هل يفوز آبي أحمد في الانتخابات الإثيوبية المقبلة؟

توجهات رئيس الوزراء نحو "نظام مركزي" عدها البعض بداية حكم استبدادي... وخوض "جوهر" المنافسة ضربة قوية

آمالٌ كبيرةٌ معلقة على آبي أحمد وقدرته على تدشين واقع سياسي جديد يقود نحو استقرار سياسي داخلي (رويترز)

توسّعت حالة عدم الاستقرار السياسي والأمني في إثيوبيا، وكان عنوانُها الأبرز هو مقتل 67 شخصاً في احتكاكات لها طابعٌ عرقيٌّ، والتهجير الداخلي لنحو 2 مليون من السكّان في فترات سابقة على أُسس عِرقيَّة، وكذلك ظهور معارضة قويَّة لتوجهات آبي أحمد الراميَّة إلى محاولة تأسيس "حكم مركزي" يسعى إلى تمكين فصيلٍ موالٍ له في قوميَّة الأورومو من مفاصل الدولة الإثيوبيَّة، لكن تحت عناوين "محاولة بناء الاندماج الوطني الإثيوبي"، وهو ما طرحه في كتابه الذي روَّج فيه إلى مشروعه السياسي، لكن هذا الكتاب حُرِقَ على مرأى ومسمع من العالم، الذي احتفى قبلها بساعات بحصول رئيس وزراء إثيوبيا على جائزة نوبل للسلام، بسبب تدشينه سلاماً مع إرتيريا، وإن كان هشّاً، وقيادته مصالحات سياسيَّة داخليَّة، وإن لم تثمر استقراراً سياسياً.

ولعل هذه الحالة تقود إلى تساؤلات مشروعة: لماذا يتعثر المشروع السياسي لآبي أحمد؟ ولماذا فقد داعميه حتى من بعض أبناء قوميته الأورومو؟

عوامل تآكل الشعبيَّة
لم يمضِ على تولي آبي أحمد سُدة الحكم بعد استقالة هيلا ديسالين أكثر من عام ونصف العام، إذْ تولَّي منصب رئيس الوزراء في مارس (آذار) 2018، وعُلّقت آمالٌ كبيرةٌ على الرجل وقدراته حتى يُدشّن واقعاً سياسياً جديداً يقود نحو استقرار سياسي داخلي، لكن لعبت ضد فرص الرجل تداعيات السياسات العرقيَّة لقوميَّة التيجراي التي انتهت سيطرتها على الحكم بوفاة مليس زيناوي 2012، إذْ أسست لنظام سياسي فيدرالي (الاتحاد الإثيوبي) يقوم على التمثيل العرقي للقوميات الإثيوبيَّة إلى حد إقرار حق القوميات في طلب الانفصال بموجب المادة 39 من الدستور الإثيوبي، وهو الأمر الذي شجَّع مزيداً من العرقيات الإثيوبيَّة، خصوصاً الجنوبيَّة منها للاتجاه نحو تأسيس ولايات إضافيَّة خاصة بهم، فبرزت مطالب قوميَّة السيداما نحو 5 ملايين نسمة عام 1995، وأعلنت مناطقها ولايَّة عاشرة جديدة في يوليو (تموز) 2018، ويسير على المسار ذاته حالياً 8 مجموعات عِرقيَّة إثيوبيَّة أخرى تواجه رفضاً من الائتلاف الحاكم المكوّن من أربعة أحزاب، هي بدورها تمثيل عرقي، ومكوّنة من: المنظمة الديموقراطيَّة لشعوب أورومو، وحركة الأمهرة الديموقراطيَّة الوطنيَّة، والجبهة الشعبيَّة لتحرير تيجراي، والجبهة الشعبيَّة الديموقراطيَّة الجنوبيَّة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

أمَّا العامل المستحدث راهناً، فهو سياسات آبي أحمد نفسه، الذي فُسّرت سياساته لمحاربة الفاسد على أنها مجرد غطاء لإقصاء أعمدة قوميَّة التيجراي من مفاصل الدولة، وتمكين قوميته الأورومو، خصوصاً أن إعلانه فساد شركة (مينتك) التابعة للقوات المسلحة الإثيوبيَّة، التي ينبثق منها عشرات الشركات، وفَّر له فرص الحصول على دعائم اقتصاديَّة سريعة لنظامه السياسي.

وفي هذا السياق فإن توجهات آبي أحمد الساعيّة إلى العودة إلى تأسيس نظام مركزي إثيوبي، عبر تأسيس حزب واحد جامع للقوميات حزب "الازدهار الإثيوبي" يلقى مقاومة واضحة، إذ يُنظر إليه كبوابة لتأسيس حكم استبدادي، خصوصاً مع محاولة رئيس الوزراء الإثيوبي هندسة بيئة الانتخابات المقبلة في مايو (أيار) 2020 بما يدعم حظوظه الشخصيَّة وفرص الائتلاف الحاكم في الاستمرار بالحكم، فمُررت تعديلات في قانون الانتخابات، وقانون تكوين الأحزاب في أغسطس (آب) الماضي، وهو الأمر الذي صعَّد من المعارضة ضده، وذلك مع تجاهل اقتراح من جانب 57 حزباً إثيوبياً بخصوص بعض التعديلات على مشروع القانون، خصوصاً أن تلك التعديلات فرضت مزيداً من القيود على قيام الأحزاب، من حيث زيادة عدد التوقيعات لتسجيل حزب من 150 إلى عدد يتراوح بين 1000 و4000 حسب موقع الحزب الجغرافي!

من هم المنافسون؟
يبدو الشاب جوهر محمد أكبر تحدٍ لرئيس الوزراء، بسبب تقاسمهما القاعدة الشعبيَّة ذاتها بحكم انحدارهما من عِرقيَّة واحدة هي الأورومو، وبسبب الشعبيَّة الكاسحة لجوهر محمد المؤَسسة على كفاءته في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، ومساهمته الفعّالة في تحقيق تسلُّم قوميَّة أورومو هرم السلطة في إثيوبيا، التي كانت تتعاقب عليها القوميتان الأمهرا والتقراي، وهو ما تجلّى في قدراته على الحشد السريع لأنصاره، فبتغريدة واحدة ألمح فيها إلى احتمال تعرضه لاغتيال، وذلك بسحب الحرّاس الحكوميين من أمام منزله سارع مئات الآلاف إلى الشوارع، وهي الحوادث التي أسفرت عن وقع عشرات القتلى مؤخراً.

وكان جوهر محمد قدَّم ولاءه لأبي أحمد، وطلب التوقف عن التظاهرات فور تسلُّم أبي أحمد رئاسة الجبهة الثوريَّة الديموقراطيَّة لشعوب إثيوبيا الائتلاف الحاكم عام 2018 في شهر أبريل (نيسان)، لأنه تلقائياً رئيس الجبهة يصبح رئيس الوزراء، وبعد صدور عفو شامل من جانب آبي ضمن الإصلاحات السياسيَّة عاد جوهر إلى إثيوبيا من منفاه الأميركي في أغسطس (آب) 2018، إذ قدم لآبي أحمد في حفل أُقيم لاستقباله وتكريمه في أديس أبابا جهاز اللابتوب إلى الحكومة، قائلاً "هذه دبابتي التي كنت أقودها وأخوض بها معاركي الثوريَّة، الآن لا حاجة لي إليه".

 

لكنْ ما يفرق بين أحمد وجوهر حالياً هو فكرة اندماج الأحزاب الإثنيَّة في حزب وطني واحد، وهي فكرة آبي أحمد لتنفيذ أطروحته أو فلسفته السياسيَّة، التي عنونت كتابه “الجمع"، وهي الفكرة التي تلقي معارضة شديدة من جانب جوهر، إذ اعتبرها الأخير إلغاءً لحقوق القوميات الصغيرة، وفرض هيمنة القوميات الكبيرة، ودشنت الفيدراليَّة الإثنيَّة عملياً على مستوى الأحزاب، تمهيداً لإلغائها دستورياً، والعودة إلى النظام المركزي الوحدوي.

أمَّا على مستوى النخب السياسيَّة الإثيوبيَّة فولدت فكرة الحزب العابر الأعراق غضباً كبيراً، خصوصاً الزعيم لما ماغرسا وقيادات كبيرة في حزب أورومو الديموقراطي.

وقد حَظِي هذا الرفض بتغطيَّة إعلاميَّة واسعة أسهمت في أن يلجأ آبي أحمد إلى اتهام جوهر بتأليب الرأي العام ضده، بل أقدم على تهديد جوهر أمام البرلمان الإثيوبي مؤخراً دون ذكر اسمه، ولعل هذا ما يفسّر ربما مقولات آبي أحمد غير المباشرة بالحشد ضد مصر في مسألة سد النهضة، وهو موقفٌ سرعان ما تراجع عنه أحمد.

وفق المعطيات على الأرض فكرة الاندماج العرقي في حزب واحد ربما تكون في طريقها للتواري على الصعيد السياسي الإثيوبي، لكن إذا صدق جوهر في خوضه الانتخابات ضد أحمد طبقاً لما صرَّح به سيكون ذلك ضربة قويَّة لرئيس الوزراء الإثيوبي، الذي تخطب كل الأحزاب السياسيَّة الإثيوبيَّة ود منافسه جوهر، وعقدت مؤتمراً صحافياً لمساندته، إذ يتوقع أي حزب ينضم إليه جوهر المستقل سياسياً أن يكتسح إقليم أورومو وقائمة النواب الأورومو لمجلس النواب الإثيوبي، استناداً إلى الشعبيَّة الجارفة التي يتمتع بها في أوروميا ذات الوزن النسبي الأعلى بين القوميات الإثيوبيَّة.

الموقف الدولي من آبي أحمد
حتى الآن لا تبرز في الاتجاهات الدوليَّة ضغوط على آبي أحمد رئيس الوزراء الإثيوبي رغم الاتهامات الداخليَّة الموجهة إليه، وذلك إدراكا ربما لطبيعة الفسيفساء العرقيَّة الإثيوبيَّة التي يصعب معها تحقيق تمثيل سياسي دقيق لها، من هنا يُعترف بالائتلاف الحاكم ممثلاً لهذه القوميات، نظراً إلى التحديات التي تعتري إفساح الفرصة أمام المعارضة، ولفهم تعقيد المشهد نورد بعضاً من تجلياته كالآتي:

1- توقيع الائتلاف الحاكم ومئة من الأحزاب السياسيَّة والتنظيمات السياسيَّة في البلاد في مارس (آذار) 2019 على ميثاق شرف ينظّم العمل السياسي، وذلك بهدف الحفاظ على تداول السلطة السلمي ونَبْذ العنف.

2- قام حزب "الأورومو الديموقراطي" بزعامة آبي أحمد بتوقيع اتفاق للعمل السياسي المشترك مع حزب "جبهة تحرير أورومو المعارض" بزعامة داوود إيبسا، ومؤتمر الأورومو الفيدرالي بزعامة مرارا جودينا، إنهاء حالة الاحتقان والتوترات الدائرة.

3- تدشين ائتلاف حزبي معارض في مايو (أيار) 2019 معارضاً جديداً أطلقوا عليه ائتلاف "الحزب الديموقراطي الإثيوبي الموحد"، يضم كلاً من المجلس الانتقالي الوطني، وحركة الشعوب الإثيوبيَّة، وحزب الفصح الإثيوبي الديموقراطي "توسا"، واتحاد شعوب أومو الديموقراطي، وحركة نجوم جنوب إثيوبيا الخضراء الديموقراطيَّة.

4- تشكيل ائتلاف جديد باسم "حزب المواطنين الإثيوبيين من أجل العدالة الاجتماعيَّة" بزعامة برهانو نغا زعيم حركة "قنبوت سبات"، وضمَّ عدداً من الأحزاب هي "الحزب الديموقراطي الإثيوبي"، و"حركة قنبوت سبات"، وحزب "الأزرق"، وحزب "الجيل الجديد"، وحزب "جامبيلا"، وحزب "الوحدة من أجل الديموقراطيَّة والعدالة"، وحزب "عموم إثيوبيا".

5- ظهور بعض الأحزاب الجديدة، مثل حزب "الوياني الثالث"، وهو حزب شبابي جديد في إقليم تيجراي في شمالي البلاد، واُقتبس الاسم من حزب جبهة تحرير شعب تيجراي أحد أضلاع الحكم في البلاد "الائتلاف الحاكم"، ويُعرَف بأنه حركة إصلاحيَّة تهدف إلى إجراء عديد من التغييرات في إقليم تيجراي من خلال برنامج تنموي يتم من خلاله تأسيس عدة مشروعات، منها شركة طيران خاصة بالإقليم وتطوير المشروعات الزراعيَّة وحزمة من البرامج التنمويَّة في أنحاء الإقليم.

6- حدوث انقسامات في الكنيسة الإثيوبيَّة التي تسيطر عليها تقليدياً قوميَّة الأمهرة، إذ يطالب المسيحيون الأوروميون بإنهاء هذه السيطرة.

وبطبيعة الحال يعكس هذا المشهد السياسي حالةً من الفوضى التي يصعب التعامل معها من جانب الأطراف الدوليَّة، في وقت تعتمد فيه هذه الأطراف على إثيوبيا لتحقيق أجندتها في منطقة القرن الإفريقي والبحر الأحمر والصومال، والأخيرة أعلن تنظيم (داعش) فيها أنه مستهدف الدولة الإثيوبيَّة في عملياته المقبلة، وربما هذا ما يفسّر لنا حصول آبي أحمد على جائزة نوبل للسلام كآليَّة لدعمه، وهو من انتبه إليه المعارضون الإثيوبيون، فنندوا بالرجل وبالجائزة معاً ربما في سابقة هي الأولى من نوعها.