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل، وبحثا تنسيق الموقف من التطورات.

بعد ثلاثة أيّام أطلّ باسيل في ذكرى الهجوم السوري على بعبدا (13 أكتوبر "تشرين الأول" 1990) ليعلن الاستعداد لـ"انقلاب" ما على الواقع السائد.

هدد باسيل بـ"قلب الطاولة" على خصوم الرئيس ميشال عون، وفِي السياسة أكد أنه سيزور دمشق قريباً، في رسالة تتجاوز موقف الرئيس سعد الحريري، وتضعه في زاوية الاذعان أو الإبعاد .

الإشارة إلى زيارة دمشق كانت كلمة السر في مسار يقوده حزب الله، قوامه مواجهة العقوبات الأميركية على إيران وميليشياتها، التي أصابت الحزب مباشرة عبر تدابير طالت المصارف، وأقفلت "بنك الجمال" المُعتمد من قبله .

أراد (الحزب اللهي) إحراج فريق السلطة الآخر ممثلاً بسعد الحريري في حملة بدأها ضد المصارف وعلى رأسها مصرف الدولة المركزي، لا تنتهي بالانتقال إلى ضفة الأسد بغطاء رئاسي، وأراد تخويف البنوك ورجال الأعمال برعاية عرض عسكري في شارع الحمرا المركزي لحليفه السوري القومي، ووجّه رسالة ترهيب مماثلة إلى وليد جنبلاط عبر عرض مماثل نظّمه في كيفون البلدة الشيعية في عمق الجبل الدرزي .

توالت فصول هذا المشهد (العوني الحزب اللهي) خلال أقل من أسبوعين في مطلع أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، وظهر وكأنّ لبنان على باب تصفيات داخلية في إطار الطاقم الحاكم، من دون أَي ربط بالأزمة الحقيقية المتصلة بتدهور الوضع الاقتصادي والمالي، أو في محاولة لتحميل وزر هذا التدهور لطرف محدد هو الحريري وما يمثله، ما يجعل الحريري أداة طيّعة يحتاجها حزب الله في المواجهة التي تتصاعد مع أميركا والمجتمعين الدولي والعربي .

الخرق الشعبي
اندلعت الانتفاضة في 17 أكتوبر (تشرين الأول) من خارج سياق الصراعات الفوقية، ففاجأت الأطراف السلطوية جميعها، لم يجر مثل ذلك في 1952 ولا 58 ولا 75.

رفض المنتفضون الجميع، فلم يعد وارداً أن يستند طرف في السلطة إلى الحركة الشعبية لفرض تعديل في ميزان القوى، كما حصل في محطات سابقة.

كان لبنان منذ 2005، أمام انقسامٍ تقليديّ بين فريقي 14 آذار و8 آذار، فاخترق فريق 17 أكتوبر المشهد، وفرض نفسه طرفاً قادراً على عرقلة ما يخطط الآخرون لفرضه، وإن كان عاجزاً حتى الآن عن فرض تصوّره للسلطة المقبلة .

دفعت الانتفاضة فريق 8 آذار بقيادة حزب الله إلى تشكيل حكومة من لون واحد، وحوًلت فريق 14 آذار بكامله إلى معارض تدريجي، وجعلت سعد الحريري يعلن فشل التسوية الرئاسية ويفسخ شراكته مع التيار العوني، وإذا كانت هذه هي نتائج مئة يوم من الانتفاضة فإنها كافية للجزم بإمكانية التغيير مع بعض الصمود والكثير من الصبر.

المزيد من آراء