ملخص
إن كانت السلطات الإيرانية تبدي مزيداً من المرونة في شأن الحجاب، إلا أنها بالتأكيد غير مستعدة للتخلي عن هذه القاعدة المفروضة على النساء، برأي محللين وناشطين يحذرون من احتمال العودة للتشدد والقمع.
نساء حاسرات يرقصن على أنغام الموسيقى في حفلة أو يجلسن في المقاهي، مشاهدات لم يكن من الممكن تصورها قبل فترة قصيرة في إيران، غير أنها تنتشر في الجمهورية الإسلامية على رغم قواعد اللباس الصارمة المفروضة فيها.
وتخرج النساء بأعداد متزايدة من دون حجاب، فيظهرن بشعر مجعد أو مصبوغ أو مضفر، على رغم حملة القمع التي قابلت الحركة الاحتجاجية تحت شعار "امرأة حياة حرية" التي انطلقت في عام 2022 في أعقاب وفاة الشابة مهسا أميني، بعد توقيفها لعدم التزامها بقواعد اللباس هذه.
وتسجل هذه الظاهرة بصورة خاصة في طهران والمدن الكبرى وباتت تطاول مختلف الأجيال، ولو بدرجات متفاوتة.
وإن كانت السلطات الإيرانية تبدي مزيداً من المرونة في شأن الحجاب، إلا أنها بالتأكيد غير مستعدة للتخلي عن هذه القاعدة المفروضة على النساء، برأي محللين وناشطين يحذرون من احتمال العودة للتشدد والقمع.
ويسجل هذا التساهل النسبي في وقت خرجت إيران منهكة من الحرب التي خاضتها مع إسرائيل لمدة 12 يوماً في يونيو (حزيران) الماضي، وفيما تلوح في الأفق خلافة المرشد الأعلى علي خامنئي البالغ 86 سنة، وهو في منصبه منذ عام 1989.
وقالت رويا بوروماند، مديرة مركز عبدالرحمن بوروماند لحقوق الإنسان في إيران، وهي منظمة غير حكومية تتخذ مقراً في الولايات المتحدة، إن "ما نراه اليوم هو بالتأكيد نتيجة أعوام من العصيان المدني من جانب النساء والفتيات الإيرانيات اللاتي قاتلن من أجل فرض فسحة ضئيلة من الحرية لهن في المساحة العامة"، وأكدت "هذا ليس إصلاحاً ممنوحاً من الدوائر العليا".
"تنازل عقائدي"
لكن في الوقت نفسه عدت بوروماند أن مدى الالتزام بقاعدة وضع الحجاب يختلف من منطقة إلى أخرى.
ويمكن أن ترغم محال تجارية كالمقاهي على الإغلاق، إذا لم تفرض الالتزام بهذه القاعدة.
واعتقل شخصان في ديسمبر (كانون الأول) الجاري لتنظيمهما سباق ماراثون في جزيرة كيش الإيرانية، بعد انتشار مشاهد على نطاق واسع تظهر عشرات العداءات من دون حجاب.
وقال آراش عزيزي الباحث في جامعة ييل الأميركية إن "النظام تخلى عن فرض تطبيق صارم لإلزامية وضع الحجاب، لكنه لم يتخل إطلاقاً عن المبدأ نفسه"، وتابع أن "ذلك سيكون تنازلاً عقائدياً هائلاً ليس مستعداً لتقديمه، لكنه يدرك أنه سيكون من الصعب للغاية إعادة المارد للقمقم".
والدليل على ذلك المشاهد المنتشرة على مواقع التواصل الاجتماعي لافتتاح مركز تسوق أخيراً في طهران، يظهر فيها شبان وبينهم فتيات مكشوفات الرؤوس، يرقصون على أنغام دي جاي، أو مباراة لكرة القدم جرت في السادس من ديسمبر الجاري، حضرتها فتيات معظمهن حاسرات قمن بتشجيع ناديهن من المدرجات المخصصة للنساء.
وتعرض ديوان المرشد الأعلى نفسه لانتقادات من بعض المحافظين المتشددين، بعدما نشر في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي صورة لمدربة البيلاتيس نيلوفر قلهوند من دون حجاب، تضع على رأسها فقط قبعة بيسبول.
وخلال أسبوع التصميم في جامعة طهران في نوفمبر الماضي، تجولت نساء في المعارض بلا حجاب، غير أن التظاهرة اضطرت إلى إغلاق أبوابها قبل الموعد إثر احتجاجات رجال دين.
عودة القمع؟
وأعلن رئيس السلطة القضائية غلام حسين محسني إيجئي أن على وكالات الاستخبارات أن تبلغ عن "الشبكات التي تشجع على الفجور وعدم وضع الحجاب"، متوعداً باتخاذ التدابير اللازمة بحقها.
ومطلع ديسمبر الجاري، دافع المرشد الأعلى في خطاب عن الحجاب، مؤكداً أن المحجبات "يتقدمن أكثر من سواهن في جميع المجالات، ويؤدين دوراً فعالاً في المجتمع وفي أسرهن".
وحذرت بوروماند من "خطر حقيقي من عودة القمع بمزيد من القسوة".
وإن كانت صور النساء الحاسرات تعطي انطباعاً بانتشار الحرية، فإن المنظمات الحقوقية تفيد على العكس بأن القمع ازداد في الأشهر الأخيرة بعد الحرب مع إسرائيل.
ونفذت أكثر من 1400 عملية إعدام هذه السنة بحسب منظمات غير حكومية، كما تتعرض بعض المجموعات ولا سيما البهائيين، أكبر الأقليات الدينية غير المسلمة في إيران، لاضطهاد متزايد.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وجرى توقيف الحائزة جائزة نوبل للسلام عام 2024 نرجس محمدي من جديد في الـ12 من ديسمبر (كانون الأول) في مدينة مشهد (شرق) بعدما كانت تحظى بحرية موقتة منذ نحو سنة، إثر إلقائها كلمة في مراسم تأبين محام عثر عليه ميتاً في أوائل الشهر.
وشددت بوروماند على أنه "ليس هناك ما يوحي بأن النظام بصدد تخفيف الضغط"، بل رأت على العكس أن السلطات تستعد لممارسة القمع من جديد من أجل "ترهيب المجتمع".
غير أن مسألة الحجاب تبقى موضع خلاف داخل السلطة، ويرى الرئيس مسعود بزشكيان أنه لا يمكن إرغام امرأة على وضعه.
ورفضت حكومته خلال عام 2024 إصدار قانون صوت عليه مجلس الشورى، ينص على تشديد صارم للعقوبات في حق النساء اللاتي لا يضعن الحجاب أو لا يضعنه بالصورة الصحيحة.