احتفالات رأس السنة... ومن الخرطوم بهجة

السودان احتفل بالولائم العامرة وسط الموسيقى والغناء بعد غياب عيون الأمن والرقيب

مناخ الحرية في السودان بات أول ما يلحظه زائر البلاد (أ.ف.ب)

بعيدا أن أخبار السودان النمطية من صراعات مسلحة، أو صراعات على السلطة لابد أن تكون مفهومة، أحاول هنا أن أحدثكم عن حياة الناس العادية بعد ثورة صنعوها ليستطيعوا أن يعيشوا بحرية، متوجين فقط بكرامتهم الإنسانية، يتحدثون نعم عن طوابير الخبز ورفع الدعم، ومصاعب الحركة في الخرطوم، وارتفاع سعر الدولار، ولكنهم محتفون بالحرية ، وصابرون من أجلها على كل معاناة يومية.

 كنت محظوظة بالتأكيد أني قضيت رأس السنة الميلادية هذا العام بالخرطوم مع أصدقاء تاريخيين تعودوا هم على هذا الطقس السنوي، يتشاركون في تكلفة وصناعة الوليمة العامرة، ويحضرون الفنان ويصدحون بالغناء والقفشات التي لا تخلو من تنابذٍ مَرح.

كنت حاضرة لهذا الطقس الجميل قبل عشر سنوات تقريبا، وقررت أن أحضره هذا العام أيضا لأني وقت الاحتفال الأول ملأني ببهجة، وونس إنساني جميل، ظل عالقا في روحي، ولم يبارحني أبدا، لا أدري لماذا؟ هل لأني بين أناس أحبوني وأحببتهم على مدى ما يزيد على عشرين عاما، أم لأن رُوح المكان دافئة وودودة بأناس جبلوا على التلاقي والوصال حتى تحت مظلة الخلافات السياسية أو التقاطعات في المصالح أو المواقف.

هذا العام أي زائر للخرطوم يستطيع أن يلاحظ بسهولة احتفاء الناس بقيمة الحرية، ربما للمرة الأولى يعيش الناس ليلة 2020 بلا ملاحقات لجان النظام العام، وبلا توقع لحوداث اعتادوها سنويا منذ أن تبوأ البشير السلطة. كنت في الحفل بالخرطوم بحري، بينما يتنامى إلى سمعي نغمات كورال فرقة عقد الجلاد الموسيقية، لم يكن شباب الفرقة مجبرا هذه المرة أن يتوقفوا عند الثانية عشرة تماما، ولكن الحفل امتد وخرج الشباب في الثانية بعد منتصف الليل يسيرون في الشوارع ببهجة وفرح لأنهم فقط غير ملاحقين.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

هذه البهجة لها عناوين أخرى، مثلا مقهى أوزون الشهير في وسط خرطوم 2، الذي تأسس قبل 15 عاما تقريبا، ويبدو أن لاسمه دلالة فقد خرج في وقت شعر فيه الناس أن الضيق قد وصل الحلقوم، بعد أن حوصرت الحياة الاجتماعية بقانون النظام العام، حيث يقع المقهى في ميدان تتوسطه شجرة ضخمة، ولكنها جميلة تتناثر تحتها المناضد، وتصدح فيها موسيقى خفيفة غالبا بمذاق أفريقي، ولكن هذه النغمات تسود فقط بعد أذان المغرب.

المقهى أنقذني حرفيا بعدما فشلت في اللحاق بغداء رفيع التمثيل السياسي التأم على نيل الخرطوم بمناسبة وجودي، فقد أمضيت ساعتين بالتاكسي في مسافة أظنها لا تزيد على عشرة كيلو مترات. وبعد هذه التجربة المريرة أصبح  المقهى هو المكان الذي ألجأ إليه لمقابلة الجميع من مواقع وحساسيات سياسية وثقافية متقاطعة فمن كانوا يحكمون بالأمس فيهم بعض العقلاء الذين أحرص على استمرار علاقتي بهم، خصوصا أنهم لم يتلوثوا بفساد مالي أو سياسي، وخرجوا على نظام البشير في السنوات العشر الأخيرة، ومنهم من يحكمون اليوم ويتوقون إلى بناء السودان هذه المرة مستجيبا لتنوعه الغني، ومؤسسا على شروط دولة المواطنة المتساوية.

ولا يمكن ذكر مقهى أوزون دون تذكر لجان الأمن العام التي كانت تستهدفه "بالكشات"، أي بالقبض على الناس لأن فتاة هنا أو هناك تلبس بنطالا، أو أن جمعا من شباب وفتيات يجلسون معا، وبطبيعة الحال من يثبت أنه مع فتاة من غير عائلته، ربما يقتل كما جرى في منتصف عام 2018، ولكن في شارع النيل بالقرب من القصر الجمهوري.

في هذا المقهى كما في أماكن محدودة بالخرطوم ترى وجها أكثر حداثة للمدينة، وبالتأكيد أكثر ثراء ففي هذه الأماكن كالمطاعم اللبنانية، والتركية والمصرية المتناثرة على النيل، تلمح أنواعا مختلفة من الجمال الفائق، والأناقة الرفيعة والمتوجه بأحدث صيحات الموضة الباريسية، سترى النساء الحلبيات كما يقول عليهم السودانيون، وهن الخمريات من أصول تركية أو مصرية، أو سودانية ولكن من شرق السودان من قبائل الراشايدة. وسترى الجمال الأفريقي الممهور بعيون واسعة، ورموش كحيلة، وأجسام رشيقة طويلة، هي في ظني صاحبة الحضور الفائز.

هذا الجمال السوداني ، هو عنوان الحنين لحياة كانت الإرادة الفردية للشخص هي التي تصنع نمط حياته، وتلون صباحاته بالشكل الذي يشتهي. وقد كانت مبادرة الفنان السوداني هاني عابدين عنوانا لهذا النوع من الحنين، حيث أعاد توزيع أغنية "موطني" بمناسبة أعياد استقلال السودان هذا العام في مطلع يناير (كانون الثاني)، وهي الأغنية التي ألفها للمفارقة الشاعر المصري إبراهيم رجب في سبعينيات القرن الماضي، في وقت تقارب فيه الوجدان المصري والسوداني كما لم يتقاربا أبدا. وقد صدح بالأغنية الكورال السوداني ونسجت مشاهدها المصورة، من حياة العاصمة السودانية الخرطوم نهاية الستينيات وبداية السبعينيات، حيث كانت حريات الناس الشخصية في الزي والحركة محل احترام من السلطات التي لم تكن تتدخل في ثنايا حياة الناس، كما جرى خلال الثلاثين عاما الماضية تحت عناوين مشروعات حضارية ورسالية، لم يتمخض عنها الفساد بكافة أنواعه وأشكاله.

وللبهجة حضور في الخرطوم على مستويات أخرى للفئات الاجتماعية المتوسطة وما دونها، الذين يصنعون بهجتهم الخاصة بالذهاب إلى حفلات السينما التي حرموا منها بسبب الإنقاذيين، فتلمح على كوبري توتي مثلا إعلانا يقول "سينما قاعة الصداقة تعود إليكم من جديد"، وهي السينما التي تعرض فيلما مصريا هذه الأيام.

ولا يمكن المرور على توتي مرور الكرام، فهي الجزيرة التي يجتمع على شواطئها النيلية آلاف الناس يوميا، خصوصا في ساعات العصاري، أما جزرها فيمكن أن تحتلها أسرة منفردة نهارا كاملا شرط أن يكون لديها مستلزمات التخييم.

وفي توتي كان لي حظ الحضور مناسبة الاحتفاء بأحد الأستاذة المرموقين بأحد الجامعات الأميركية، حيث قضيت نهارا جميلا حضر فيه أصدقاء الأستاذ من كافة الحساسيات السياسية، احتفاءً به وبحريتهم فهم يسيرون إلى توتي هذه المرة دون أن تلاحق كل أسرة من حيها لجان الأمن التي كانت تتلصص على حركة الناس.

ولا يمكن ذكر البهجة في الخرطوم دون ذكر الونسات السودانية الشهيرة، فيمكن أن تكون مدعوا على فنجان شاي بلهجة عادية، فتطرق الباب لينفتح على مائدة عامرة، بالفواكه والمشروبات والمخبوزات، وإضافة لهذا كله وجوه باسمة لم تتوقعها، وبطبيعة الحال لا بد أن ينفتح  الجدل والنقاش حول ملف السودان ومصر وإلى أين تسير العلاقات في هذه المرحلة الحرجة، لكن ما يبهج  قلب شعبي وادي النيل حقا ما سمعته من أحد الحضور، لديه مزرعة في الولاية الشمالية، أن تكلفة الإنتاج الزراعي سوف تقل 50% مع الربط الكهربي بين مصر والسودان، الذي تبدأ مرحلته الأولى هذا الأسبوع بمقدار 50 ميجاواط، من المفترض أن تزيد لتصل إلى ثلاثة أضعاف في المخطط الأول لمشروع الربط. وحسبما ذكر لي صاحب المزرعة أن حجم التوفير سوف يزيد بالتأكيد مع الاتجاه لرفع الدعم الحكومي كليا عن المحروقات.

ولأن الحرية أصبحت قيمة متاحة يطرح الآن الدكتور المهندس عثمان عدة مشروعات لتطوير كل من الخرطوم وأم درمان على نمط حديقة الأزهر بالقاهرة أو مناطق مول دبي وبرج خليفة في الإمارات، وسوق واقف في الدوحة حيث حضرت ونسة استمتعت بها بعزف من الفلوت من الفنان الموسيقى كمال توفيق، وبعرض لهذه المشروعات التي تحتاج فقط إلى ضخ استثماري يستطيعه رجال أعمال الخرطوم، وربما تحالفات استثمارية يشارك فيها رجال أعمال من مصر والخليج.

البهجة بالحرية ربما يفسرها أنها قد احتلت أولوية في شعار الثورة السودانية الرئيس الذي يبدأ بالحرية، ويتوسطه السلام وينتهي بالعدالة، دون ذكر للخبز أو العيش الذي هو شعار ثورة يناير الأول.

أصارحكم أن شعار حرية سلم وعدالة، شعار لفت نظري كثيرا، فكيف لا يكون الخبز المطلب الأول، وهو ما يحتاجه الناس وخرجوا من أجله قبل عام في كل مدن السودان. الإجابة وجدتها في الخرطوم، قالوا لي إن إشارة السوداني إلى الحاجة تهين الكرامة، وهي غير مقبولة في الأعراف السودانية النبيلة، وظنوا أن كلمة عدالة تكفي، وهي متضمنة الهدف، وحين سمعت ذلك هاتفت نفسي يا الله أي ترفع هذا.

المزيد من تحلیل