ملخص
كشف بيان الخارجية الأميركية عن أن روبيو أبلغ رئيس الوزراء الإثيوبي بأن الوسيلة الوحيدة لحل الأزمة مع إريتريا تتمثل في العودة للحوار على قاعدة اتفاق السلام الموقع عام 2018.
أثارت التصريحات، التي أدلى بها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو أول من أمس السبت حول الأحداث في إثيوبيا، التي وصف فيها تحالف المعارضة بـ"الجماعات الانفصالية" وأعلن أن عملياتها التي استهدفت العاصمة أديس أبابا "إرهابية"، غضباً كبيراً في أوساط تحالف المعارضة المتمردة.
وجاءت تصريحات الوزير الأميركي خلال لقاء صحافي عقد في قاعدة أندريوس العسكرية بولاية ماريلاند، تطرق فيه إلى جماعات وصفها بـ"الانفصالية"، متهماً إياها بممارسة أعمال العنف، مؤكداً أن تلك الأنشطة تقابل برد حكومي مبرر، في إشارة إلى الحملة العسكرية الجارية في شمال إثيوبيا بين الجيش الفيدرالي وحلفائه من "قوات سلام تيغراي"، و"قوات الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي".
وتأتي هذه التصريحات بعد أيام من مكالمة هاتفية أجراها روبيو مع رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، حول تصاعد نذر الحرب بين إريتريا وإثيوبيا، وبخاصة مع اقتراب جيش الأخيرة من الحدود الإريترية.
وكان موقع وزارة الخارجية الأميركية قد أشار إلى أن المكالمة تضمنت تحذيراً أميركياً من اندلاع حرب جديدة بين البلدين، وكشف بيان الخارجية الأميركية عن أن روبيو أبلغ رئيس الوزراء الإثيوبي بأن الوسيلة الوحيدة لحل الأزمة مع إريتريا تتمثل في العودة للحوار على قاعدة اتفاق السلام الموقع عام 2018. وأكد ضرورة احترام سيادة دول القرن الأفريقي كافة، في تحذير من انتهاك الحدود الإريترية المشتركة بين البلدين خلال الحملة العسكرية الراهنة، ونوه إلى أن المنطقة لا تحتمل مزيداً من الحروب، وفق البيان الأميركي.
استياء التحالف
في المقابل، أصدر "تحالف من أجل البقاء" الذي يضم سبعة كيانات مسلحة تحارب الجيش الفيدرالي وحلفاءه، بياناً للرد على تصريحات وزير الخارجية الأميركي، مستعرضاً ما وصفه بـ"الوقائع الحقيقية" للحرب الدائرة في إثيوبيا.
وأعرب البيان عن استياء التحالف من التصريحات التي أدلى بها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، ووصفها بـ"المؤسفة"، مؤكداً أن العمليات العسكرية الدفاعية التي قال إن "تحالف القوات الإثيوبية من أجل البقاء" اضطر إلى تنفيذها، "ليست الغاية منها تحقيق أهداف انفصالية، ولا ترمي إلى تفكيك البلاد أو تقسيمها إلى كيانات منفصلة".
تصنيف مجحف
وأشار إلى أن العمليات الأخيرة جاءت "كملاذ أخير بعد رفض النظام الحاكم كافة المساعي الصادقة الرامية إلى تحقيق المصالحة السلمية"، بما في ذلك الالتزام بأحكام اتفاق بريتوريا للسلام.
وأضاف "في ضوء ذلك، فإن وصف هذه التحركات بأنها انفصالية يُعد توصيفاً غير دقيق من الناحية القانونية وغير موائم سياسياً. فالهدف الأساس للتحالف هو الدفع نحو انتقال ديمقراطي شامل لوقف الانزلاق نحو التفكك، وإحلال السلام والاستقرار، ورسم مستقبل البلاد استناداً إلى تطلعات مواطنيها".
وأوضح أن تصنيف بعض العمليات العسكرية التي ينفذها "تحالف القوات الإثيوبية من أجل البقاء"، والتي تستهدف المنشآت العسكرية للنظام، على أنها "عمليات إرهابية "، يعد "تصنيفاً غير مبرر، إذ يقدم صورة مشوهة عن الواقع". ولفت إلى أن "النظام يستخدم أسلحة أكثر تطوراً على نطاق واسع، ليس ضد الأهداف العسكرية وحسب، بل أيضاً ضد المناطق المدنية المكتظة بالسكان والخاضعة لسيطرتنا".
دعوة لموقف أميركي "متوازن"
وجاء في بيان التحالف أن "التصنيف الذي تبناه روبيو في تصريحاته الأخيرة لن يؤدي إلا إلى تشجيع النظام على مواصلة أجندته الحربية من دون مساءلة، وإغلاق الطريق أمام جميع الجهود الرامية للتوصل إلى تسوية سلمية".
وبناءً على ذلك، حثّ "تحالف القوات الإثيوبية من أجل البقاء" الولايات المتحدة على "تبني موقف متوازن وبنّاء إزاء الصراع برمته، بما يسهم في تحقيق سلام دائم في إثيوبيا"، بحسب نص البيان.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
مقاربة مغايرة
من جهته، يرى المتخصص في الشأن التيغراوي، محاري سلمون، أن "تصريحات روبيو تعد غير معهودة، وتخالف إلى حد كبير المقاربات التي اعتمدت عليها الإدارات الأميركية السابقة"، موضحاً أن الولايات المتحدة تعد أحد الضامنين لاتفاق بريتوريا للسلام، الموقع بين الحكومة الفيدرالية الإثيوبية و"الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي"، ومن ثم فإن وصف أحد أطراف الاتفاق بـ"الإرهاب" يدين "الضامنين ومن بينهم واشنطن، قبل أن يمثل الأمر إدانة للجبهة التي تقاتل نتيجة تنصل النظام من الالتزامات التي ينص عليها الاتفاق الموقع في نوفمبر (تشرين الثاني) 2022".
وأضاف أن استناد روبيو إلى استهداف العاصمة الإثيوبية لتوصيف الغارات بأنها "أعمال إرهابية مزعومة" يفتقر إلى الدقة والحكمة، لا سيما أن المنشآت المستهدفة بالأساس مواقع عسكرية وليست أهدافاً مدنية. ويُقدر المحلل التيغراوي أن تكون اللهجة الحادة التي استخدمها روبيو ضد تحالف المعارضة تهدف إلى تخفيف التوتر القائم بين أديس أبابا وأسمرة، إذ "تسعى الخارجية الأميركية إلى الحد من اندفاع الجيش الإثيوبي نحو الحدود الإريترية، ومن ثم ينبغي قراءة التصريحات في هذا السياق، وبخاصة بعد المكالمة التي جمعت روبيو بآبي أحمد وتضمنت تحذيراً شديد اللهجة تجاه الخطط العسكرية الهادفة إلى اختراق الحدود داخل العمق الإريتري".
المراهنة على النظم الحاكمة
ويوضح سلمون أن واشنطن تسعى إلى المحافظة على علاقاتها المتوازنة مع كل من أسمرة وأديس أبابا، منعاً لأي انزلاق نحو حرب مفتوحة قد تفضي إلى اتساع نطاق الصراع نحو البحر الأحمر، الذي يشهد بدوره توترات تهدد المصالح الحيوية والإستراتيجية للولايات المتحدة في هذا الممر المائي الدولي.
ويرجح المحلل التيغراوي أن تحفز التصريحات الأخيرة حكومة آبي أحمد على ضبط النفس حيال خططها العسكرية ضد أسمرة، ومن ثم فإن الخارجية الأميركية ترى ضرورة منح الأولوية لخفض حدة النزاع بين الدولتين في إستراتيجيتها الهادفة إلى ضمان عدم اتساع نطاق الصراع. إلا أن "ذلك أتى على حساب علاقاتها التاريخية مع شعوب هذه المنطقة بما في ذلك علاقتها التاريخية مع ’الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي‘، التي بدأت في ثمانينيات القرن الماضي".
ويلخص سلمون الأمر على أنه "انحياز أميركي، ومراهنة على النظم الحاكمة، عوض اتخاذ مواقف تستند إلى القيم الأميركية القائمة على مبادئ الديمقراطية والمساواة بين المكونات الاجتماعية والسياسية".
مواقف متسقة
في المقابل، يرى المتخصص في الشأن الإثيوبي، إسكندر تفري، أن "تصريحات وزير الخارجية الأميركية تتسق مع قيم ومواقف واشنطن في شأن الجماعات المسلحة التي تجهض فرص السلام والاستقرار في القارة الأفريقية، لا سيما أن عمليات التحالف المتمرد قد بدأت أساساً بمهاجمة المطارات المدنية، في محاولة لتوظيفها ضمن الحملات العسكرية الرامية إلى استهداف الدولة".
ويلاحظ أن التصريحات التي أدلى بها روبيو أتت بعد يوم واحد على بيان قيادة "الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي"، في شأن عد مطار ميقلي المدني هدفاً عسكرياً، بحجة إسهامه في نقل المسؤولين الحكوميين وتأمين خطوط الإمداد للعمليات العسكرية التي ينفذها الجيش الفيدرالي تحت شعار "إنفاذ القانون".
ويرى تفري أن "نفي التحالف المعارض لصحة التصريحات الأميركية لا يبدد، بحد ذاته، صدقيتها، وبخاصة أن الجبهة، كما يشير اسمها، تسعى إلى الانفصال، كونها تنظيماً قومياً لا يزال يحمل عنوان ’تحرير تيغراي‘". ويضيف أن الجبهة تبنّت في بيانها السياسي الأول عام 1974 مطلب الانفصال بوصفه أحد الأهداف الرئيسة لمواجهتها الأنظمة الإثيوبية المتعاقبة.
ويقول المحلل الإثيوبي إن "للتوصيف الذي أطلقه روبيو دلالات سياسية واضحة، وتوقع أن تتبع ذلك تدابير قانونية وسياسية قد تصل إلى تصنيف الجبهة كمجموعة إرهابية تستخدم العنف لتحقيق أهداف سياسية، أهمها الوصول إلى السلطة. ويتابع أن الكيانات الستة الأخرى المتحالفة مع الجبهة تتشابه معها في مساراتها التاريخية ("جبهة تحرير بني شنقول" و"جبهة تحرير الصومال" وغيرهما).
ويضيف أن المواقف الأميركية الأخيرة تمثل، في تقديره، انعكاساً لتراكم التجارب السابقة لواشنطن في تعاملها مع قيادة "الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي"، التي تخلت عن التزاماتها حيال اتفاق بريتوريا الذي أسهمت فيه واشنطن بدور بارز، لتسيطر بقوة السلاح على مقدرات الحكومة الإقليمية، وتضع يدها على كافة مفاصل السلطة.