Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

كيف نتصور أوضاع لبنان منتصف 2020؟

ثلاثة شروط لعبور الكارثة... وكلها ينتظر

متظاهرون يهتفون احتجاجا على القيود المفروضة في لبنان بشأن عمليات السحب والتحويل بالدولار في الخارج (أ.ف.ب)

فاجأني صديقي الخبير في شؤون العالم العربي بسؤاله المباشر والمحدد، كيف تتصور أوضاع لبنان بعد ستة أشهر، أي في منتصف عام 2020؟.
يجبرك السؤال على إعادة تقويم تفصيلية للوضع القائم سياسيا واقتصاديا وماليا، حيث التأزم ماثل على مختلف هذه المستويات، وحيث طرأ عامل جديد ينبغي أخذه بعين الاعتبار، وهو تكليف الدكتور حسان دياب بتشكيل حكومة جديدة يفترض أن تبصر النور خلال أيام قليلة .
تُحيل إعادة التقويم إلى ضرورة وصف المشهد اللبناني المأزوم الذي استدعى دعوات أطلقتها قوى سياسية من صلب النظام إلى العودة للزراعة واستغلال أي بقعة أرض في إنتاج المواد الغذائية الأولية الضرورية. انطلقت هذه الدعوات بخجل في مناطق نفوذ حزب الله، وأعقبها نداء صريح من الزعيم الدرزي وليد جنبلاط الذي حضً أتباعه وأبناء الجبل على العودة إلى الزراعة، ووصل به الأمر حد الدعاية لمدافئ تصنع خصيصا وتستعمل للتدفئة في القرى الجبلية معتمدة على قطع الأشجار وحرقها .
تبشر تلك الدعوات من سياسيين يعرفون مستوى الرفاهية الذي اعتادته غالبية اللبنانيين على مدى عقود، بقدوم موجة فقر وحاجة وجوع ستجتاح لبنان خلال الشهور المقبلة. وهم بدلا من الإلحاح على حلول جذرية للأزمة يسارعون إلى اقتراح علاج قد يكون مفيدا كجزء في خطة طويلة الأجل، لكنه في الحالة الراهنة قد يفسر بأنه هروب من تحمل المسؤولية .

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)


والتهرب من المسؤولية ليس حكراً على طرف سياسي واحد أو طرفين، الجميع مسؤول عما آلت إليه الأوضاع. فهؤلاء لا بد قرأوا واطلعوا على التقارير المتعلقة بالأوضاع المالية والاقتصادية في بلدهم، التي حذرت جميعها من خطورة هذه الأوضاع وأنها تتجه إلى كارثة محتمة .
وقدرت منظمة الأغذية العالمية الإنتاج الزراعي اللبناني عام 2016 بملياري دولار، وفي 2018 انخفض إلى 1.4 مليار دولار بحسب المؤسسة العامة لتشجيع الاستثمارات (مؤسسة رسمية)، وبلغت صادرات الأغذية اللبنانية التي تعتمد على الخضراوات والفاكهة 1.1 مليار دولار فيما بلغت واردات لبنان الغذائية من الخارج 3.6 مليار في 2014، ويسري ذلك على الصادرات والواردات في مجملها، حيث بلغت الأولى 2.9 مليار والثانية 19.9 مليار في عام 2018، أي بعجز يقارب 17 مليارا.
هذه الأرقام، إلى أسباب أخرى، هي في صلب نمو ديون الدولة، فالبنك المركزي والحكومة عملا على سد العجز باللجوء إلى عمليات اقتراض، داخلية خصوصا، تهدد بإطاحة مدخرات اللبنانيين التي تلاعبت بها المصارف سعيا وراء أرباح سريعة باتت الدولة عاجزة عن دفعها .
وأزمة السيولة بالعملة الصعبة التي يعانيها لبنان حاليا ستجعله، في غياب الحلول، عاجزا، ليس فقط عن متابعة أنماطه السابقة في الاستهلاك، بل وغير قادر على شراء مستلزمات اقتصاده الأولية من غذاء ودواء ومحروقات. وسيقود ذلك إلى نشوء مشكلات اجتماعية من نوع جديد. فإذا كان الحديث يجري سابقا عن تنافس ومزاحمة على الأعمال والوظائف بين اللبنانيين وبينهم وبين اللاجئين السوريين والفلسطينيين، فإن المشكلة المقبلة ستكون في تنافس هؤلاء جميعا للحصول على السلع الضرورية، وسيفوز من تتوفر لديه السيولة الكافية.
كُلف رئيس جديد بتشكيل الحكومة في خضم هذا الواقع المأزوم. ووسط انتفاضة شعبية وضعت إصبعها على الجرح محملة كافة السياسيين الذين تولوا الحكم خلال العقود الماضية المسؤولية عن التدهور الحاصل. فماذا قدّم الرجل والذين دعموا ترشيحه حتى الآن؟.
الغريب في الأمر أن أياً من الفرقاء الذين تنعموا بالسلطة لم يقترح حتى الآن برنامجا للخروج من الأزمة، بمن فيهم رئيس الوزراء المكلف. أمضى هؤلاء جميعا الأيام الطويلة منذ التكليف في اجتماعات جانبية تبحث في عدد الوزراء وحصة كل طرف، وتمسكه بهذه الوزارة أو تلك، ولَم يصرح واحدهم عن خطة ما للمعالجة، كأن شيئا لم يحصل، أو أن ما يمر به الشعب اللبناني مجرد مشكلة تقنية لا بنيوية، يمكن علاجها بمجرد تربع حكومة، متهمة سلفا باللون السلطوي الواحد، على سدة الحكم .
وخطة المعالجة لا تقتصر على برنامج إصلاحات جذرية داخلية، فشرط تطبيق هذا البرنامج وإنجاحه مرتبط بعاملين أساسيين: الأول طبيعة الحكومة وابتعادها عن مواصلة سياسة من سبقها، أشخاصا وممارسات. والثاني، نظرة هذه الحكومة إلى العلاقة بين لبنان وعمقه العربي، الخليجي خصوصا، من جهة، وعلاقته بالمجتمع الدولي من جهة ثانية، وهو ما رسم مؤتمر باريس الأخير لدعم لبنان شكلها وأبعادها.
لا يمكن إنهاض لبنان من دون أخذ كل ذلك بعين الاعتبار: حكومة مستقلة تضع برنامجا اقتصاديا وماليا إصلاحيا، تصحح العلاقة مع الدول العربية والخليجية خصوصا، طلبا للدعم والمؤازرة، وتوفر المناخ المؤاتي لوضع مقررات باريس موضع التنفيذ .
هكذا يمكن أن نتوقع خيرا في منتصف 2020، أما الاستمرار في علاجات الماضي  فنتيجته ستكون كارثية .

المزيد من آراء