Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

أفريقيا... 2019 عام التغييرات الإيجابية

إسقاط الرئيس السوداني... واستقالة نظيره الجزائري... والقاهرة توطد علاقاتها بالقارة السمراء

الرئيس السوداني السابق عمر البشير خلال إحدى جلسات محاكمته في الخرطوم  (رويترز)

شهدت أفريقيا في 2019 تطورات ساخنة، واتسمت بشكل عام بالتغيير الذي كان في مجمله إيجابيا، وإن لم يخل من أحداث سلبية هنا أو هناك، وربما تكون أهم علامات 2019 الرئيسة هي إسقاط رئيسيين من سدة الحكم؛ عمر البشير في السودان في مطلع شهر أبريل (نيسان)، واستقالة عبد العزيز بوتفليقة في الجزائر نتيجة الحراك الشعبي في نهاية ذات الشهر.

أما على الصعيد المصري فقد شهدت القاهرة توطيدا لعلاقاتها بقارتها خصوصا في مجال الحرب على الإرهاب، والتنسيق الأمني والعسكري، كما تمتعت بشعبية كبيرة في القارة عام 2019 بسبب استضافتها لكأس الأمم الأفريقية، في وقت تشهد دولة جنوب أفريقيا تطورا سلبيا حيث تفارق نسبيا حالة الاستقرار السياسي، وتقف دول القرن الأفريقي محلك سر مكبلة بأزماتها المرتبطة بالانقسام الإثني والديني أحيانا كإثيوبيا، أو صراعات النخب السياسية التي تملك عمقا قبليا كحالة جنوب السودان، بينما الصراع الليبي يحتل قمة المشهد الأفريقي المتوتر باعتباره قد ينفتح على صراعات إقليمية كبرى بدخول تركيا عسكريا، وهو ما يهدد الأمن الإقليمي والدولي كليا، ويؤشر ربما إلى انتقال ليبيا إلى حالة السيناريو السوري الذي تتقاطع فيه مصالح إقليمية ودولية، وهو ما يدفع أثمانه السوريون على الأراضي السورية وفي المنافي.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

رأس الحربة في المشهد الأفريقي لعام 2019 جرى بالسودان، ذلك أن المدن السودانية لم تنتصر فقط بإزاحة البشير، الذي ثبت فساده المالي بحكم محكمة مُذِل، حوّله إلى إصلاحية اجتماعية، صدر في ديسمبر (كانون الأول)، ولكن الخرطوم تتصدر المشهد بطبيعة التجربة التي تقدمها السودان، كنموذج للتغيير، ذلك أنه في 1 يناير (كانون الثاني) من 2019 تم تكوين تحالف الحرية والتغيير من 80 مكونا حزبيا، وحركة مسلحة، ومنظمة مدنية، وحركة اجتماعية، وهو التحالف الذي نجح في إسقاط البشير في 11 أبريل (نيسان)، وبلوّر وثيقة دستورية حاكمة وقّعت عليها الأطراف السياسية في أغسطس (آب) من العام نفسه، كما نجح في الاتفاق على بلورة هياكل للحكم خلال فترة انتقالية تمتد لـ39 شهرا، يترأسها مجلس سيادي بمكون مدني عسكري مدني مشترك، في استجابة ذكية لتحدي وجود حركات مسلحة على التخوم الحدودية السودانية، كما تدير هذه التجربة المميزة في الحراك الثوري العربي حكومة انتقالية تكوّنت في سبتمبر (أيلول)، نجحت نسبيا أن تكون بمنأى عن التقاطعات السياسية للأحزاب، وانخرطت فعليا في التعامل مع تحدي بلورة صيغ للسلام مع الحركات المسلحة في كل من دارفور وجبال النوبة وجنوب كردفان. مازالت هذه العملية الصعبة  قيد التفاعل في جوبا عاصمة جنوب السودان، وربما تشهد تقدما مع ربيع العام المقبل.

 

 

الإخفاق البارز في المشهد السوداني خلال 2019 هو الفشل في إسقاط اسم السودان من على لائحة الدول الراعية للإرهاب، وإن كانت قد نجحت في رفع مستوى التمثيل الدبلوماسي بين واشنطن والخرطوم إلى مستوى السفراء، وهو التمثيل الذي ظل منخفضا اعتبارا من عام 1996.

التعاون الأفريقي شهد تقدما منطلقا من المنصة المصرية خلال عام 2019، حيث أنه العام الذي ترأست فيه مصر المنظمة الإقليمية الأفريقية الأم "الاتحاد الأفريقي" ومثلت الاتحاد والقارة في كل القمم الأفريقية المشتركة مع أطراف دولية المنعقدة خلال العام، مثل القمم الصينية والفرنسية والألمانية والروسية الأفريقية.

وفي هذا السياق طوّرت مصر من صيغ التفاعل مع القارة التي تملك ملامح الاستمرار من سنوات سابقة، ويبدو أنها أضحت معطى رئيسا في السياسات المصرية منذ عام 2013، ويمكن الإشارة هنا إلى منتدى السلام الذي عقد بأسوان في ديسمبر (كانون الأول) من عام 2019، وهو المرشح للاستمرار سنويا، ومنوط به التعامل مع قضايا إقرار السلام داخل القارة، وفض المنازعات. على أن أكثر الأحداث شعبية هي كأس الأمم الأفريقية الذي استضافته القاهرة في شهر يونيو (حزيران) 2019، وفازت به الجزائر ويحوز على متابعة واهتمام أبناء القارة، ويسهم بطبيعة الحال في تبوء مصر اهتماما أفريقيا شبابيا.

كما شهدت القاهرة في ديسمبر أيضا اجتماعات اللجنة الأمنية الأفريقية التابعة للاتحاد الأفريقي، وهي اللجنة المنوط بها توطيد الأمن العام بالقارة في نشاط قد يتوازى مع مجهودات محاربة الإرهاب التي تنخرط فيها القاهرة على المستويين القاري والثنائي تحت مظلة مركز مكافحة الإرهاب في القاهرة الذي بدأ العمل فعليا خلال 2019.

ولعل التفاعل المصري الأفريقي المأزوم هو ما يرتبط بسد النهضة، حيث أعلنت القاهرة مطلع أكتوبر (تشرين الأول) 2019 عن وصول المباحثات مع إثيوبيا في هذا الشأن إلى طريق مأزوم، بعد 21 جولة من المباحثات امتدت من نوفمبر 2011 إلى 2019.

وعلى الرغم من التدخل الأميركي وبرمجة مباحثات بحضور الطرف الأميركي والبنك الدولي ولكن  عام 2019 سوف ينتهي دون إعلان رسمي عن تقدم ملموس في هذا المسار.

وعلى صعيد الأزمات الاقتصادية فإن حالة دولة جنوب أفريقيا تكون الأبرز حيث تحولت من اقتصاد واعد إلى اقتصاد يعاني قصورا في النمو، ويواجه مصاعب للعام السادس على التوالي، وإن كان عام 2019 هو الأسوأ على الإطلاق طبقا لتقارير البنك الدولي، الذي أجمل أسباب ذلك في ثلاث نقاط هي، ركود الاستثمارات والصادرات الخاصة وانخفاض الإنتاجية الذي يعود إلى القيود التنظيمية، وتصلب سوق العمل، والبنية التحتية غير الفعالة، وتزايد الديون المالية والحكومية، وكذلك ارتفاع تكاليفها.

 

 

أما في شرق أفريقيا فإنه ربما الحدث العالمي الأبرز عام 2019، هو حصول آبي أحمد رئيس الوزراء الإثيوبي على جائزة نوبل للسلام، نتيجة لدوره في عقد مصالحات داخلية، أسهمت في الإفراج عن معتقلين سياسيين، وفتح الفضاء العام أمام فرص تطور ديموقراطي. أما على المستوى الإقليمي فإن انخراط آبي أحمد في مصالحات إقليمية خصوصا مع إرتيريا، ثم كل من الصومال وجيبوتي، وكذلك قيامه بتقريب وجهات النظر بين أطراف المعادلة السودانية بعد أحداث فض اعتصام القيادة لعامة بالخرطوم ما أسفر عن وقوع ضحايا، واغتصاب نساء، وتوقف المفاوضات بين المجلس العسكري السوداني وتحالف الحرية والتغيير بما يمثله ذلك من مخاطر داخلية في السودان مؤثرة إقليميا ودوليا.

وعلى الرغم من هذه النجومية فإنها لا تنفي وقوع رئيس الوزراء الإثيوبي  تحت مظلة تحديات سياسية داخلية هائلة، قد تزيحه عن صدارة المشهد السياسي الإثيوبي في انتخابات 2020 على خلفية التباين القومي والعرقي في إثيوبيا، الذي لا يزال يواجه محاولات الاندماج الوطني بالعنف ويتهم آبي أحمد بمحاولة العودة إلى الدولة المركزية المتسلطة على القوميات الإثيوبية بعد إعلانه في أكتوبر (تشرين الأول) 2019 عن حزب الازدهار الإثيوبي، وبروز الناشط السياسي الإثيوبي جوهر محمد منافسا شرسا لآبي أحمد.

خلافات النخب السياسية الأفريقية حالة ممتدة في جنوب السودان أيضا، وهي التي شهدت تطورا أساسيا في ديسمبر 2019، حيث تم الإعلان عن تشكيل حكومة انتقالية، طبقا لاتفاق السلام المنشط الذي تم توقيعه في الخرطوم خريف 2018 بين سلفاكير رئيس دولة جنوب السودان، ورياك مشار نائبه الأول، وذلك بعد حرب اندلعت بين الرجلين في 2013، واتخذت أبعادا صراعية بين قبيلتي الدينكا والنوير، وهو ما تسبب في نزوح مئات الآلاف من السكان المحليين من أماكن إقامتهم الأصلية. ولعبت العقوبات الأميركية على كل من وزير الدفاع الجنوب السوداني كوال جوك ورئيس شؤون مجلس الوزراء مارتن إيليا من الجانب الأميركي أثرا فعالا في تحريك الإرادة السياسية لنخب جنوب السودان، لتنفيذ اتفاقية السلام وهي التي أقدمت على تأجيل هذا التنفيذ طوال عام 2019.

 

 

أما في غرب أفريقيا فإن التحدي الإرهابي من جماعة بوكو حرام في نيجيريا جعلها تغلق حدودها مع جميع الدول المجاورة لها، على اعتبار أن الحدود أحد أهم مصادر التهديد الأمني لأبوجا، حيث تنتقل بوكو حرام بحرية بين نيجيريا وتشاد والكاميرون والنيجر مهددة كل هذه الدول، إلى درجة إعلان الأمم المتحدة بعض مناطق نيجيريا كمناطق مجاعة خلال 2019.

على الصعيد المغاربي فإن التطور الأبرز فيها هو نداءات الملك محمد السادس المتكررة للجزائر للمصالحة بين البلدين خلال 2019، ومحاولة حل المشكلة العالقة بين البلدين الممثلة في البوليساريو، ولكن لم يلق الملك المغربي استجابة من الجزائر الذي سجل نمط التغيير فيها استمرار لأهم ملامح العقود الماضية، وهو سيطرة المؤسسة العسكرية على مقاليد التفاعلات الإقليمية، وربما بسبب استمرار النخبة العسكرية في السيطرة على مقاليد صناعة القرار الجزائري، فربما لا تجد النداءات المغربية صدى من الجزائر، التي سوف تنشغل بالتأكيد بأمورها الداخلية.

ويمكن القول إن التطورات في ليبيا المنطلقة من توقيع تفاهمات تركية مع فايز السراج في طرابلس  خلال ديسمبر 2019 بترسيم الحدود البحرية بين الجانبين على حساب مصالح كل من مصر واليونان وقبرص الأوروبية جعلت المشهد الليبي يحوز الاهتمام الإقليمي والدولي مع نهاية العام، خصوصا مع انخراط الجيش الوطني الليبي في السعي للسيطرة على طرابلس، ودعم أطراف إقليمية له في هذا المسعى، الذي يتوج حاليا بتراشق روسي تركي على خلفية استعداد تركيا لدعم السراج عسكريا، حيث يبدو أن إسطنبول في تحركها إزاء ليبيا مدعومة أميركيا، في محاولة لتوطين وكيل لها في ليبيا يملأ فراغا قد تركته واشنطن بتحولها الاستراتيجي من منطقة الشرق الأوسط، إلى منطقة الشرق الأدنى الذي تواجه فيه التنين الصيني في مسعى لتحجيم قدراته والتقدم ليكون قطبا دوليا مؤثرا.

إجمالي المشهد الأفريقي خلال 2019 يبدو مكللا بأزمات عدة هي سمة من سمات عالمنا المعاصر في القرن الواحد والعشرين، الذي يشهد صراعات الأقطاب العالميين، ويعكس إراداتهم على القارة الأفريقية كما على كل العالم.

المزيد من دوليات