ملخص
لا تتوقف أخطار تهريب النفط عند حرمان الخزانة العامة من الإيرادات المستحقة، إذ قد تمتد إلى الإضرار بسلامة المنشآت النفطية، وخلق منافذ غير رسمية لتداول الخام والمشتقات، وتشويه المنافسة في الأسواق المحلية.
عاد ملف تهريب النفط في العراق إلى واجهة الاهتمام الحكومي والأمني، مع تجدد التحذيرات من تداعيات هذه الظاهرة على الإيرادات العامة وسمعة البلاد في الأسواق الدولية، في وقت تتجه فيه الحكومة إلى تشديد الإجراءات الرقابية والأمنية لملاحقة المتورطين، وسط تساؤلات في شأن فاعلية القوانين النافذة وقدرتها على تفكيك شبكات التهريب وتجفيف مصادرها.
وأكد نائب رئيس الوزراء لشؤون الطاقة، محسن المندلاوي، أن الحكومة تتجه إلى تشديد الإجراءات الرقابية والأمنية لملاحقة مهربي النفط في جميع أنحاء العراق، مشدداً على أن حماية الثروة النفطية تمثل مسؤولية وطنية تتطلب تكاتف الجهود وتطبيق القانون بحزم، ومحاسبة كل من يثبت تورطه في الإضرار بالاقتصاد الوطني.
ودعا المندلاوي الجهات المعنية إلى تكثيف عمليات المتابعة والتدقيق في مسارات نقل النفط وتخزينه وتسويقه، بعد تحديدها بصورة دقيقة، بما يسهم في الحد من عمليات التهريب وتجفيف مصادرها، مؤكداً أهمية التنسيق بين اللجان النيابية والجهات الأمنية والرقابية والوزارات المعنية لمنع استغلال الموارد الوطنية في تحقيق مكاسب غير مشروعة.
خرق الأنابيب... مؤشر إلى خطورة الشبكات
وتكشف العمليات الأمنية الأخيرة عن جانب من التحديات التي تواجه حماية البنية التحتية النفطية، إذ أعلن جهاز الأمن الوطني العراقي، في بيان سابق، تفكيك شبكة متخصصة بسرقة وتهريب النفط الخام عبر أحد الأنابيب الإستراتيجية في محافظة المثنى، وإلقاء القبض على أربعة متهمين.
وأوضح الجهاز أن العملية جاءت بناءً على معلومات استخباراتية وردت من مديريتي أمن البصرة والمثنى، قبل تنفيذ عمليات متابعة وتدقيق قادت إلى تحديد موقع التهريب والمتورطين فيه. وأسفرت المداهمة، التي نفذت بعد استكمال الأدلة واستحصال الموافقات القضائية، عن ضبط العجلات المستخدمة في نقل النفط، والكشف عن مزرعة استخدمت وكراً للتهريب بالقرب من مسار أحد الأنابيب النفطية الإستراتيجية، فضلاً عن رصد خرقين في الأنبوب.
وتشير هذه الواقعة إلى أن تهريب النفط لا يقتصر بالضرورة على نقل المشتقات النفطية بوسائل غير قانونية، بل قد يتخذ أشكالاً أكثر تعقيداً، تشمل الاعتداء المباشر على خطوط الأنابيب واستحداث منافذ غير مشروعة لسحب الخام، وهو ما يستدعي تعزيز منظومات المراقبة الميدانية والاستخباراتية والفنية، إلى جانب تتبع حركة الأموال والأشخاص المرتبطين بهذه الأنشطة.
قانون نافذ... وتحدي التطبيق
وعلى المستوى التشريعي، يمتلك العراق إطاراً قانونياً لمكافحة هذه الظاهرة، يتمثل في قانون مكافحة تهريب النفط ومشتقاته رقم (41) لسنة 2008، الذي يحظر نقل النفط ومشتقاته بوسائل النقل البرية والبحرية والنهرية من دون التصاريح الرسمية المطلوبة، كذلك يتناول صوراً عدة من التهريب، بينها تحويل المنتجات المجهزة إلى قنوات غير مشروعة، والتلاعب بالكميات المستوردة والمصدرة، وعمليات الاستيراد والتصدير الوهمية.
وينص القانون على فرض عقوبات بالحبس أو السجن والغرامة التي تعادل خمسة أضعاف قيمة المادة المهربة، فضلاً عن مصادرة وسائل النقل المشمولة بأحكامه عند توافر الشروط القانونية، كذلك يتضمن أحكاماً خاصة بتخريب المنشآت النفطية من خلال التثقيب أو غيره من الأفعال المرتبطة بالتهريب، إذ يحيل مرتكبي هذه الأفعال إلى العقوبات المقررة بموجب قانون مكافحة الإرهاب.
ويعكس هذا الإطار التشريعي توجه الدولة إلى التعامل مع تهريب النفط بوصفه جريمة اقتصادية وأمنية تتجاوز مجرد مخالفة ضوابط النقل والتداول، غير أن وجود النصوص القانونية لا يكفي وحده للقضاء على الظاهرة، ما لم يقترن بتطبيق فعلي ومستمر، وتنسيق مؤسسي يمنع استغلال الثغرات الإدارية والرقابية، ويضمن ملاحقة جميع المتورطين، بمن فيهم الممولون والوسطاء والمستفيدون من عائدات التهريب.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وفي قراءة لتداعيات الملف، قال المتخصص في الشؤون الاقتصادية والطاقة، حيدر الوائلي، إن مواجهة تهريب النفط في العراق تتطلب الانتقال من المعالجة الأمنية للعمليات المكتشفة إلى بناء منظومة رقابية متكاملة تستهدف مصادر التهريب ومساراته والجهات المستفيدة منه.
وأضاف الوائلي أن خطورة هذه الظاهرة لا تكمن في الكميات التي يجري ضبطها فحسب، بل في احتمال وجود حلقات مترابطة تستفيد من الثغرات في عمليات النقل والتخزين والتسويق، الأمر الذي يجعل المعالجة الفاعلة مرهونة بتكامل المعلومات الأمنية والبيانات النفطية والرقابة المالية.
وأوضح أن حماية الثروة النفطية تستدعي إخضاع حركة الخام والمشتقات النفطية لمتابعة دقيقة، تبدأ من مواقع الإنتاج والتحميل، مروراً بوسائل النقل ومستودعات التخزين، وصولاً إلى منافذ التسويق والتصدير، مع مطابقة الكميات المنقولة والمستلمة والمباعة، والتحقق من أي فروقات غير مبررة.
وأشار إلى أن اعتماد الاقتصاد العراقي بدرجة كبيرة على الإيرادات النفطية يجعل الحد من عمليات التهريب ضرورة اقتصادية ومالية، وليس مجرد إجراء أمني، لأن أي استنزاف للموارد العامة ينعكس على قدرة الدولة على تمويل الإنفاق العام والمشروعات الخدمية والتنموية.
ولفت الوائلي إلى أن تطوير وسائل الرقابة التقنية، واستخدام أنظمة التتبع الإلكتروني، وتعزيز التدقيق في الوثائق والكميات، من شأنها تقليص فرص التلاعب، شريطة أن تقترن هذه الإجراءات بالمساءلة القانونية والشفافية في إعلان نتائج التحقيقات والأحكام القضائية، بما يعزز ثقة المواطنين بقدرة المؤسسات على حماية المال العام.
وأكد أن نجاح الإجراءات الحكومية يتطلب أيضاً تحديد المسؤوليات بوضوح بين الجهات الأمنية والرقابية والوزارات المعنية، وعدم الاكتفاء بملاحقة المنفذين المباشرين، بل الوصول إلى الشبكات التي تمول عمليات التهريب وتوفر لها الغطاء اللوجستي والتجاري، مع ضمان خضوع جميع المتورطين للقانون.
تداعيات تتجاوز الخسائر المالية
ولا تتوقف أخطار تهريب النفط عند حرمان الخزانة العامة من الإيرادات المستحقة، إذ قد تمتد إلى الإضرار بسلامة المنشآت النفطية، وخلق منافذ غير رسمية لتداول الخام والمشتقات، وتشويه المنافسة في الأسواق المحلية، فضلاً عن تعزيز أنشطة اقتصادية غير مشروعة يصعب ضبطها كلما اتسعت شبكاتها.
كذلك تبرز أبعاد دولية محتملة للملف، خصوصاً عندما ترتبط بعض عمليات التهريب بجهات أو شبكات خاضعة للعقوبات أو بوسائل مالية غير قانونية. وفي مثل هذه الحالات قد تتزايد متطلبات التدقيق والامتثال على المعاملات والتعاقدات المرتبطة بالأطراف المعنية، بما يفرض على المؤسسات العراقية تعزيز الشفافية والقدرة على التحقق من مصادر النفط ومساراته والجهات المستفيدة من عائداته.
وكان المتخصص في شؤون الطاقة عباس الشطري قد حذّر، في تصريحات سابقة، من أن استمرار تهريب النفط قد يؤثر في سمعة العراق الدولية ويثير تساؤلات في شأن قدرته على ضبط منظومة التصدير الرسمية، مشيراً إلى أن الأخطار المحتملة تشمل الجوانب الاقتصادية والمالية والسياسية والدبلوماسية.
اختبار حكومي بين الردع والرقابة
وفي ظل التوجه الحكومي المعلن لتشديد الإجراءات، تبدو المواجهة أمام اختبار يتجاوز الإعلان عن الملاحقات الأمنية إلى قياس النتائج الفعلية على الأرض، من خلال تقليص حوادث سرقة النفط، ومنع تكرار خروق الأنابيب، وتحسين مراقبة عمليات النقل والتخزين والتسويق، ومحاسبة المتورطين وفق القانون.
ويرتبط نجاح هذه الجهود بقدرة المؤسسات المعنية على الانتقال من الاستجابة للحوادث بعد وقوعها إلى اعتماد منظومة وقائية مستمرة، تجمع بين المعلومات الاستخبارية والتقنيات الحديثة والتدقيق المالي والرقابة الإدارية، مع نشر بيانات واضحة عن الضبطيات والإجراءات القضائية متى سمحت متطلبات التحقيق بذلك.
وفي بلد يعتمد اقتصاده بصورة أساس على النفط، لا تمثل مكافحة التهريب مجرد حماية لمورد مالي، بل اختباراً لفاعلية مؤسسات الدولة في صون الثروة الوطنية وضمان وصول عائداتها إلى الخزانة العامة. وبين تشديد الإجراءات الأمنية وتفعيل القانون وسد الثغرات الرقابية، تبقى النتائج العملية المعيار الأهم للحكم على قدرة الحكومة على الحد من هذه الظاهرة.