Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"أوديب شعبا" تسقط التراجيديا الإغريقية على الواقع السوري

دولة تواجه قسوة الأقدار وشعب يكابد ويلات الطاعون والفقر والحصار

مأساة أوديب في مسرحية سورية (خدمة العرض)

ملخص

استعاد الفنان السوري عمر نور الدين في تجربته الجديدة "أوديب شعباً" مسرحية "أوديب ملكاً" لسوفوكليس (497-406 ق. م)، مطوعاً أحداثها وشخصياتها لصالح معالجة فنية مختلفة.

استلهم المخرج السوري نص الكاتب الإغريقي وفق صيغة عرض حركي، دمج فيه بين النحت والرقص والضوء، مقسماً القصة إلى خمس مراحل، قام بأدائها خمسة ممثلين تبعاً لكل مرحلة من حياة بطل العرض. ووصولاً إلى مواجهة ينتقل فيها الصراع من صيغة حاكم يواجه قسوة الأقدار المحتومة عليه، إلى صيغة شعب يكابد ويلات الطاعون والفقر والحصار والجوع، ويصبح جزءاً من لعنة جماعية حلت على سكان البلاد.   

يروي العرض (دار الأوبرا السورية) بتكثيف حركي عال لشخوص وأحداث من النص الأصلي (دراماتورجيا عمر نور الدين) حكاية لايوس ملك طيبة وزوجته جوكاستا (روز ماري الخطيب) إذ يتلقيا تنبؤاً من معبد دلفي، من طريق عراف أعمى يدعى تريزياس (دانا أبو حسون)، بأنهما إذا رزقا بطفل وعاش، فسيقتل هذا الطفل أباه ويتزوج أمه، وهذا ما يدفع الملك والملكة لإبعاد طفلهما الوليد.

وكما بات معروفاً في حكاية تعتبر من روائع المسرح اليوناني، فإن الملك لايوس يسلم طفله الصغير لأحد رعاته، فيأخذه الراعي ويشفق عليه، ويعلقه من كعب رجله إلى شجرة في جبل يدعى كيثرون. وتقول رواية أخرى إن أمه هي من ثقبت كعبه وربطت به قطعة من جلد، علق بها إلى شجرة، وهذا ما جعله يحمل اسم أوديب ويعني "المتورم القدمين".

يستمر العرض الراقص في تصوير المرحلة الثانية من حياة أوديب، إذ يعثر أحد رعاة الملك بوليبس ملك كورنث على الطفل (سامر ذو الفقار). وكان قد عرف قصته من الراعي الطيبي، فيأخذه ويقدمه للملك وزوجته ميروب، لكونهما لم يرزقا بطفل. ويجد الراعي الطيبي في تصرفه هذا خلاصاً من تأنيب الضمير، وتنفيذاً لما طلبه سيده منه، وتلبية لرغبة صديقه، وهكذا يعيش الطفل في قصر الملك بوليبس كولد له.

حكاية أوديب

تتابع مسرحية "أوديب شعباً" راوية بالجسد كيف يكبر الطفل ويترعرع في مملكة بعيدة من مملكة أبيه، وكيف يكتشف من طريق المصادفة، بأنه ليس ابناً لأبيه ولا لأمه ميروب، وعليه أن يبحث عن أصله. يشرع أوديب (أليسار بدوي) بعد ذلك بالبحث فعلاً، لكن من في القصر لا يجيبه إلا بما يثير شكوكه ويؤججها.

اتكأت الصيغة السورية من المأساة الإغريقية على تكوينات نحتية (أمل بوارشي) احتلت عمق الخشبة في الصالة المتعددة الاستعمالات في دار الأوبرا، وجسدت مناخاً ملحمياً تجلت عبرها أسطورة سيزيف وهو يحمل صخرته إلى قمة جبل، ثم يدحرجها ويعود لحملها من جديد. معالجة اقتفت أبعاداً جمالية لرواية القصة جسدياً، مع تكوينات إضاءة (حيدر الحامض، يونس قطان) ساندت الأداء الجماعي، وأسبغت مناخات لونية (إخراج لوني ساما مسعود) متنوعة تبعاً لتقلبات الحالة الدرامية.

اعتمد العرض صيغة المسرح الجسدي مواكباً رحلة أوديب إلى معبد دلفي، وكيف يذهب إلى كهنة أبولو ليسألهم عن أصله وعن أبويه. وعندما لا يجيبون عن سؤاله، يقرر أن يترك المدينة التي عاش فيها. هكذا جسد "أوديب شعباً" (إنتاج وزارة الثقافة) مرحلته الثالثة بأسلوب وظف من خلاله الرقص كوسيط تعبيري (كوريوغرافيا غفران حمادة)، فصور بحركية لافتة كيف يغادر أوديب مملكة كورنث هائماً على وجهه، وكيف يسلك طريقاً مؤدية إلى مملكة طيبة. وعند مفترق طرق تصادفه عربة تقل خمسة أشخاص، لم يحد عن طريقها ولم يفسحوا له مجالاً ليمر، فينشب بينه وبين من فيها عراك بالهراوات، ويقتل أوديب (أحمد ونوس) أربعة من الخمسة الموجودين في العربة ويفر الخامس هارباً. ولسوء الطالع تكون تلك العربة هي عربة الملك لايوس والده الذي كان في طريقه إلى معبد دلفي، ليستفتي الكهنة في أمر يهم طيبة، وهكذا قتل لايوس بيد أوديب من دون أن يعرف.

أما في المرحلة الرابعة، فيتابع أوديب (ديمة دبور) طريقه إلى طيبة، وعند مدخلها الواقع على ساحل البحر يصادف الاسفنكس، وهو غولة تقطع الطريق على المارة، وتلقي عليهم لغزاً. فإذا حله الشخص انتحر الاسفنكس، وإذا لم يحله قتلته تلك الأنثى المتوحشة، ولم يكن لينجو شخص من ذلك المصير، الأمر الذي حاصر طيبة وقطع اتصالها بالعالم، وتسبب لها بالوباء.

هنا يطرح الاسفنكس لغزه على أوديب فيجيبه: "إن الإنسان في طفولته يحبو على أربع، وفي صباه وشبابه وكهولته يمشي على اثنتين، وفي شيخوخته يتوكأ على عصا. وكانت الإجابة صحيحة، فيقفز الاسفنكس إلى البحر منتحراً، ويفوز أوديب وينجو وتنجو معه طيبة من الحصار الرهيب الذي فرض عليها".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

اعتمد مخرج "أوديب شعباً" على الانتقال بين هذه المراحل برشاقة سبعة مؤدين، جسد من خلالهم أزمة حاكم تفرض عليه الأقدار مساراً غير متوقعاً، عاكساً مسار الصراع في نص سوفوكليس من صراع عودي مع الغيب، إلى صراع أفقي يتقمص فيه شعب طيبة دور قاتل الأب ومدنس الشرف. فالمدينة التي قتل ملكها من دون أن تعرف من قتله، تعلن أن من يخلصها من الاسفنكس هو من يكون ملكها، والملك في العرف السائد يتزوج الملكة ويرث العرش، هكذا ينصب الشعب أوديب المنتصر ملكاً عليهم ويزوجونه من مليكتهم الأرملة!

صحيح أن أوديب حكم العقل والمنطق، وأشاع العدل بين الناس، وحقق للبلاد رخاء، إلا أنه حقق رغبة شعبه الهائم به، من دون أن يعرف ما ينتظره من شقاء ولوعة، فأنجب من جوكاستا ولدين هما أيتيوكليس وبولينيس وابنتين هما أنتيغونا وإسميني، وبقي على تلك الحال 16 عاماً. المدة التي يختزلها مخرج "أوديب شعباً" وفق تقشف في العناصر المادية (سينوغرافيا هادي شيرازي، محمد الزهيري)، معولاً على موسيقى ومؤثرات صوتية (تيم حرب) لعبت ما يشبه دور الراوي والمعلق على الأحداث.   

يختتم العرض السوري بوصف أهوال ما حدث لمدينة طيبة في عهد أوديب وتفشي الطاعون بين سكانها. وعندما يتم استفتاء الكهنة في أسباب ذلك، يخبر تريزياس أوديب، بأن السبب هو عدم انتقام طيبة من قاتل لايوس، ووجود القاتل طليقاً بلا عقاب. عندها يقرر أوديب البحث عن قاتل لايوس لمعاقبته، وبنتيجة التقصي، يكتشف من جملة قرائن، أنه هو قاتل لايوس، وأنه الرجل الذي يدنس طيبة ويسبب البلاء فيها. وعندئذ تنتحر جوكاستا بأن تشنق نفسها، ويفقأ هو عينيه بمشبك شعرها، ثم يخرج من طيبة طريداً هائماً على وجهه، إلى أن ينتهي نهاية غامضة مجهولة.

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة