Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ثروات بحرية وتأمين مصالح... لماذا يهتم الأفارقة بالبحر الأحمر؟

مصر ودول القرن ينقبون عن النفط... والخليج يسعى لتكوين منظومات إقليميَّة تتخذ أبعاداً أمنيَّة واقتصاديَّة وسياسيَّة

الثروة النفطية في البحر الأحمر باتت محل اهتمام القوى الإقليمية والدولية (رويترز)

لم يكن البحر الأحمر محل اهتمام أي أطراف إقليميَّة أو دوليَّة، إذ صُنِّف تاريخياً باعتباره "بحيرة عربيَّة"، ذلك أن الدول العربيَّة المتشاطئة معه هي القسم الغالب، 6 دول عربيَّة مقابل دولة واحدة أفريقيَّة هي إريتريا، بينما تقع الصومال على تخومه الجنوبيَّة.

لكنْ، سلام البحر الأحمر في أحضان العرب لم يستمر طويلاً، إذ تحوَّل إلى منطقة اهتمام استراتيجي لكل دول العالم، وتمت عسكرتُه انطلاقاً من دولة جيبوتي، كما أصبح مسرحاً لتنافس وصراعات الأقطاب الإقليميَّة والدوليَّة، خصوصاً في العقد الأول من القرن الواحد والعشرين.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

البحر الأحمر... اهتمام استراتيجي خليجي

ولعل هذه العوامل مجتمعة أسهمت في تصنيف البحر الأحمر بوصفه "منطقة اهتمام استراتيجي خليجي"، وهو ما جعله محوراً أساسياً من محاور مشروع بحثي مهم لمركز دبي للسياسات تحت عنوان (دول الخليج في عالم متعدد القطبيَّة... البحر الأحمر مسرحاً) الذي عُقِدَ يومي الـ25 و26 من نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي في دبي، إذ طُرِحت التوجهات المستقبليَّة والاستراتيجيَّة لكل الأطراف الإقليميَّة والدوليَّة، وكان لي حظ المشاركة في نقاش وحوار ثري طُرِح فيه كثيرٌ من الأبحاث والمداخلات العمليَّة لعددٍ كبيرٍ من الخبراء حول العالم.

لكنْ، الجديد الذي طرحه هذا المؤتمر هو دور البحر الأحمر بوصفه جسراً واصلاً بين دول مجلس التعاون الخليجي وأفريقيا، لتعلن حالياً دول مجلس التعاون الخليجي والدول الأفريقيَّة في قرن وشمال أفريقيا خصوصاً، استراتيجيَّة التحوّل إلى الأحمر، أي تحوّل هذا البحر إلى مكوِّن رئيس للأمن الاستراتيجي للطرفين ربما للمرة الأولى.

وإذا كان من المفهوم أسباب التوجه الاستراتيجي الخليجي للبحر الأحمر، وهو المرتبط بأمن النفط من ناحيّة، ومتطلبات الأمن الغذائي الخليجي من ناحيّة أخرى، فضلاً عن الصراع الإقليمي الذي فرضته إيران منذ منتصف التسعينيات بمنطقة البحر الأحمر، وكان عنوانه الأخير حرب اليمن، فإن الجديد ربما يكون هو الاهتمام الاستراتيجي الأفريقي بالبحر الأحمر، والتركيز عليه منطقة مصالح أساسيَّة لهذه الدول.

 

 

الصراعات الإقليميَّة... والاهتمام الأفريقي بالبحر الأحمر

انطلقت إيران من المنصة السودانيَّة عام 1991، وذلك في ضوء توجهات ثورة الإنقاذ وقتها المضادة لمصر ومحاولة الاستقواء عليها بوزن إقليمي موازٍ، وتعزز الوجود الإيراني في منطقة القرن الأفريقي بعد حرب يوليو (تموز) 2006 في لبنان احتساباً لردود الفعل الإقليميَّة والدوليَّة على نتائج هذه الحرب، إذ استقر الأمر في طهران على خروج إيران من دائرتها المعتادة، والعمل على رسم خريطة جديدة لنفوذها البحري، والخروج من الدائرة المحدودة بمياه الخليج العربي والمياه الساحليَّة للمحيط الهندي.

وجاءت أول خطوة رسميَّة لتنفيذ تلك الاستراتيجيَّة في عام 2009، بعد انعقاد القمة الإيرانيَّة الجيبوتيَّة بالعاصمة جيبوتي بين الرئيس الجيبوتي إسماعيل عمر جيلا ونظيره الإيراني محمود أحمدي نجاد، وهي القمة التي انتهت بتوقيع مذكرة تفاهم للتعاون المشترك، تضمنت الإعفاء من تأشيرات الدخول لمواطني البلدين، وبناء مراكز للتدريب، إضافة إلى منح البنك الإيراني قروضاً للبنك المركزي الجيبوتي، وإنشاء لجنة مشتركة ومساهمة في عمليَّة التنميَّة بجيبوتي، وتقديم منح دراسيَّة للطلاب الجيبوتيين في جامعات طهران، وتقديم بعض المساعدات الماليَّة، ثم توالت الزيارات سواء من الرئيس الإيراني أو مسؤولين بارزين إلى دول القرن الأفريقي وشرق أفريقيا، مستغلين بالمقام الأول الحالة الاقتصاديَّة المترديَّة لدول القرن الأفريقي.

وإزاء تطوّر الحالة الحوثيَّة المواليَّة لإيران إلى حركة لها مطالب سياسيَّة باليمن، مهددة بذلك السعوديَّة ودول الخليج، جاءت المواجهة العسكريَّة في اليمن محاولة تطويق النفوذ الإيراني من المنصة الحوثيَّة.

وفي هذا السياق تتحسّب دول الخليج لتطوير إيران دورها العسكري (الأمني) باليمن، فلجأت إلى توسيع دائرة هذه المواجهة العسكريَّة لتصل إلى جيبوتي، بهدف إقامة قاعدة عسكريَّة لها على أراضيها المواجهة لليمن على الجانب الآخر من مضيق باب المندب للإحاطة بأي مجهود عسكري بحري مُضاد لعمليتها العسكريَّة باليمن.

وأكد وزير خارجيَّة جيبوتي محمود علي يوسف الأمر، مشيراً إلى أن حكومته "وافقت مبدئياً على إقامة قاعدة سعوديَّة في جيبوتي"، التي ترحب بـ"الوجود العسكري السعودي على أراضيها"، إذ وُضعت بالفعل مسودة اتفاق أمني وعسكري واستراتيجي بينهما، سيُوقع عليه عاجلاً، وأوضح أن "مسؤولين سعوديين قاموا بزيارات ميدانيَّة لجيبوتي لتحديد أنسب المواقع"، ومؤكداً أن بلاده "ترحب بوجود عسكري لأي بلد عربي على أراضيها، نظراً إلى ما يحدث بالمنطقة".

ولعل أهم ما تعنيه هذه القاعدة السعوديَّة هو "التماس العسكري السعودي مع منطقة القرن الأفريقي"، بدءاً من نتوء مضيق باب المندب.

وفيما يتعلق بمصر، فإن القاهرة أقدمت على التمركز العسكري في إحدى جزر باب المندب حمايّة لتدفق حركة التجارة المرتبطة مباشرة بقناة السويس، كما أُعلن إنشاء قيادة الأسطول الجنوبي مع مطلع 2017، وإنشاء قاعدة بحريَّة في منطقة حلايب، وذلك في سياق الإدراك المصري لخطورة الأوضاع بالبحر الأحمر، إذ تحوَّلت المنطقة إلى ساحة للتنافس الدولي، وهو ما ترى فيه مصر تهديداً مباشراً لأمنها القومي، إذ إن تلك المنطقة تشكِّل البوابة الجنوبيَّة لقناة السويس، ومن يتحكَّم بها بلا شك يتحكَّم بحركة الملاحة في القناة، خصوصاً بعد تصاعد القرصنة في جنوبه، ثم ظهور التنظيمات الإرهابيَّة مثل (القاعدة) بمناطق عديدة على سواحله، وفي داخل البلدان المطلة عليه.

التنقيب عن النفط

تصاعدت الأهميَّة الاقتصاديَّة للبحر الأحمر لعاملين، الأول تصاعد احتمالات اكتشافات النفط والغاز فيه، وفي هذا السياق طرحت مصر 10 مناطق بالبحر الأحمر للمناقصات العالميَّة للتنقيب عن البترول في ربيع 2019، بينما أُعلنت اتفاقيَّة ترسيم حدود بحريَّة بينها والسعوديَّة عام 2018 للبحر الأحمر.

وإلى جانب ذلك اهتمت الدول المتاخمة للدول المتشاطئة مع البحر الأحمر، بالتفاعل مع الجهود الحاليَّة بشأن تكوين منظومة إقليميَّة لأمن البحر الأحمر، وذلك لاعتبارات متعلقة بنقل الخامات الهيدروكربونيَّة، إذ إن أحد أسباب اهتمام إثيوبيا مثلا بتكوين قوة بحريَّة هو تأمين نقل النفط، خصوصاً أنها اكتشفت وجود للنفط الخام في منطقة الأوجادين، وأعلنت بدء إنتاج تجريبي في يونيو (حزيران) 2018، كما أنها شرعت في تصدير الغاز عبر الموانئ الجيبوتيَّة عام 2017، وهو المكتشف في شرق إثيوبيا.

 

 

وفتح إنتاج النفط في جنوب السودان الذي اُكتشف عام 1978 شهيَّة دول شرق أفريقيا للتنقيب، خصوصاً مع وصول الإنتاجيَّة النفطيَّة قبل الحرب الأهليَّة الجنوب السودانيَّة عام 2013 نحو 52700 برميل في اليوم، فضلاً عن وجود احتياطي يقدّر بـ3.5 مليار برميل طبقاً لوزير الطاقة والتعدين في جنوب السودان إزكيل لول جاتكوث.

وفي هذا السياق أصدرت حكومة بورتلاند الصوماليَّة أول رخصة تنقيب في عام 2012 لكتلة نفط دارور، كما رخَّصت كينيا في مايو (أيار) 2014 لسبع شركات عالميَّة للتنقيب عن النفط، بعضها في منطقة بحيرة تنجانيقا، أمَّا في تنزانيا فأقدمت شركتا شل وبيرتش بيترليوم على حفر 70 بئراً للتنقيب عن النفط.

وفيما يتعلق بدولة السودان الشمالي، يوجد عددٌ من المؤشرات الإيجابيَّة بشأن احتياطياته النفطيَّة، خصوصاً بعد طرح مربعات للتنقيب في البحر الأحمر، واختبار بئر الراوت الموجودة على الحدود بين دولتي السودان، فضلاً عن إمكانات غازيَّة بمنطقة سنار.

وطبقاً لهذه المعطيات من المتوقع أن يتم الاهتمام من جانب شركات النفط العالميَّة بكل من مصر ودول القرن الأفريقي، إذ ستزيد من وجودها، وتؤطر تحالفاتها.

الاستثمارات الخليجيَّة بأفريقيا

تهتم كلٌّ من إثيوبيا والسودان وغيرهما من دول القرن الأفريقي بالاستثمارات الخليجيَّة، خصوصاً في ظل الاهتمامات الخليجيَّة بالاستزراع في هذه الدول تلبيَّة لاحتياجاتها الغذائيَّة، وكذلك توجهات شركة موانئ دبي لتوظيف الموانئ الأفريقيَّة في خططها الاقتصاديَّة الشاملة.

وربما يكون هذا هو المدخل الذي استطاعت به أن تؤمّن إثيوبيا بعض التمويلات الخليجيَّة لمشروع سد النهضة مثلاً، وهي تطلب من السعوديَّة حالياً تمويل إنشاء إنبوب نفط من إثيوبيا إلى الموانئ الإريتريَّة على البحر الأحمر، كما يفتح السودان أبوابه للاستثمار الخليجي تقليدياً، على أن هذا الاتجاه زاد في الفترة الأخيرة بعد نجاح الثورة السودانيَّة واحتياج الحكومة الانتقاليَّة الحاليَّة إلى مزيدٍ من الدعم الخليجي.

وفيما يتعلق بمصر فإن ثمة دعماً كبيراً من دولة الإمارات للاقتصاد المصري عبر بلورة نوع من الشراكة في إطار الصندوق السيادي المصري، ويبدو أن هذا الاتجاه الأفريقي الشامل وجد استجابة من الجانب الخليجي، كما وضح في مؤتمر مركز دبي للسياسات، إذ يتجه مجلس التعاون الخليجي (GCC) إلى خلق منظومات إقليميَّة مشتركة على جانبي البحر الأحمر، وهي المنظومات التي تتخذ أبعاداً أمنيَّة واقتصاديَّة وسياسيَّة، وتسعى إلى تكوين هُويَّة مشتركة تحت عنوان (التحوّل إلى الأحمر).

المزيد من تحلیل