Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ماذا جنى رئيس وزراء السودان من زيارة واشنطن؟

الولايات المتحدة تتباطأ بدعم التحول الديموقراطي بالبلاد... واللجوء إلى الصين خيار محتمل

رئيس وزراء السودان عبد الله حمدوك (رويترز)

على عكس التقديرات المتداولة، يبدو أن قرار حل حزب (المؤتمر الوطني) الذي كان حاكماً وقت البشير لم يكن يملك دوافع داخليَّة فقط، بقدر ما كانت أسبابه خارجيَّة بالأساس، إذ استبق رئيس الوزراء السوداني عبد الله حمدوك زيارته الولايات المتحدة بقرار حل الحزب الذي كان مسؤولاً عن وضع السودان على قائمة الدول الراعيَّة الإرهاب، في محاولة منه أن ينجح في مهمته بواشنطن التي استغرقت أسبوعاً كاملاً.

رفع التمثيل الدبلوماسي
لكن، لم ينجح رئيس الوزراء السوداني في لقاء الرئيس الأميركي دونالد ترمب، لكنه على الأقل استطاع عبر لقاءاته برمز الإدارة الأميركيَّة أن يحصل على قرار أميركي برفع مستوى التمثيل الدبلوماسي بين الخرطوم وواشنطن إلى مستوى السفراء بعد أن كان خُفِّض منذ العام 1996 على خلفيَّة الحوادث الإرهابيَّة ضد السفارات الأميركيَّة في كلٍّ من تنزانيا وكينيا.

وفي ضوء نتائج هذه الزيارة يمكن استشراف مستقبل العلاقات (السودانيَّة – الأميركيَّة) من عدة زوايا مؤثرة إجمالاً على الحكومة الانتقاليَّة ومدى قدرتها على تجاوز التحديات التي تواجهها، خصوصاً على الصعيدين الاقتصادي والأمني.

كان التصوّر السائد لدى النخب السودانيَّة أن رفع اسم السودان من قائمة الدول الراعيَّة الإرهاب تحصيل حاصل، بحسبان أن المقاربة الأميركيَّة المطروحة عالمياً هي دعم تجارب التحوّل الديموقراطي، لكن يبدو أن هذه المقاربة تتعرض لامتحان المصداقيَّة، وهي على المحك حالياً بسبب الموقف الأميركي من السودان، إذ يستحدث الأميركيون دوماً شروطاً جديدة بهذا الصدد.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

هل ترفع واشنطن السودان من قائمة الإرهاب؟
وطبقاً لتصريحات صادرة عن عناصر في الإدارة الأميركيَّة في أثناء زيارة حمدوك فإن هذه الخطوة "تستدعي التأكد من التزام الحكومة بالخرطوم برعايَّة حقوق الإنسان وإتاحة حريَّة التعبير وإيصال المساعدات الإنسانيَّة"، موضحة أنه في ضوء ذلك "يبدأ النظر في رفع السودان عن لائحة الإرهاب" بعد موافقة الكونغرس.

لكن، هذه التصريحات تتجاهل أن القرار يتطلب صدوره من الرئيس الأميركي بعد إخطار الكونغرس بأن السودان استوفى الشروط، ويستطيع الكونغرس منعه بقرار مشترك من مجلسي النواب والشيوخ.

ويبدو أن المنظور الأميركي واقعياً يحمِّل السودان نتائج ممارسات نظام (الإنقاذ) ليس فقط على المستوى السياسي، لكن أيضاً على المستوى المالي، ذلك أنه طبقاً لتصريحات حمدوك في نهايّة زيارته واشنطن، فإن المطالب الأميركيَّة تتمحور حول تسديد 11 مليار دولار إلى أسر ضحايا حادثتي تنزانيا نهايّة التسعينيات.

والمفارقة، أنه في أعقاب مغادرة حمدوك مباشرة الولايات المتحدة، ألغت المحكمة الأميركيَّة العليا بموافقة ثمانيَّة قضاة ومعارضة واحد فقط حكماً يأمر السودان بدفع تعويضات إلى عائلات 17 بحاراً أميركياً قُتِلوا في تفجير المدمرة الأميركيَّة (يو إس إس كول) في تفجير نفَّذه تنظيم القاعدة في العام 2000.

واستندت المحكمة في قرارها إلى أسباب إجرائيَّة، فبموجب القانون المتعلق بمحاكمة دول أجنبيَّة، قالت المحكمة إنه كان يجب تسليم الحكومة السودانيَّة الشكوى في الخرطوم، لا عبر سفارتها في واشنطن، وذلك في ضوء حكم سابق لمحكمة أميركيَّة قضت بأن السودان "مسؤول عن الهجوم"، لأن منفذيّ الهجوم تدربا في السودان، كما أنه في العام 2012 أمر قاضٍ في واشنطن السودان بدفع مبلغ يزيد على 300 مليون دولار إلى عائلات الضحايا.

الشاهد، أن هذا الحكم من المحكمة العليا يمكن أن يُسهم في الدفع نحو بلورة الإجراءات لسن تشريع بقانون من الكونغرس الأميركي بشأن رفع اسم السودان من قائمة الدول الراعيَّة الإرهاب، وذلك حتى يمكن هيكلته في منظومة عمل الدولة الأميركيَّة وتنفيذه.

على أن العقبة الكَأْدَاء في صدور هذا القانون هي وجود اتجاه داخل الكونغرس والإدارة الأميركيَّة برفض المُضي قدماً في هذا الإجراء، ما دام أن هناك مكوناً عسكرياً في هياكل السلطة السودانيَّة حالياً، وهو سلاح ذو حدين ذلك أنه يُسهم في تحجيم قدرة العسكريين على الولوج إلى السلطة في أعقاب الفترة الانتقاليَّة.

إلا أنه وبالتوازي مع ذلك يُسهم في إضعاف الحكومة الانتقاليَّة نفسها، وذلك بما تواجهه حالياً من تحديات داخليَّة، ويضعها أمام مخاطر الانقلاب عليها، سواء أكان ذلك انقلاب قصر، أي من المكون العسكري الحاكم، أو بسبب الغضب الشعبي المُترتب على عدم القدرة على الوفاء بالاحتياجات المعيشيَّة اليوميَّة للناس.

وهو أمر لا بدّ أن يستغله الإسلاميون، بما يعني ربما عودة السودان إلى المربع الأول بما يحمله ذلك من تهديد للإقليم، وربما للأمن الدولي، بحسبان وجود خلايا نائمة سواء للحركة القوميَّة الإسلاميَّة، أو التيارات السلفيَّة الجهاديَّة.

تداعيات اقتصاديَّة وتحديات الحكومة الانتقاليَّة
يعرقل وجود السودان على قائمة الدول الراعيَّة الإرهاب من قدرة الخرطوم على استقطاب الاستثمارات الخارجيَّة التي هي مطلوبة لتطوير القطاعات الإنتاجيَّة كالزراعة والصناعة، والبنى التحتيَّة، والنقل والمواصلات وغيرها، كما أنه يمنعها من القدرة على الاقتراض بما يُسهم في تلبيَّة الاحتياجات العاجلة من وقود وقمح كمواد استراتيجيَّة لها أثر سياسي مباشر على الحكومة الانتقاليَّة.

وعلى الرغم من وجود تصريحات من مسؤولين أميركيين بعدم عرقلة المجهودات السودانيَّة للحصول على قروض، لكن لا تبدو هذه التصريحات فعَّالة لا في المؤسسات الدوليَّة التي تُقيِّم الاقتصادات على أسس ومعطيات محددة، ولا حتى لدى الدول الغربيَّة التي تدعم السودان.

إذ عاد حمدوك مؤخراً من زيارة أوروبا بغرض الدعم الاقتصادي بأقل من مليار دولار، وهو مبلغٌ لا يشكّل عُشر الاحتياجات السودانيَّة العاجلة. وذلك في وقت تتزايد فيه الضغوط الاقتصاديَّة أمام الحكومة الانتقاليَّة، ذلك أن مستويات تردي أحوال المعيشة اليوميَّة للسودانيين هي غير مسبوقة.

يعاني 46٪ من السكّان الفقر، و13٪ (5,7 مليون نسمة) عاجزون عن الحصول على احتياجاتهم الغذائيَّة، كما زادت معدلات البطالة بشكلٍ كبيرٍ، ويقدّر صندوق النقد والبنك الدوليان ارتفاع البطالة في البلاد من 12% العام 2011 إلى 20% السنوات الأخيرة، بينما سجَّلت 27% العام 2018.

وتبدو أيادي الحكومة الانتقاليَّة مغلولة لمواجهة هذا التحدي الكبير، وذلك في ضوء عجزها عن الاستدانة من البنك الدولي لسد احتياجاتها العاجلة التي قدَّرها رئيس الوزراء عبد الله حمدوك بـ10 مليارات دولار، وذلك في وقت ينتظر فيه الجانب الخليجي أن تكون مساعداته في أطر دوليَّة متفق عليها في مؤتمر للدول المانحة، وذلك بعد أن أُهدرت المليارات من المساعدات الخليجيَّة في الإطار الثنائي من جانب نظام البشير.

وتبلغ الديون السودانيَّة (54) مليار دولار، منها (85%) متأخرات، وتضم قائمة دائني السودان مؤسسات متعددة الأطراف بنسبة (15%)، ونادي باريس (37%)، بجانب (36%) لأطراف أخرى، و(14%) للقطاع الخاص.

وطبقاً لبيانات البنك الدولي، في تقريره المشترك مع وزارة الماليَّة السودانيَّة، فإن المتأخرات المستحقة للمؤسسة الدوليَّة للتنميَّة بلغت (700) مليون دولار، بينما بلغت المستحقات لصندوق النقد الدولي ملياري دولار.

أصدقاء السودان والمنح الاقتصادية
وطبقاً للتقرير التقييمي للاستراتيجيَّة المرحليَّة لخفض الفقر، فإن نسب الديون الخارجيَّة بلغت (166%) من إجمالي الناتج المحلي مقارنة بالحد البالغ 36%، وأكد التقرير التدهور في جميع المؤشرات بعد التراجع الكبير في إجمالي الناتج المحلي والإيرادات الحكوميَّة.

وفي هذا السياق المعقّد تبدو الآليَّة المطروحة إقليمياً وعالمياً هي آليَّة "المنح الاقتصاديَّة"، عبر مؤتمر أصدقاء السودان الذي تكوّن في برلين يونيو (حزيران) 2019، وعقد اجتماعه الأول بواشنطن، وافتتح اجتماعه الثاني بالخرطوم في 10 ديسمبر (كانون الأول) الحالي بحضور 24 دولة، وبوجود دول الخليج، والولايات المتحدة، وكل من السويد والنرويج.

ويطرح السودان 10 مشروعات كبرى أمام المانحين لتمويلها، وذلك في وقت تشهد الخرطوم تراجعاً كبيراً لسعر الجنيه السوداني أمام الدولار، وتصاعد معدلات التضخم في الشهر الماضي لتصل إلى 60٪ طبقاً للتقرير الشهري للجهاز المركزي السوداني للإحصاء.

هل يلجأ السودان إلى الصين؟
الشاهد، أن التباطؤ الأميركي في دعم عمليَّة التحوّل الديموقراطي في السودان، والتقاعس عن رفع اسمه من قائمة الدول الراعيَّة الإرهاب يجعل الحكومة الانتقاليَّة أمام تحدٍّ قد يدفعها في تقديرنا إلى اللجوء للصين.

وتملك بكين استثمارات تبلغ 4 مليارات دولار في السودان بالمنشآت النفطيَّة، وهي تستهدف زيادتها في إطار مشروعها الضخم (الحزام والطريق).

ويمتلك السودان سواحل ضخمة على البحر الأحمر، من هنا ربما تخسر واشنطن في توقيت حرج، تتصاعد فيه قدرات أقطاب عالميَّة، ويشهد النظام الدولي متغيرات أساسيَّة.

المزيد من تحلیل