Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

انتعاش حركة الصيد في السودان يعيد الحياة إلى أسواقها التاريخية

يرى مراقبون في الشؤون الاجتماعية والاقتصادية أن عودة هذا القطاع تعكس تكيف المجتمعات مع آثار الحرب

قال الصياد موسى أبو "بعد أعوام من التوقف عدت لمهنتي التي ورثتها عن والدي الذي علمني كيف أقرأ حركة المياه واتجاه التيار" (اندبندنت عربية - حسن حامد)

ملخص

قال الباحث في الشؤون الاجتماعية والاقتصادية مأمون الطيب إن "عودة النشاط إلى قطاع الصيد والأسواق الشعبية المرتبطة به تحمل دلالات تتجاوز الجانب الاقتصادي، إذ تعكس قدرة المجتمعات السودانية على التكيف مع آثار الحرب، ومحاولة استعادة تفاصيل الحياة اليومية على رغم حجم الدمار".

من بين ركام الحرب استعادت سوق "الموردة" العريقة في مدينة أم درمان نشاطها وحيويتها المعهودة بعد توقف قسري منذ منتصف أبريل (نيسان) 2023، مما أجبر الصيادين والتجار على النزوح وممارسة مهن بعيدة من إرث آبائهم وأجدادهم. ومع العودة تدرجاً في ظل تعافي مهنة الصيد التي تعد شريان الحياة لسوق "الموردة" بعدما كان المكان غارقاً في صمت وآثار الحرب، تشهد ضفاف النيلين الأزرق والأبيض ونهر النيل وروافده، إضافة إلى البحيرات والخزانات والسدود حراكاً اقتصادياً واسعاً، إذ بدأ الصيادون في جلب كميات من السمك تغذي السوق وتمتلئ بها الطاولات الخشبية بأنواع مختلفة مثل "البلطي" و"العجل" و"القرقور" و"الفرايد"، فضلاً عن تعالي نداءات الباعة عبر مكبرات الصوت لتختلط بأصوات الزبائن، وكأن السوق تستعيد صورتها القديمة بعد أعوام من الركود.

 

ويرى مراقبون في الشؤون الاجتماعية والاقتصادية أن عودة قطاع الصيد والأسواق الشعبية تعكس تكيف المجتمعات مع آثار الحرب، ومحاولة استعادة تفاصيل الحياة اليومية في ظل الدمار والأزمة الاقتصادية.

ذاكرة مفتوحة

قال الصياد موسى أبو، الذي يسكن مدينة أم درمان، "بعد أعوام من التوقف عدت إلى مهنتي التي ورثتها عن والدي الذي علمني كيف أقرأ حركة المياه واتجاه التيار، وأين تختفي الأسماك في أعماق النهر، إذ لم يكن النيل مصدر رزق فقط، وإنما كان جزءاً من البيت وامتداداً للعائلة، وذاكرة مفتوحة على الطفولة"، وأضاف "الحرب التي اندلعت في العاصمة الخرطوم بدلت ملامح الحياة وتفاصيل قطاع السمك، بينما سكنت القوارب وتوقف النشاط وأغلقت الأسواق، مما أجبر الصيادين والتجار على النزوح صوب الولايات الآمنة، وممارسة أنشطة لا علاقة لها بتجارة السمك"، وتابع أبو "دفعتني ظروف الحياة إلى التنقل بين أعمال متفرقة مثل حمل البضائع، وأحياناً في البناء والتنظيف لتأمين قوت أسرتي، لكن أعتقد أن الحياة بعيداً من النهر تشعرني بالغربة وعدم الاستقرار، إذ ظلت تطاردني هذه الأمور طوال فترة النزوح"، وأردف "مع عودة النشاط لسوق الموردة عدت لمنطقتي لاسترجاع عملي، لكن وجدت الشباك تمزقت، وخشب القوارب أصبح متآكلاً، وبعزيمة سرعان ما استعدت كل ما دمرته الحرب، بمعاونة صيادين عادوا بدورهم للمهنة، إلى أن نجحت في استعادة أربعة قوارب لتبدأ مرحلة جديدة في مسيرتي مع صيد السمك، وأتنقل الآن في مواقع الصيد التي أعرفها جيداً، أرمي الشباك لتمتلئ بأنواع مختلفة من الأسماك، مما جعلني أسهم في عودة نشاط سوق الموردة التاريخية، وإطعام السكان بوقت فيه إقبال واسع بعملية الشراء وحركة الزبائن، خصوصاً في ظل انخفاض أسعار السمك مقارنة بارتفاع أسعار اللحوم الحمراء والدواجن وبقية السلع"، ولفت الصياد إلى أن "المواطنين أصبحوا لا يسألون عن أنواع السمك وحجمه على رغم الوفرة كما كانوا يفعلون في السابق، وبات من المهم أن يجدوا ما يطعمون به أطفالهم في ظل الضائقة المعيشية".

 

إرث ومورد

من ناحيته، قال صلاح عبدالمولى، أحد تجار السمك، "ممارسة مهنة بيع الأسماك لا أعدها مصدر رزق وحسب، بل مهنة نتناقلها منذ عقود طويلة عبر الأجيال، إذ لا يتوقف الأمر لدي، لكنه يشمل جميع المتعاملين في القطاع، لا سيما أن ارتباطي بهذا النوع من التجارة منذ 26 عاماً، وأمتلك قوارب تجوب النيل، ومع استئناف النشاط في نهر النيل من جهة أم درمان، أصبحت هناك شبكة من الصيادين والتجار ينقلون الإنتاج إلى سوق الموردة"، وأشار عبدالمولى إلى أن "السوق لا تعتمد على الإنتاج القريب، وإنما هناك كميات تأتي من مناطق صيد حول أم درمان، بينما تصل كميات أخرى من ولايتي النيل الأزرق والنيل الأبيض ونهر النيل وروافده، إضافة إلى البحيرات والخزانات والسدود ومياه البحر، إذ إن الأسعار ترتبط بحجم المعروض، في حين أن زيادة إنتاج الصيادين تؤدي إلى انخفاض الأسعار، وترتفع عندما تقل الكميات التي تصل إلى السوق"، وبيّن أن "عودة القطاع لا تعني أن الحرب لم تؤثر في الموارد السمكية، فالصيادون تعرضت قواربهم إلى الدمار، وأُلحق ضرر كبير بمعدات الصيد، بما فيها الشباك، وأُضعفت قدرة الصيادين في الوصول إلى مناطق الصيد، فضلاً عن توقف حركة ونقل الأسماك وتداولها"، ومضى التاجر قائلاً "الآن يستعيد الصيادون والتجار نشاطهم بعد توقف دام أعواماً، إذ يبقى التحدي في القدرة على استعادة قطاع الصيد إلى نشاطه المألوف قبل الحرب، والاستفادة من الموارد الاقتصادية المرتبطة بالسمك، إلى جانب تطوير وسائل الوصول ونقل الإنتاج إلى الأسواق بعد توقف الحرب في العاصمة، فضلاً عن استغلال الولايات الآمنة الغنية بالأسماك".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

عودة وتكاتف

في السياق، أشار سيف الدين هلال، رئيس اتحاد تجار الأسماك بسوق "الموردة"، إلى أن "استقرار الأوضاع الأمنية أدى دوراً في عودة التجار لممارسة نشاطهم مجدداً"، وتابع هلال "الحرب أجبرت بعض الصيادين إلى نقل عملهم نحو المناطق الآمنة، إلا أن استعادة السيطرة على الخرطوم، مكّنت الجميع من العودة لمقارهم لاستئناف عمليات البيع والشراء وتوريد الأسماك في سوق الموردة"، ولفت رئيس اتحاد تجار الأسماك إلى أن "سوق الموردة نُقلت إلى محلية كرري شمال أم درمان، وحالياً تشهد نشاطاً تدرجياً بعد عودتها إلى موقعها القديم بفضل تكاتف جهود الصيادين والتجار الذين يصرون على الحفاظ على إرثهم ومصدر رزقهم".

صمود ونهوض

في المنحى ذاته، قال الباحث في الشؤون الاجتماعية والاقتصادية مأمون الطيب إن "عودة النشاط لقطاع الصيد والأسواق الشعبية المرتبطة به تحمل دلالات تتجاوز الجانب الاقتصادي، إذ تعكس قدرة المجتمعات السودانية على التكيف مع آثار الحرب، ومحاولة استعادة تفاصيل الحياة اليومية على رغم حجم الدمار"، وأضاف الطيب أن "مهنة الصيد لها جذور تاريخية في دعم الاقتصاد المحلي وتوفير الغذاء للسكان، لا سيما أنه، خلال الحروب، غالباً ما تعود المجتمعات للأنشطة التي تعد أقل كلفة، والأكثر ارتباطاً بالموارد المحلية، لذلك شهدنا عودة كثير من السكان للمهن التقليدية باعتبارها وسيلة بقاء"، وزاد "عودة الحركة إلى الأسواق مثل سوق الموردة للأسماك تعكس تحسناً في البيئة الأمنية حتى وإن ظلت الأزمة الاقتصادية الحالية تشكل تحدياً كبيراً"، ورأى أن "تحرك القوارب في النيل، وما يجود به يعني أن المواطنين يستعيدون الثقة بإمكان العودة للحياة الطبيعية، لكن في الوقت نفسه يظل تعافي هذا القطاع مرهوناً باستقرار الأوضاع الأمنية والخدمات الأساسية، وبخاصة الكهرباء التي تعد حاجة ماسة في حفظ الأسماك، فضلاً عن الوقود ووسائل النقل، علاوة على دعم صغار الصيادين والتجار العاملين في مجال الأسماك، وبخاصة الذين فقدوا قواربهم أو معداتهم بصورة نهائية، فيما يضطر آخرون إلى استنزاف مدخراتهم من أجل البقاء"، وأشار الباحث في الشؤون الاجتماعية والاقتصادية إلى أن "المواطنين لديهم القدرة على الصمود والنهوض من بين ركام الحرب، لكن إعادة بناء الحياة الاقتصادية في الوضع الراهن تحتاج إلى استقرار حقيقي وسياسات تدعم الفئات التي تعتمد على الأعمال الصغيرة والمهن التقليدية".

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير