ملخص
بلغ متوسط مؤشر "الفاو" لأسعار المواد الغذائية الذي يتتبع التغيرات الشهرية في سلة من السلع المتداولة دولياً 136 نقطة في سبتمبر، وهو أعلى مستوى له منذ نوفمبر 2022.
قال محمد ياسين، عامل في موقف سيارات يبلغ من العمر 63 سنة ويعمل في وسط جاكرتا، إنه قلل وجباته لأن ارتفاع الأسعار جعل المواد الغذائية الأساسية بعيدة من متناول يده، وأضاف ياسين، إلى جانب متجر صغير يراقب أمامه الدراجات النارية المتوقفة "كنت أستطيع شراء الرز والتمبيه والتوفو بمبلغ يراوح ما بين 7000 و8000 روبية (0.39 إلى 0.44 دولار). أما الآن فقد أصبح السعر 15 ألف روبية".
من المتوقع أن يتسارع التضخم الغذائي العالمي في الأشهر المقبلة ويستمر حتى فترة طويلة من عام 2027، إذ تؤدي اضطرابات الشحن المرتبطة بالحرب والجفاف الناجم عن ظاهرة "النينيو" إلى تقليص إمدادات الحبوب، مما يضع ضغطاً إضافياً على المستهلكين الأكثر عرضة للتأثر مثل ياسين، وهو أب لأربعة أطفال.
في إندونيسيا، قفزت أسعار الرز بالفعل إلى مستويات غير مسبوقة وسط توقعات بتأخر هطول الأمطار، في حين ارتفعت كلفة الخبز في مصر بنسبة الربع، ووصلت أسعار السكر في الهند إلى أعلى مستوى لها على الإطلاق، إذ أدى أضعف موسم رياح موسمية منذ أكثر من عقد إلى تراجع الإنتاج.
وقال كبير الاقتصاديين في منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (الفاو)، ماكسيمو توريرو، "كل هذا فرض ضغوطاً كبيرة على النظام... سنشهد تأثيراً أكبر مع اقتراب نهاية العام، وفي بداية العام المقبل، وربما طوال العام المقبل."
ويتضرر المستهلكون الأكثر فقراً في العالم بشدة مع الارتفاع الحاد بأسعار المواد الغذائية في البلدان ذات الدخل المنخفض والمتوسط في أنحاء الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وآسيا، إذ تشكل المواد الغذائية حصة أكبر من الإنفاق الأسري.
وتشير بيانات البنك الدولي إلى أن أسعار المواد الغذائية في ربع العام المنتهي في سبتمبر (أيلول) تجاوزت معدل التضخم العام في 22 في المئة من أصل 150 دولة شملها تحليله، بارتفاع عن 14 في المئة المسجلة في الربع السابق.
وبلغ متوسط مؤشر "الفاو" لأسعار المواد الغذائية الذي يتتبع التغيرات الشهرية في سلة من السلع المتداولة دولياً 136 نقطة في سبتمبر، وهو أعلى مستوى له منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2022.
ويزيد ارتفاع الأسعار أخطار الاضطرابات الاجتماعية، وقد يدفع حكومات الدول التي تعد من الموردين الرئيسين إلى فرض حظر على الصادرات، مما يزيد تفاقم النقص.
صدمات عدة في الإمدادات
أدت الهجمات على البنية التحتية للحبوب في البحر الأسود إلى تعطيل شحنات القمح، مما أجبر أكبر المستوردين، مصر وإندونيسيا، على البحث عن إمدادات بديلة، في حين يدفع انعدام الأمن في البحر الأحمر السفن إلى سلوك طرق أطول وأكثر كلفة حول أفريقيا.
وأدت الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران إلى ارتفاع أسعار الوقود وتعطيل صادرات الأسمدة عبر مضيق هرمز، مما زاد كلفة الزراعة في وقت يقلص فيه الطقس الجاف الناجم عن ظاهرة "النينيو" الإنتاج في الهند وجنوب شرقي آسيا.
وارتفعت أسعار القمح بأكثر من 30 في المئة في 2026، بينما زادت أسعار الرز في الدول الآسيوية الرئيسة المصدرة بما يراوح ما بين 10 و13 في المئة على رغم ضخامة المخزونات، وتراجعت أسعار الأسمدة عن الذرى التي بلغتها في وقت سابق من الحرب على إيران، لكنها لا تزال مرتفعة.
وقال رئيس مجلس الإدارة والعضو المنتدب لشركة "نستله الهند"، مانيش تيواري "ارتفاع التضخم، لا سيما تضخم أسعار الغذاء، حقيقة واقعة"، مشيراً إلى "بيئة صعبة" تعود لأسباب منها ارتفاع كلفة السلع الأولية.
وفي مصر، ارتفعت أسعار الخبز غير المدعم إلى نحو خمسة جنيهات مصرية (0.093 دولار) للرغيف الكبير من أربعة جنيهات في يوليو (تموز)، في حين صعد سعر زيت الطهي بنحو 40 في المئة بالإمارات.
وزادت أسعار الزيوت النباتية في إندونيسيا سبعة في المئة هذا العام، على رغم أن البلاد أكبر منتج لزيت النخيل في العالم، وقفزت أسعار السكر والبصل والبقول في الهند بأكثر من 10 في المئة في سبتمبر الماضي مقارنة بالشهر السابق بسبب نقص الإنتاج.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وقال الخباز سيد عبدالحميد محمد في وسط القاهرة، إن الأمر لا يقتصر على سعر الدقيق، وأضاف "إذا أحضرت عاملاً ماهراً فإنه يكلفك كثيراً. ارتفعت أسعار الكهرباء والمياه والخميرة والمواد التي نستخدمها لإنتاج رغيف الخبز للمستهلكين جميعها".
وقال طارق عزب، وهو من زبائن المخبز، إن الأسعار ترتفع باستمرار "ليس مرة أو مرتين أو ثلاث مرات"، خلال الأعوام القليلة الماضية.
وزادت أسعار الشحن بنحو 50 في المئة في بعض الطرق العالمية الرئيسة، مثل الطريق من البحر الأسود إلى جنوب شرقي آسيا، مع ارتفاع أسعار النفط وعلاوات أخطار الحرب.
عامل محفز للتضخم
على رغم ارتفاع أسعار الغذاء منذ أواخر 2025، فإن تراجع الإمدادات المحلية وارتفاع كلفة السلع الأولية التي تنتقل إلى المستهلكين يهددان بتسريع التضخم.
ويتعين على كبار المستوردين في الشرق الأوسط وأفريقيا، الذين أحجموا عن الشراء بعد محاصيل محلية قوية، العودة الآن للأسواق العالمية، مما قد يؤدي إلى زيادة في الطلب.
وقال كبير الاقتصاديين في المجلس الدولي للحبوب في لندن ألكسندر كارافايتسيف "خلال شهرين، قد تحدث موجة جديدة كبيرة من الطلب مع عودة المستوردين للسوق".
وقال توريرو إن الغطاء الذي وفرته المخزونات العالمية غير المسبوقة من الحبوب بدأ يتلاشى، وأضاف "وفرت المخزونات والمحاصيل الجيدة في المواسم السابقة حاجزاً، لكن هذه الحواجز بدأت تتعرض لضغوط. وهذا يعني أن زيادات أسعار السلع الأولية قد تصبح أكثر حدة".
ويجدد مصنعو الأغذية الذين يشترون المواد الخام عادة بموجب عقود تمتد بين ثلاثة وستة أشهر تلك الصفقات الآن بأسعار أعلى، بينما تضخم العملات المحلية الأضعف الكلفة.
وقال عضو مجلس إدارة شركة "بي تي إندوفود"، أكبر شركة أغذية في البلاد، فرانسيسكوس ويليرانج، "زادت كلفة الشحن أيضاً، وعند تحويلها إلى الروبية يتضخم الأثر بسبب ضعف العملة الإندونيسية".
وأفاد متعاملو بأن مصنعي الأغذية يواجهون، إلى جانب ارتفاع الأسعار، صعوبات في تأمين الإمدادات.
وقال مسؤول تنفيذي كبير في شركة لطحن الدقيق في جاكرتا، طلب عدم الكشف عن اسمه لعدم كونه مخولاً بالتحدث إلى وسائل الإعلام، إن كثيراً من مطاحن القمح في إندونيسيا تشغل وحداتها دون طاقتها الإنتاجية، إذ قلصت الحرب بين روسيا وأوكرانيا وصول الشحنات.
وأظهرت بيانات "كبلر" أن واردات إندونيسيا من القمح انخفضت 41 في المئة إلى 491 ألف طن في سبتمبر مقارنة بالعام السابق.
وفي الوقت الراهن، تبدو مخزونات فول الصويا والذرة وفيرة، إذ تعتمد الإمدادات المستقبلية على الإنتاج في الولايات المتحدة وأميركا الجنوبية، غير أن ارتفاع أسعار النفط دعم المحصولين بسبب تزايد استخدامهما في الوقود الحيوي.
وقال كارافايتسيف من المجلس الدولي للحبوب، من المتوقع أن تكون محاصيل القمح في نصف الكرة الجنوبي مواتية، وأي أخطار سلبية على الإنتاج لدى المصدرين مثل أستراليا والأرجنتين قد تضيف عاملاً جديداً يدعم الأسعار، وأضاف "هناك أخطار كبيرة لارتفاع الأسعار".