Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"العقيلات"... تاريخ نابض وذاكرة تسعى في ربوع "نجد"

تأثير تجارتهم حاضر في حياة الناس منذ مئات السنين حتى اليوم

الشكل الخارجي للمتحف يحكي للرائي كأنه أحد القصور أو القلاع القديمة في منطقة نجد (اندبندنت عربية)

تراث تجار "العقيلات" حاضر في حياة أهل منطقة القصيم، مثل ماضيها من خلال حوادث وصراعات ومواجهة ظروف الحياة بحلوها ومرّها. ما إن يذكر "العقيلات" إلَّا وتقفز إلى الذاكرة نجد القديمة، خصوصاً منطقة القصيم، فمعظم هؤلاء من مدينة بريدة وعنيزة وغيرها. في تلك الدروب تركوا آثار تجارتهم بالإبل والخيول والأغنام، وتبادلوها مع تجار القهوة والشاي والسكر وحتى الأسلحة من العراق والشام وفلسطين والأردن ومصر. واستطاعت هذه التجارة التأثير في حياة الناس منذ مئات السنين وظل أثرها إلى الآن.

تراث محفوظ

قبل أن يجد الزائر نفسه مأخوذاً بما تبقى محفوظاً بين جنبات متحف "العقيلات"، تأخذه الذاكرة الحية لأحفاد "العقيلات" ومنهم العقيلي عبد اللطيف صالح محمد الوهيبي مؤسس متحف ومجلس عُقيل، حيث تتجسد هوية الانتماء للتراث السعودي بشكلٍ عام وذلك المرتبط بمنطقة القصيم بشكلٍ خاص.

وبين جنبات المتحف تهيئة لساعات من السياحة الذهنية التي تنقل الشخص من بهاء المشاهدة إلى فضاء تاريخ حيّ يتجسد في رجال "العقيلات" وحياتهم، إضافة إلى مقتنياتهم الثمينة المحفوظة في هذا المتحف، فلم يُترك أثر لهؤلاء الرجال إلا تم اقتفاؤه، فالشرح والتفسير لمحتوياتهم ليس وليد التكهن وإنما يستند إلى أشياء ملموسة يحكى عنها في قالب مشوق ينقل السامع إلى ذلك الزمن الذي كان يتنقل فيه "العقيلات" ومحطاتهم التجارية العديدة.

على مساحة 1500 متر مربع، كان تأسيس متحف "العقيلات" التراثي ببريدة، في حي وهطان من أقدم الأحياء بمدينة بريدة، وتم اختياره في منطقة تلتقي عندها مزارع النخيل بالرمال فتحكي لوحة من الحياة الطبيعية لبيئة هؤلاء في حلّهم وترحالهم. ومنذ افتتاحه صار المتحف معلماً سياحياً بارزاً يستقطب كثيراً من الزوار من مختلف الأعمار والجنسيات. ولم يقتصر على المهتمين بالتراث فقط وإنما عمل على جذب الوفود الأكاديمية من الجامعات، والعوائل لأغراض الاطلاع على محتوياته والترفيه، والتعرّف إلى تراثهم باعتبارهم سفراء لبلدهم يعكسون صورتها بالخارج، ومنها وإليها يعودون بالخير الوفير الذي تحققه تجارتهم.

سر الاسم

هم تجار من نجد وبالأخص من منطقة القصيم، معظمهم من أهل بريدة وأريافها وعنيزة وبقية المنطقة، ويمثلون مجموعة قبائل نجدية تعمل بتجارة الإبل والخيول والأغنام كما تتاجر في السمن والملابس والأغذية.

وتجمع هؤلاء التجار كلمة "عقيل" وهي مهنة تجارية، يتاجرون بالإبل بالدرجة الأولى، والخيل والتجارة العامة، ويصدّرون الإبل والخيل والأغنام إلى بلاد الكويت والعراق والشام والأردن وفلسطين وتركيا ومصر، ويستوردون الأسلحة والقهوة والشاي والسكر والأواني والملابس وغيرها، عملوا بهذه المهنة منذ مئات السنين.

وفي سرده الذي ضمنه في سفرٍ رائع اتخذ من "العقيلات" اسماً له، ذكر عبد اللطيف الوهيبي أن هناك أصنافاً للعقيل، منها العقيلي الأساسي، وهو الذي يمتلك الخبرة والمال ويدير تجارته بين البلاد العربية بنفسه، وهناك العقيلي الذي يعتمد في تجارته على خبرته لكنه لا يملك المال الكافي، لذلك يقوم بمشاركة أحد التجار ليزوده بالبضاعة سواء أكان هذا التاجر من بريدة أو من أي بلد عربي آخر.

وقيل إنّ سبب هذا اللقب لتميزهم بلبس "العقال" عن بقية أهالي نجد، وجاء في قول الشاعر نمر بن عدوان:

لا أنتم قبيسية لكم عندنا دين   ولا أعقيل لابسين كفافي

وقال الشاعر إبراهيم اللاحم:

لابسين العقل ضافين الشليله   مكرمين الضيف مرهبة العداتي

وقد عرفهم العثمانيون في الحرب وفي السلم بهذه العصابة، وميزوهم بها بعد أن التحقوا بالخدمة العسكرية في بغداد، وللمؤرخ حمد الجاسر رأي آخر هو أن "عقيل" هي نسبة إلى قبيلة "أعقيل" العامرية التي سكنت "نجد"، وكانت تمارس تجارة الإبل مع الأقطار المجاورة، ثم صارت المهنة مصطلحاً لكل من زاولها من أهل نجد.

رحلة الشتاء والصيف

كان "العقيلات" يتجمّعون في مناخهم الرئيس بالسوق الرئيسة في بريدة ويُدعى "الجردة"، ويعدُّ أكبر تجمع لهم في منطقة "نجد" بأكملها، يبيعون خلاله المواشي ومنتجاتها. وتبدأ الرحلة بالاتجاه شمالاً حتى الهلال الخصيب والعراق في فصل الشتاء، ويُفضّل على فصل الصيف نسبة لتحمل المواشي، ويتخيّرون السوق الجيدة للإبل والخيل والأغنام ومنتجاتها. ويتجه بعضهم شرقاً إلى بلاد الهند والسند. وغرباً إلى إقليم كردفان بالسودان، وهنا يتم اختيار فصل الصيف عن طريق مصر بمحاذاة النيل إلى أن يصلوا إلى "أم بادر" التابعة لبادية قبيلة "الكبابيش" شمال غربي السودان، ثم غرباً إلى مدينة النهود وقبائل الحمر حيث يبيعون أجود أنواع الإبل، ثم يسلكون محاذاة النيل في طريق العودة أيضاً. كما تمتد رحلاتهم جنوب غربي السعودية إلى مكة مروراً بالمدينة المنورة.

ولدى "العقيلات" مركز آخر للتجمّع هو بلدة الطرفية التي اكتسبت أهميتها التاريخية من أنها كانت تعتبر إحدى محطات الحجاج القادمين من الكويت والعراق والشام. فقد كانت سوق البلدة ملتقى تجارياً مهماً، بالنسبة لهؤلاء الحجاج الذين يتزودون بكل حاجاتهم الغذائية منه. كما تعتبر البلدة مركزاً مهماً لقوافل "العقيلات"، حيث يقوم التجار بشراء مواشيهم ويجمعونها من مراعي الطرفية إلى سوقها التي تمثل نقطة الانطلاق إلى العراق والشام ومصر. فقد مثّل هؤلاء مع التجار القادمين من أنحاء السعودية المختلفة ودول الجوار نقطة تجارية كان يشتغل فيها أهل البلدة في موسم الشتاء حيث تسهل الحركة فيه خصوصاً أنّهم كانوا يسيرون بقطعان مواشيهم شهوراً عدة، أما في بقية المواسم فقد كان نشاطهم الاقتصادي يعتمد على زراعة التمر.

أقسام المتحف

الشكل الخارجي للمتحف مبني على الطراز القديم ويحكي للرائي كأنّه أحد القصور أو القلاع القديمة في منطقة نجد. يعلوه برج مراقبة، أما المدخل فمصنوع بابه على الطراز القديم زخرفة وتلويناً، ثم باحة المتحف المنتهية في منتصفها بجلسة لمجسمين من أفراد "العقيلات" مع جملين محنطين. وعلى جنباته تمتد حوالى 25 غرفة مخصصة لمقتنيات عوائلهم، يشرف عليها مرشد سياحي يستقبل الزوار من بعد صلاة العصر إلى ما بعد صلاة العشاء.

مقتنيات "العقيلات"

يضم المتحف بين جنباته العديد من المقتنيات التراثية من صور ووثائق، فهناك أكثر من 3000 صورة لأسرهم و1500 وثيقة لهم، إضافة إلى عشرات المقتنيات الخاصة بهم. وكذلك يوجد درع الملك سعود بن عبد العزيز الذي ارتداه بمعارك توحيد المملكة مع الملك المؤسس وآخرها معركة السبلة، والشامية "الطاسة" النحاسية التي شرب منها الملك عبد العزيز، اللبن عندما استضافه العقيلي إبراهيم الطويان بعنيزة.

وهذه المقتنيات التي يحتفظ بها المتحف في كل غرفة يستخدمها "العقيلات" أثناء رحلاتهم. وتتكون مقتنيات العقيلي من جواز سفره، ومكاتباته، ودفاتر مصاريفه، وتجارته، ومطبوعاته عن البلاد العربية التي زاروها، وأسلحتهم في تنقلاتهم، ومقتنيات القهوة والشاي، والعملات الفضية بأنواعها ويرجع تاريخ بعضها لأكثر من 100 عام... وغيرها من المقتنيات.

مأكولات ارتبطت بهم

من أشهر المنتجات التي ارتبطت بـ "العقيلات" هي قرص عقيل وهي تشبه حلوى "الكليجا" التي تقول أشهر الروايات وأوسعها انتشاراً، إن اسمها أطلقه "العقيلات" وكانوا يأخذونها بالإضافة إلى حلوى "قرص عقيل" معهم في رحلاتهم. وقد كان يحرص أصحاب الرحلات الشهيرة من رجال القصيم وتجارها على حمل هذه الأقراص الحلوة في رحلاتهم البعيدة، وأول من أطلقها هو أحد أولئك التجار. كما ارتبط هؤلاء ونشاطهم التجاري بجلب التوابل والأعشاب من الشرق من بلاد الهند والسند.

وها هو التاريخ يعود من جديد مُجسّداً في متحف "العقيلات" ليحكي جزءاً من تراث المملكة العربية السعودية. ذلك التراث الذي يُشكّل لكل من سبر أغواره عودة إلى الماضي الجميل وما خلدته هذه المقتنيات التاريخية التي يحكي كلّ منها عن قصة في فصول الحياة.

موسوعة "العقيلات"

صدرت موسوعة "العقيلات" مآثر الآباء والأجداد على ظهور الإبل والجياد" عام 2017 من تأليف الباحث عبد الّلطيف بن صالح بن محمّد الوهيبي. تتكون الموسوعة بصفحاتها الـ 2406 من أربعة أجزاء. احتوى الجزء الأول على أربعة فصول، فيها تعريفات وروايات وأسواق، مكانة "العقيلات" وآثارهم، وألقابهم وأمثالهم وأخلاقهم، وأعمالهم في بناء المساجد، وتأسيس المعاهد، وجلبهم للكتب وإجادة بعضهم للغات. وحكى هذا الجزء أن أهل الكويت تنافسوا عندما توفي الشيخ إبراهيم بن جاسر من أشهر تجار "العقيلات"، وأحضروا له ألف كفن، وكلّ واحد يرجو أن يظفر كفنه بجسد الشيخ الراحل.

ومن محتوياته أيضاً صكوك تثبت عراقة أصول الخيل وسلامة عروبتها، وصور قديمة، ووثائق تاريخيّة ومخطوطات وأشعار وألقاب وقصص.

سير اعلام "العقيلات"

وتسرد الموسوعة من الجزء الثّاني وحتى الخامس سير أعلام "العقيلات" مرتبة أبجدياً على أسماء الأسر، وداخل كلّ أسرة ترجمة لأفرادها، ومع الأسرة وسم إبلها، وأمّا ترتيب الأسماء داخل الأسرة فيحتاج لنظام واضح، كأن يكون التقسيم بحسب الحروف، أو سنوات الميلاد، أو الوفاة. ويحتوي الجزء السادس على كشاف وفهرسة ضخمة في 500 صفحة، تعين على الوصول إلى المعلومة.

ويرتبط هذا التاريخ بشكل مباشر بطريق الحرير الذي يتم العزم على استعادته حالياً من أعماق التاريخ. ولم يقتصر الطريق التي تتكون من مسلكين بري وبحري، على الربط بين أقاصي وأواسط آسيا وشمال أفريقيا ووسط أوروبا، على الحرير وحده، وإنّما سهّل نقل السلع والأفكار، من الشاي الصيني إلى اختراعات مثل الورق والبارود والبوصلة، فضلاً عن المنتجات الثقافية.

من هذه المواقع المهمة كانت دروب ومواقع "العقيلات" المنطلقة من منطقة شمال نجد كمركز تجاري برز عبر التاريخ وذلك من خلال سيطرتها على طرق التجارة المارة عبر المملكة، وعلى تجارة القوافل الغنية في الجزيرة العربية نفسها.