تخيّل... أميركيون لديهم ثروات طائلة ويطلبون زيادة الضرائب عليهم

المجموعة تتضمن اصحاب مليارات وملايين يركزون ايضا على اعمال خيرية ضخمة

البيليونيرة مولي مانغر طرحت الفكرة بسبب منزلها الراقي وغير المستثمر في منطقة نيوبورت بيتش في كاليفورنيا (غيتي )

عندما فَرغت بيوت فاخرة مخصصة لقضاء العطل في "نيوبورت بيتش" خلال عطلة نهاية أسبوع جميلة تصادفت مع "عيد الشهداء"، قررت مولي مَنغر أن الوقت قد حان للولايات المتحدة للتفكير في طريقة فرض الضرائب على الثروات.

وتروي مَنغر، الابنة لملياردير مستثمر، أنها كانت في يخت العائلة قبل بضعة سنوات، حين مرت بكثير من بيوت جيرانها التي كانت معتمة وفارغة. وآنذاك، عرفتْ أنْ السبب وراء ذلك يكمن في امتلاك أصحابها قدراً من المال يكفي لقضاء عطلهم في أحد قصورهم الفارهة، ما جعلها تشعر بوجود خلل ما في هذه الحال.

وذكرت منغر، 71 سنة، المحامية المتخصصة في الحقوق المدنية، والابنة للمليادير تشارلي، 95 سنة، الذي كوّن ثروته من عمله نائباً لرئيس شركة الاستثمارات "بركشاير هَذَوَي" التي يملكها الملياردير وارن بافيت، إنه "من الصعب جداّ مشاهدة حدوث ذلك في القمة ورؤية ما يحدث في أدنى السلّم... أليس هذا هدراً حين تكون بيوت جميلة على الشاطئ فارغة معظم أيام الصيف؟".

وباتت مَنغر الآن جزءاً من عدد صغير من أصحاب المليارات والملايين الذين يدعون الحكومة مجدداً إلى زيادة الضرائب عليهم وامتصاص جزء من مقتنياتهم. وإذ يناقش مرشحو الحزب الديموقراطي للانتخابات الرئاسية مسألة فرْض ضريبة جديدة على الثروة، وليس على المداخيل وحدها، تحثهم هذه المجموعة من شديدي الثراء على إنجاز بذلك.

وفي هذا الصدد، ذكرت منغر، "أنا أؤمن بالسوق الحرة. أنا إبنة رجل ينتمي إلى الرأسمالية، لكنها ليست تلك التي تكون حرة على طريقة داروين [بمعنى بقاء الأقوى]، لا تخضع لتنظيم، وأسنانها ومخالبها بلون أحمر [إشارة الى دم الفرائس والضحايا]".

ويستند أولئك الأثرياء مع بعض رجال المال والورثة الأغنياء، إلى حجة أساسية مفادها أنّ الحكومة يمكنها أن تنفق أموالهم بشكل أكثر فاعلية مما يستطيعون أن يفعلوه لوحدهم، عبر إصلاح المدارس وتطوير البنى التحتية وحماية البيئة. وتطعن الحجة في صحة قناعة قديمة بين السياسيين والاقتصاديين ترى أن الضرائب المنخفضة على الشركات ومداخيل الاستثمار تشكّل الطريقة الأكثر فعالية لتحقيق النمو ونشر الثروة على من هم في أسفل سلم المداخيل.  

وتبدو هذه الفكرة تحدياً مباشراً للملياردير الشهير في البيت الأبيض، دونالد ترمب، الذي دعم ذات يوم فرض ضريبة على الثروة، لكنه في 2017 فرض تخفيضاً على الضرائب يصب لمصلحة الأثرياء.

ولتحقيق هذا الهدف وقّع عشرون شخصاً (بمن فيهم شخص فضل عدم الكشف عن اسمه) رسالة في هذا الصيف، تطلب بشكل أساسي فرض ضرائب أكبر عليهم. وتضم المجموعة رجل المال جورج سوروس، والمشارك في تأسيس "فيسبوك" كريس هيوز، والوريثة أبيغال ديزني وغيرهم، ممن يساهمون غالبا في دعم قضايا ليبرالية. ولم يوقّع هذه الرسالة بيل غيتس ثاني أثرى شخص في العالم، لكنه صرح لاحقاً إنه "لن يكون ضد فرض ضريبة على الثروة"، التي تصل في حالته إلى ما يزيد على 100 مليار دولار.

وفي ذلك السياق، يذكر أن الديمقراطيين ظلوا يدافعون منذ وقت طويل بهدف زيادة الضرائب على المداخيل العليا، فيما يمضي النقاش الحالي خطوة أبعد مما درجوا على المطالبة به. إذ يتناول النقاش وجوب فرض ضرائب على ما يمتلكه الأفراد، وعدم الاكتفاء بالضريبة على ما يكسبونه.

في تطوّر متصل، دعمت السيناتورة عن ولاية ماساتشوستس، إليزابيث وارن، فرض ضريبة الثروة على الممتلكات التي تزيد عن 50 مليون دولار، ما سيكسب الخزانة الحكومية ما يصل إلى 2.75 تريليون دولار خلال عشر سنوات. وكذلك يعتبر بيرني ساندرز، السيناتور عن ولاية فيرمونت، أن ضريبة الثروة يجب أن تبدأ من 32 مليون دولار. وفي المناظرة التي دارت الأسبوع الماضي بين مرشحي الحزب الديمقراطي للانتخابات الرئاسية 2020، عبّر بيت بوتينجغ عمدة "ساوث بيند"، وآمي كلوبوتشار السيناتورة عن ولاية منيسوتا، وبيتو أوروك، النائب السابق عن ولاية تكساس، عن انفتاحهم على فكرة فرض ضريبة الثروة، فيما حاجج توم ستاير لمصلجة فرض ضرائب أعلى على ثروته البالغة 1.6 مليار دولار.  

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

في مقلب مغاير، برز بعض المنتقدين لتلك الفكرة، من بينهم متعهد قطاع التكنولوجيا أندرو يانغ الذي حاجج بأن الضرائب على الثروة في البلدان الأخرى فشلت في جمع إيرادات كافية.

وينطبق وصف مماثل على جو بايدن نائب الرئيس الأميركي السابق، الذي انتقد خطط وارن وساندرز معتبراً إياها بأنها "تُشيطِنْ الثروة" وحاجج بدلاً عن ذلك بالتركيز على ضرائب الدخل ورفع معدلاتها على العائدات التي تكونها الاستثمارات.

وكسبت فكرة بايدن دعم كثيرين ممن يعملون في المؤسسة الاقتصادية، وحتى في أوساط أولئك الذين يقولون إنهم يدعمون استخدام شيفرة الضريبة لمقاومة انعدام المساواة في الدخل.

من ناحية اخرى، حاجج لاري سمرز، وزير الخزانة السابق ورئيس "جامعة هارفرد"، بأن ضريبة الثروة غير قابلة للتطبيق أساساً. ولاحظ أن الأثرياء في أميركا سيجدون طرقاً لتجنبها وجعل تطبيقها عسيراً، ومن غير المرجح أن تفك قبضة الشركات القويّة والمتبرعين الأثرياء، على مسارات السياسة. وجاء حديث سمرز خلال ندوة حول ضرائب الثروة في "معهد بترسون للاقتصاديات الدولية" في واشنطن. وقدّر وزير المالية السابق أنّ التغييرات في ضريبة الدخل ستضيف إلى العائدات ما يزيد عن 2 تريليون دولار خلال عشر سنوات، تأتي من أصحاب الدخول الأعلى، لكنه تشكك في أن ضريبة الثروة ستقلص نفوذ الأميركيين الأثرياء.

في المقابل، يختلف الاقتصاديون الذين طوروا فكرة ضريبة الثروة مع الرأي القائل إن تجنب الضريبة يمثّل قانون الطبيعة غير القابل للكسر. وفي هذا السياق، لاحظ إيمانويل سايز، الاقتصادي في جامعة كاليفورنيا ببركلي، إن الأميركيين الأكثر ثراء دفعوا الضرائب في الماضي حين كان يُنظر إلى التهرب الضريبي باعتباره فعلاً طفيلياً. وقد جلب بحث سايز اهتماماً، إذ استنتج أيضاً أن ضريبة الثروة تمثّل علاجاً لعدم المساواة المتفاقم. وعلّق على ذلك بأن "النظام الضريبي يعكس قيم المجتمع".

وكذلك تجدر الإشارة إلى أن الشريحة الأكثر ثراءً في الولايات المتحدة تشكل 1% من الأميركيين تنال حوالى 40% من ثروة البلاد، بينما لا يتحكم أولئك الذين في أسفل سلم المداخيل، الذين يشكلون 50% من الأميركيين، بشيء منها، بحسب "قاعدة بيانات عدم المساواة العالمية"، وهو مؤشر ساعد سايز على تطويره. ووفق حساباته، يدفع كثيراً من أولئك المنتمين إلى الشريحة الأغنى التي تشكل 1% من المجتمع ضرائب أقل مما يدفعه معظم الأميركيون وذلك بسبب طريقة استقطاع الضرائب منهم.

وفي تفصيل آخر، يبرز بين الأثرياء الذين أعلنوا استعدادهم لدفع مزيداً من ضرائب على ثرواتهم، الثري إيان سيمونز. إذ يدير صندوق استثمارات يسمى "بلو هايفن إنِشياتف" مع زوجته ليسيل بريتزكر سيمونز. وشارك سيمونز، رجل الاستثمارات البالغ من العمر الثالثة والأربعين، في جهود ترمي إلى تحشيد عوائل ثرية أخرى لدعم فكرة فرض ضريبة على الثروة، في الرسالة التي كتبت خلال يونيو(حزيران) في هذا الشأن.

وبدت فكرة فرض ضريبة على قاعدة ثابتة نسبياً من تريليونات الدولارات متوافقة بالنسبة إلى سيمونز مع ما تعلمه من الدروس الاقتصادية التمهيدية في جامعة هارفارد على يد أستاذه مارتن فيلدستاين، الذي ترأّس فريق المستشارين الاقتصاديين لدى [الرئيس الراحل] رونالد ريغان. وفي هذا الصدد، أفاد سيمونز إن "ذلك يشكل موقفاً محافظاً فعلياً بشأن زيادة استقرار الاقتصاد على المدى البعيد وامتلاك مصدر ضريبي فعال".

وبالاسترجاع، جاء جزء من ثروة عائلة سيمونز من البيع بالتجزئة عبر المراسلة التي تولتها شركة "مونتغومري وورْد" التي أنشئت في 1872، كابتكار ساعد على نجاحه تأسيس "دائرة بريد الولايات المتحدة". وساعد إنشاء الحكومة لنظام طرق سريعة بين الولايات الأميركية، في ازدهار سلسلة فنادق "حياة" التي جاءت إليه من ثروة عائلة زوجته.  

ويشكل ذلك [التاريخ] أحد الأسباب التي جعلت سيمونز يدعم فكرة فرض ضريبة على الثروة، بمعنى أن أموال أسرته جاءت بشكل جزئي من البرامج الحكومية [في البريد والطرقات]، ما يمثّل ردّاً على حجة السيناتورة إليزابيث وارن الأساسية في خطتها المتعلقة بالضرائب.

واستطراداً، وجّه سيمونز دعوة إلى المطور العقاري المتقاعد روبرت باوديتش هذه السنة لدعم تلك الفكرة. وقد أجرى رجل الأعمال الثمانيني [باوديتش] حسابات عن تأثير ضريبة الثروة على أسلوب حياته، فوجد أنها ستقلص بعض تبرعاته الخيرية لكنها في المقابل ستكون أكثر فائدة بكثير لأن المجتمع سيكون قادراً بطريقة ديمقراطية على تحديد الطريقة التي ينفق الأموال فيها.

وفي هذا الصدد، بيّن باوديتش إن "التبرعات الخيرية في حد ذاتها لا تستطيع أن توفر أموالاً كافية لدعم المنافع والخدمات العامة، مثل التعليم العام، وبناء الطرق والجسور وتنقية الهواء... يتوجّب النهوض بذلك بواسطة الضرائب".

وبصورة إجمالية، من المستطاع القول إن الأثرياء عادة ما حققوا نجاحاً محدوداً في الدعوة إلى زيادة الضرائب. وفي 2011، حفز إعلان الملياردير وارن بافيت بأنه يدفع ضريبة أقل من موظفيه، الرئيس السابق باراك أوباما على اقتراح زيادة الضرائب على الأشخاص الذين يملكون أكثر من مليون دولار، وأطلق على ذلك الاقتراح اسم "قاعدة بافيت". ولم يصادق الكونغرس على ذلك الاقتراح.

وفي 1999، إبّان تفكير ترمب في الترشّح إلى الرئاسة عن "حزب الإصلاح"، اقترح أن تُفرض لمرة وحيدة ضريبة 14,25% على الثروات التي تزيد على 10 ملايين دولار، مبرراً ذلك آنذاك بأنها ستُزيل الدَين الوطني.

 وفي تلك الآونة، أشار ترمب إلى إن تلك الضريبة ستحقق ربحاً للشعب الأميركي ككل بمن فيهم أصحاب الثروات. وعند الاستفسار عمّا إذا كان الرئيس لا يزال داعماً للفكرة، لم يصدر ردٌّ من البيت الأبيض.

© The Independent

المزيد من آراء