الشاعر والمترجم قيصر عفيف يبحث عن السحر بين الاسبانية والعربية

"قصائد من المكسيك" مختارات تغطي اجيالا... وأضواء على اوكتافيو باث

الشاعر والمترجم قيصر عفيف (دار نلسن)

 نادراً ما يحظى القراء العرب بترجمات شعرية تنقل من اللغة الإسبانية الى العربية مباشرة، فمعظم هذه الترجمات إنما تتم عن لغات وسيطة كالفرنسية أوالانكيزية. إلا ان ثمة مترجمين عرباً يجيدون اللغة الإسبانية، ولا سيما اللغات التي توصف ب"الهيسبانية" وهي لغات دول أميركا اللاتينية مثل المكسيك والأرجنتين والتشيلي والبيرو وسواها. في هذا السياق يمثل الشاعر اللبناني المقيم في المكسيك قيصر عفيف أحد المترجمين المهمين من اللغة الإسبانية ولا سيما الأميركية اللاتينية، وهو يكتب بالعربية والإسبانية وينشر اعماله بين المكسيك وبيروت، وقد أسس حركة شعرية سماها "الحركة الشعرية" تتوزع نشاطاتها بين المكسيك والعالم العربي. وعمد عفيف الى إصدار مجلة شعرية تحمل اسم "الحركة الشعرية" بالعربية والمكسيكية،  ودأب فيها على نشر قصائد ودراسات ومقالات وترجمات. اصدر عفيف دواوين عدة وكتباً وترجمات بين مكسيكو وبيروت، ومنها: "والكلمة صارت شعراً"، "ثلاثية المنفى"، كتابة على الحيطان"،  "للشعراء فقط"، "اللغة والمدينة"، "أسئلتي"، "الفتوحات الصباحية"، "نحو منازل الحضرة"، "الغجري"، "خايمي سابينس:قصائد مختارة"( جزآن). يزور عفيف بيروت بين فترة وأخرى، يطلع على منشوراته ويلتقي اصدقاءه.

أحدث اعمال قيصر عفيف في الترجمة عن الإسبانية  مختارات بعنوان "قصائد من المكسيك" صدرت حديثا عن دار نلسن في بيروت وهي الدار التي تتولى نشر كل اعماله . تضم المختارات قصائد لشعراء مكسيكيين من أجيال مختلفة وتمنح القارئ العربي صورة بانورامية عن هذا الشعر شبه المجهول عربياً، ما عدا طبعاً الشاعر الكبير أوكتافيو باث الذي حاز جائزة نوبل  عام 1990 وترجم له الكثير من القصائد سواء عن الاسبانية او لغات وسيطة. ويخص عفيف باث بمقدمة مهمة داخل المختارات تتطرق الى مساره وتجربته الفريدة. اما الشعراء الذين ترجم لهم فهم: اوكتافيو باث، خوسيه إميليو باتشيكو، خايمي سابينس، ألبرتو بلانكو، إلسا كروس، فيرونيكا فولكو، مريم موسكونا، فابيو مرابيتو، دافيد ورتا، ادواردو أورتارو وإيلينا خوردانا. وأرفق عفيف المختارات بمقدمة مهمة وضافية مع تعليقات وملاحظات وهوامش.

يقول عفيف عن مفهوم الترجمة: "ترجمة الشِعر ضرب من العشق. لا يعرف أسرارها وخباياها إلا من يكابدها. ولا يقوم بها إلا من وقع في غرامين معاً: عشق الشِعر وعشق اللغات. لهذا اختلف الشعراء والمترجمون حول فوائدها والكثير من جوانبها. رأى بعضهم كالأرجنتيني خورخي لويس بورخس أنه إذا كانت الكتابة نفسها تشويهاً فالترجمة تشويهُ التّشويهِ. أما الشاعر الأميركي روبرت فروست فكتب يقول: "إن ما نخسره في الترجمة إنما هو الشِعر".

 ويتحدث عن مغامرته الدائمة في الترجمة الشعرية قائلاً: "لماذا قمتُ بهذه الترجمة مع معرفتي المسبقة بصعوباتها ومخاطرها ومعاناتها؟ ربما يعود السبب الأهم لأني كنتُ، وما زلتُ أرى، أن الشعر يختصر الحضارة. إذا أردنا أن نكتشف جوهر حضارة ما، علينا بقراءة الشعر الذي أنتجته وتنتجه. وعند قراري الاستقرار في المكسيك عكفت على قراءة الشعر المنشور في الصفحات الثقافية أو في مجموعات ومختارات مستقلة. يومها كانت متعة القراءة تكفيني ولم أفكر يوماً في ترجمة هذا التراث الغني لمشاركة الآخرين فيه. ولكن مع الأيام بدأت بعض الصحف العربية تحثني على ترجمة قصائد لهذا الشاعر أو ذاك.  أحياناً كنت ألتقي شعراء يروق لي ما يكتبون. أحاورهم وأنشر الحوار، ومع الحوار أنقل بعض أعمالهم إثراءً للحوار. وفي عام 1992 بدأنا نشر مجلة "الحركة الشعرية" وكنا نعتمدها وسيلة تساعدنا في نشر بعض الترجمات لأن الترجمة في نهاية الأمر جسر عبور بين ثقافة وأخرى، بين حياة وأخرى وبين إنسان وآخر.

ويضيف: "ظلتْ كل الترجمات التي قمتُ بها ونشرتها في الصحف المتفرقة متناثرة هنا وهناك وهنالك. لم أفكر يوماً في جمعها ونشرها في كتاب مستقل حتى جاء مرسلًا بمنحة إلى المكسيك، الشاعر السوري الحمصي الأصل علاء الدين عبد المولى. وكان أن نشأت بيننا صداقة متينة شدّت المحبة أواصرها. وهو الذي أصرّ على نبش هذه المختارات. بحثَ عنها، جَمَعها، رتّبَها، نسَّقها وحَضّرها تحضيراً نهائياً للطباعة والنشر وله وحده يعود
 
الفضل في ظهورها، وله كل الشكر والامتنان.  منذ بداياتي كنتُ أضع مقولة خورخي لويس بورخس أمامي. كذلك كنت أفكر دائماً بما قاله الشاعر الأميركي روبرت فروست ولكني اعتبرتها لعبة مسلية ومفيدة. فيها بعض التحدي كما في كل لعبة، وفيها بعض التسلية كما في كل قراءة، وفيها بعض الإفادة كما في كل نشاط ثقافي. أدركتُ باكراً ان القصيدة ليست كلمات تصير مبنى يحمل معنى. لكل قصيدة جوّ خاص يعطيها روحاً خاصاً بها. ولغة القصيدة تطلع من كلمات القاموس، إلا أن الشاعر يعطيها أبعاداً أخرى لم تحلم بها القواميس. وكان التحدي أمامي كيف استطيع ان انقل جوّ القصيدة، وهو السحر الحقيقي، من الإسبانية إلى العربية؟ كنتُ أريد أن أنقل ذلك مع الكلمات وكنت أخشى الفشل ومع هذا ما كنت أتردد".

 ويقول: "تعلمتُ أن القصيدة ليست مجموعة من الكلمات. وان الكلمات ليست أشياء ذات وجود مستقل خارج الذات. ادركتُ ان الكلمة في حقيقتها حدَثٌ ولهذا تكون القصيدة أيضا مجموعة احداث تتشابك وتتداخل وتتعاقب وتتفاعل في علاقات حميمة ووثيقة لتخلق الجو العام للقصيدة. وكان همّي الوصول إلى هذا الجو ونقله في لغة عربية بسيطة لا تعكر مزاج القارئ ولا تنهك قواه الذهنية بحثاً عن المتعة. ربما تتساءل يا عزيزي القارئ كيف فعلتُ ذلك. حسناً لن أفشي سرّاً إذا قلت لك إني تعلمتُ الطريق من فيزياء الكمّ المعاصرة. تقول هذه الفيزياء إن الأجزاء التي تؤلف الكون تلتقي مع بعضها عند المستوى الأساسي والعميق للوجود وتتصل مباشرة في لجّة واحدة مع كل الموجودات. فكلمات القصيدة تتصل مع كل الكلمات في كل اللغات وفي كل الأزمنة. ليس من لحظة خاصة كتبت فيها القصيدة. هذه اللحظة بالذات، الآن، لا وجود لها إلا مع اللحظة التي كتب فيها شاعر ما قصيدة مطبوعة على الورق أمامي. في هذه اللحظة تكمن كل اللحظات، إذا استعدناها نستعيد التجربة. إذا استعدنا التجربة نستعيد الجو الأول والأصلي الذي دفع القصيدة للظهور".

 يتحدث عفيف عن تقنيات الترجمة المعتمدة قائلا: "حاولت بعد قراءة القصيدة التي أنوي ترجمتها، أن أعود إلى لحظة كتابتها. في الفيزياء الكمية يسمونها قفزة كمية. أقفز إلى زمان يبدو أنه زال، زمان كتابة القصيدة ولكن لا زمان يزول حقيقة. كل زمان قائم في كل زمان. هذه القفزة ساعدتني كثيراً في الوصول إلى جوّ القصيدة الأصلي ومناخها الأول. بعد ذلك أعود إلى الاهتمام بالصور والكلمات والتراكيب. كانت الصعوبة في نقلِ اللغة الشعرية، فالشاعر في كل اللغات يبدع لغة داخل لغة. كلمات القصيدة لا تعرفها المعاجم وبالتالي كيف ننقلها دون خيانة النص وخيانة المعاني؟". ويجيب عن هذا السؤال قائلا:"لم تكن الترجمة الحرفية أبداً نهجي أو طريقتي. كانت غايتي أن أحفظ بريق القصيدة وسحرها. أن احفظ نكهة القصيدة وعبقها ليتمتع فيها القارئ في لغتها الجديدة. حاولت كل ذلك دون أن أغرق القصيدة بسلاسل اللغة التي أنقل منها. أردتُ أن أحررها لتبدو بسيطة، ولتأتي في تراكيب عربية حتى لا تبدو وكأنها تأتي بلكنة غريبة".

المزيد من ثقافة