Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"من حقي أن"... كتاب يكشف سوءات المجتمع الأميركي "الجنسية"

يوثق قصة اغتصاب طالبة بمدرسة سان بول ومحاولات التستر عليها... والفكرة تتحول إلى جمعية تفضح المسكوت عنه

استغرق إعداد كتاب "من حقي أن" نحو 4 أشهر من المقابلات اليوميَّة ومراجعة آلاف الوثائق (غيتي)

حديثُ الاعتداءات الجنسيَّة لم ولن ينتهي، ربما يفترُ صوت النساء حيناً لأن العالم يشتعل بحروب وصراعات ينشغل بها الإعلام، وربما يملُّ الناس فترةً من سماع قصص تراجيديَّة مرَّت بها نساء وفتيات، لكن لا الاعتداءات تتوقف، ولا المعاناة تنتهي، ومن ثمَّ تعود النساء والفتيات إلى سرد حكايتهن، لينقلها الإعلام، ويستمع إليها الناس من جديدٍ.

في سان بول... اغتصاب طالبة بمدرسة

"من حقي أن"، عنوانٌ يتحدَّث عنه كثيرون بالولايات المتحدة الأميركيَّة هذه الأيام، هو ليس عنوان كتاب فقط، لكنه موجةٌ جديدةٌ من موجات المجاهرة الصادمة بالتعرض للاعتداء والإساءة الجنسيَّة رغم أنف رافضي المجاهرة.

في مكتبة فايتفيل العامة بولايَّة أركنسو، تحدَّثت تشسي براوت، 21 عاماً، الناجيَّة من حادث اعتداء جنسي مدوٍّ وقت أن كانت في الـ15 من عمرها أمام جمهورٍ غفيرٍ عن الاعتداء الجنسي الذي تعرَّضت له قبل سنوات أربع وقت التحقت بمدرسة ثانويَّة داخليَّة، وهو الاعتداء الذي شغل الرأي العام الأميركي حينما قررت الضحية أن تجاهر بما جرى رغم أنف محاولات المدرسة العريقة عرقلة القضيَّة خوفاً على سمعتها.

تحدَّثت براوت عن تعرضها للاغتصاب في لقاء جمعها بزميل لها بمدرسة "سان بول" الداخليَّة بمنطقة "نيو هامشاير"، التي تخرَّج فيها وزير الخارجيَّة الأميركي الأسبق جون كيري وعددٌ ضخمٌ من أعضاء الكونغرس، واُتضح أن المدرسة العريقة تحمل سنوات من الاعتداءات الجنسيَّة التي لم يتحدَّث عنها أحدٌ طيلة عقود مضت.

ثقافة الصمت التي أضاعت حق مئات ممن تعرضن لاعتداءات متفاوتة على مدى سنوات طويلة وصلت إلى المحطة النهائيَّة باتصال تلقته من صحافيَّة تحقيقات في صحيفة "واشنطن بوست" الأميركيَّة اسمها جين أبلسون.

"من حقي أن"... يكسر جدار الصمت

تسرد براوت ما جرى، وتقول إنها عقب تعرضها لهذا الاعتداء ورغم الألم النفسي ومشاعر الأسى ولوم الذات والخوف من نظرات وردود فعل المجتمع، فإنها تقدَّمت بشكوى رسميَّة إلى الشرطة مع الاحتفاظ بهُويتها سريَّة كما تجري العادة في مثل هذه الاعتداءات.

وعلى الرغم من مرور سنوات على الاعتداء، فإن الضحية تتذكر بكثيرٍ من الدموع موقف المدرسة ذات السمعة والصيت التي أنكرت تماماً ما جرى في حرمها، بل حاول محاموها أن يلقوا باللوم على براوت، وذلك لتبرئة ساحتها وحفاظاً على سمعتها.

 

تحكي الضحية كيف أن هذا الظلم دفعها إلى المجاهرة بهُويتها والظهور في عدد من وسائل الإعلام لتواجه المجتمع بما جرى لها فيما وصفته بـ"حقها في اعتذار الجميع لها، بدءاً بالمدرسة مروراً بالمعتدي وانتهاء بالمجتمع"، وهنا اتفقت براوت مع الصحافيَّة جين أبلسون على أن تحكي لها لتكتب وتوثق.

آلاف الوثائق... تكشف المسكوت عنه

استغرق إعداد الكتاب نحو أربعة أشهر من المقابلات اليوميَّة بينهما، وآلاف الوثائق لحالات اعتداء تعرَّضت لها مراهقات، إضافة إلى الأوراق الرسميَّة الخاصة ببراوت بدءاً من الشكاوى المُقدَّمة إلى المدرسة، مروراً بالمحضر المُحرر بقسم الشرطة، وانتهاءً بأوراق القضيَّة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

المعتدي على براوت وهو زميلها يوين لابري أمضى ثمانيَّة أشهر في السجن، وأُخلي سبيله خلال شهر يونيو (حزيران) الماضي لحسن السير والسلوك، وكان حكم عليه بالسجن سنة لثبوت اعتدائه الجنسي على الضحية مع أسابيع طويلة من الإنكار ومحاولة محاميه إثبات أن علاقة جنسيَّة حدثت بالفعل بينهما في المدرسة، لكن برضا الطرفين.

أمَّا المدرسة، فما زالت تسير على نهجها في تجاهل القضيَّة، والحفاظ على اسمها العريق، إلا أنه منذ مجاهرة الضحية بما جرى، وصدور الكتاب، تقدَّم عددٌ من الطالبات من خريجات المدرسة ليجاهرن بتعرضهن لاعتداءات مماثلة، لكن الخوف من الوصم والتنمّر من جهة، والضغوط التي مارستها المدرسة من جهة أخرى حالا دون مجاهرتهن.

نظرة المجتمع والخوف من التنمُّر

من أجل ضحايا الاعتداء الجنسي الصامتات الخائفات، أسست براوت مع والدتها جمعيَّة تحمل الاسم نفسه (من حقي أن) لتقديم المساعدة لكل من تتعرض لاعتداء، ولا تجد من يساعدها في المجاهرة بما حدث.

تقول والدة براوت، التي حضرت الندوة، إن "ما جرى لابنتها وما عرفته في أثناء رحلة الحصول على حقها شجَّعاها على بدء هذه الجمعيَّة فوراً".

وتضيف، "فوجئت أن واحدة بين خمس فتيات في الفئة العمريَّة بين 14 و17 عاماً تتعرض إمَّا لاعتداء جنسي صريح وإمَّا للمحاولة. أغلب الاعتداءات يمضي في صمت، إذ تخجل الفتيات أو يخشين المجاهرة بسبب ضغوط المجتمع والخوف من التنمُّر".

تقول براوت، التي تدرس القانون حالياً بإحدى الجامعات في مدينة واشنطن الأميركيَّة، "وضعت دستوراً خاصاً بـ(من حقي أن) ينصُّ على أنه لديّ الحق في أن أجد صوتاً يعبر عني وأستخدمه حين أكون مستعدة لذلك، وأن يشار لي باعتباري (ناجيَّة من اعتداء)، وأن أمضي وقتي خارج بيتي دون خطر التعرض لاعتداءات".

وتضيف، "كما ينص الدستور على أنه من حقي أن أقول (لا) ويتم احترام اختياري، وأن لا أتعرض للتنمر أو التعنيف من قِبل المجتمع، وأصف ما حدث لي باعتباره اعتداءً جنسياً، ولديّ الحق في أن أخوض فترة نقاهتي بعد التعرض للاعتداء دون أن أضطر للانزواء أو الشعور بالحرج أو الخجل من المجتمع".

يعد كتاب (من حقي أن) والجمعيَّة المؤسسة للدفاع وتقديم الدعم النفسي للناجيات من الاعتداءات الجنسيَّة حلقة في مسلسل مجاهرة نساء وفتيات في أماكن شتّى بالعالم بتعرضهن لمثل تلك الحالات في ظروفٍ مختلفة.

فبين مدير عمل ومعلم وزميل وصديق وقريب تقع ملايين النساء ضحايا لهؤلاء، الذين يكتسبون قوتهم من ثقافة ترهيب الأنثى من المجاهرة تحت وطأة الخوف من الوصم والشعور بالذنب.

"أنا أيضاً"... تفضح التحرشات الجنسية

وكانت الممثلة الأميركيَّة أليسا ميلانو ومعها عددٌ من شهيرات هوليوود دَعين نساء العالم في أواخر عام 2017 إلى استخدام هاشتاغ (أنا أيضاً) للمجاهرة بما تعرضن له من اعتداءات وتحرشات جنسيَّة، وذلك عقب فضيحة المنتج الهوليوودي المشهور هارفى واينشتاين وتحرشه بعددٍ من الممثلات.

وانتشرت الحملة انتشار النار في الهشيم بأغلب أنحاء العالم، بما في ذلك دولٌ عربيَّة عدة جاهرت نساؤها وفتياتها بتعرضهن لتحرشات جنسيَّة، يعدّها البعض عربياً شراً لا بدّ منه، ويجب تحمُّله وعدم المجاهرة به من قِبل الإناث، أو أن تعرض الأنثى للتحرش أو الاعتداء مسؤوليتها إما بسبب ملابسها أو تصرفاتها أو مجرد وجودها في الفضاء العام.

هل أنت سليم عقلياً؟

المثير أن الحملة فجَّرت اعترافات ملايين النساء والفتيات بما تعرضن ويتعرضن له يومياً من اعتداءات، وهو ما أمدّ الصامتات الخائفات بجرعات من الشجاعة ساعدت الكثيرات منهن على المُضي قدماً في طريق الانضمام للعلاج عبر المجاهرة.

يشار إلى أن (مي تو) أو (أنا أيضاً) ظهرت للمرة الأولى قبل ما يزيد على 12 عاماً على يد الناشطة الحقوقيَّة تارانا بيرك، حين دعت النساء والفتيات ضحايا الاعتداءات الجنسيَّة إلى الحديث عمّا تعرضن له.

كتاب (من حقي أن) لم يكتفِ بالتعرض إلى الاعتداءات الجنسيَّة المسكوت عنها حتى في أكثر المجتمعات انفتاحاً ودفاعاً عن الحريات الشخصيَّة، لكنه فتح كذلك ملف الصحة العقليَّة الذي كثيراً ما يُعتَّم عليه خوفاً كذلك من وصمة المجتمع، وضرورة الحصول على المساعدة وقت الحاجة.